محمود سامح همام
باحث في الشئون الأفريقية
في تحول سياسي لافت يحمل دلالات عميقة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق سلام بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، وذلك بعد وساطة مكثفة احتضنتها العاصمة القطرية الدوحة، بحضور ممثلين عن الاتحاد الأفريقي وعدد من القوى الدولية الفاعلة.
ويأتي هذا الاتفاق تتويجًا لأسابيع من المشاورات الأمنية والدبلوماسية بهدف وقف شامل ودائم للأعمال العدائية، وانسحاب القوات الأجنبية، وفتح قنوات اتصال مباشرة لتسوية الملفات العالقة، وفي مقدمتها نشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود وعلى رأسها حركة “M23”. كما يشمل الاتفاق التزامًا مشتركًا بدعم الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية في المناطق الحدودية، بما يعكس توجهًا نحو إرساء بيئة سلمية أكثر استدامة في قلب القارة.
وعلى الرغم من هذا الإنجاز والاختراق الدبلوماسي للأزمة، إلا أن الاتفاق يثير في طياته تساؤلات جوهرية بشأن أبعاده الفعلية، ومدى قدرته على تغيير معادلة الصراع المتجذّر، وسط تحديات أمنية معقدة ومصالح متشابكة إقليميًا ودوليًا، وهو ما يجعل من الضروري تحليل الاتفاق ليس فقط بوصفه نهاية لمرحلة نزاع، بل كنقطة انطلاق لاختبار الإرادة السياسية للطرفين.
أولًا: الخلفية التاريخية للصراع بين كيغالي وكينشاسا
تعود جذور الصراع بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا إلى فترة الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، والتي قُتل خلالها ما لا يقل عن 800 ألف شخص من التوتسي والهوتو في أقل من 100 يوم. وقد أدت هذه المأساة إلى تدفق أكثر من 2 مليون لاجئ رواندي نحو شرق الكونغو، من بينهم عناصر من ميليشيات “الإنتراهاموي” المتورطة في أعمال الإبادة، وهو ما دفع رواندا لتبرير أول تدخل عسكري لها في الكونغو عام 1996. كما تطورت الأوضاع إلى حربين دمويتين (1996–1997، و1998–2003) بمشاركة تسع دول أفريقية وأكثر من 20 جماعة مسلحة، وأسفرت الحرب الثانية وحدها عن 5.4 مليون حالة وفاة، معظمها بسبب الجوع والأمراض والنزوح، وهو ما جعلها واحدة من أكثر الصراعات دموية منذ الحرب العالمية الثانية. ومنذ ذلك الحين، ظلت منطقة كيفو الشرقية محورًا لصراع مزمن تغذّيه انقسامات إثنية وتداخلات خارجية، وتستثمره شبكات مصالح مرتبطة بثروات طبيعية غير خاضعة للسيطرة المركزية.
وفي السياق الراهن، عاد التوتر إلى ذروته مع إعادة نشاط حركة “M23” المسلحة، والتي استأنفت هجماتها منذ عام 2021 بدعم مباشر، وفق تقارير أممية، من الحكومة الرواندية. وقد تفاقم المشهد مؤخرًا مع إرسال رواندا ما يزيد عن 7000 جندي إلى المناطق الحدودية المحاذية للكونغو، في خطوة وصفتها كينشاسا بأنها دعم عسكري مباشر للجماعات المتمردة، وخرق للسيادة الوطنية.
وقد تسببت هذه التحركات في موجات نزوح غير مسبوقة داخل الكونغو وتخطى عدد النازحين داخليًا 7.2 مليون شخص –وهو الأعلى على الإطلاق– وفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR). من جهتها، تواصل رواندا اتهام الكونغو بالتواطؤ مع ميليشيات “قوات تحرير رواندا” (FDLR)، التي تمثل امتدادًا لجماعات الهوتو المسلحة. وفي ظل عجز أكثر من 18,000 عنصر من بعثة الأمم المتحدة (MONUSCO) عن فرض الاستقرار، وتحول مناطق النزاع إلى بؤر غنية بالثروات الطبيعية أبرزها الكوبالت؛ حيث تمتلك الكونغو ما يُقارب 70% من الاحتياطي العالمي، كما باتت المنطقة مسرحًا لتداخلات دولية واقتصادية وأمنية معقّدة، يتجاوز فيها الصراع البُعد الثنائي إلى صراع متعدد المستويات، تحكمه توازنات النفوذ وتنافس القوى الكبرى على الموارد الاستراتيجية.
ثانيًا: موازنة المصالح والسيادة: قراءة في مكتسبات الاتفاق الكونغولي الرواندي
في سياق إقليمي تتسم ملامحه بالتعقيد البنيوي وتشابك المصالح، شكّل الاتفاق الأخير بين كيغالي وكينشاسا منعطفًا استراتيجيًا في مقاربة النزاع الممتد شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. فبعد سنوات من المواجهات المسلحة والاتهامات المتبادلة، جاء الاتفاق ليضع أسسًا جديدة لمعالجة الصراع عبر أدوات سياسية وأمنية متداخلة، تعكس انتقالًا تدريجيًا من منطق القوة العسكرية إلى منطق التفاهمات السياسية والمؤسسية المشروطة. وفي ظل رعاية إقليمية ودولية مكثفة، تبلورت بنود الاتفاق على نحو يوازن بين استعادة السيادة الوطنية، وتحقيق الاستقرار الميداني، وتهيئة بيئة اقتصادية جاذبة تستثمر في الموارد الاستراتيجية المشتركة. وفيما يلي أيرز بنود هذه الاتفاق:
1. انسحاب القوات الرواندية خلال 90 يومًا
نصت الاتفاقية على انسحاب أكثر من 4,000 – 7,000 جندي من رواندا من شرق الكونغو خلال ثلاثة أشهر، بهدف إنهاء الوجود العسكري الأجنبي وتهدئة التوترات الحدودية.
2. إطلاق آلية تنسيق أمني خلال 30 يومًا
تم الاتفاق على إنشاء آلية أمنية مشتركة تضم مسئولي عسكريين من كلا البلدين، يُفعل مفعولها خلال 30 يومًا لمراقبة التنفيذ وضبط دعم الميليشيات.
3. وقف دعم الجماعات المسلحة
التزمت رواندا والكونغو باحترام السيادة والإقليمية، ووقف أي دعم للمجموعات المسلحة مثل M23 وFDLR، ووقف التجاوزات العسكرية العابرة للحدود.
4. وقف العمليات العسكرية ضد FDLR في نفس الإطار الزمني
فرض الاتفاق تنفيذ عمليات الكونغو ضد “قوات تحرير رواندا الديمقراطية (FDLR)” خلال 90 يومًا، مما يعزّز التوازن الأمني المشترك.
5. وضع إطار للتكامل الاقتصادي خلال 90 يومًا
تلتزم الدولتان بإطلاق إطار للتكامل الاقتصادي الإقليمي خلال 90 يومًا، بهدف جذب استثمارات غربية لقطاع المعادن الحيوية كالكوبالت والليثيوم والنحاس.
6. دمج جماعات مسلحة بشرط وطني
اشترط الاتفاق تسريح وتسوية المقاتلين غير النظاميين، مع إدراجهم في القوات النظامية الكونغولية بعد عملية تحقق مشروطة لضمان الحفاظ على الأمن الداخلي.
7. الدعم الدولي والمراقبة
شُكّلت آلية إشراف تدخل فيها الولايات المتحدة وقطر والاتحاد الأفريقي، مع توقيع الاتفاق بحضور وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وكبار المسئولين، لتعزيز التنفيذ والشفافية.
8. دعم الحوار القطري بموازاة الاتفاق
أكد الاتفاق على دعم الوساطة المُستمرة في الدوحة بين الكونغو وحركة M23، وربط تنفيذه بتقدم المحادثات في قطر لضبط الوضع الميداني ومنع التصعيد.
ثالثًا: سلام بمقايضات استراتيجية: الوساطة الأميركية في الصراع الكونغولي – الرواندي
في خضم الاحتفاء الظاهري باتفاق السلام بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، والذي رعته الولايات المتحدة الأميركية بوساطة مباشرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تتكشف أبعاد أكثر عمقًا تتجاوز الإطار المعلن لإنهاء الصراع، لتسلط الضوء على ما يمكن تسميته بالبعد الاستغلالي للاتفاق، سياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا، في سياق يتشابك فيه النفوذ الأميركي مع مصالح استراتيجية في قلب أفريقيا.
فالولايات المتحدة، وإن تبنت خطابًا دبلوماسيًا يرتكز على دعم الأمن الإقليمي وحقن دماء المدنيين، إلا أن جوهر وساطتها يعكس مجموعة من التوجهات المختلفة من أهمها:
1. المكاسب الاقتصادية: سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إعادة التدخل في قلب التوازنات الجيواقتصادية في منطقة البحيرات العظمى، لا سيما في ظل ما تزخر به الكونغو الديمقراطية من ثروات اقتصادية هائلة، تجعلها نقطة جذب مركزية في سباق القوى العظمى نحو السيطرة على الموارد الحيوية؛ إذ تشير الإحصاءات إلى أن الكونغو تمتلك ما يقرب من 70% من الاحتياطي العالمي المعروف من معدن الكوبالت، والمستخدم في بطاريات السيارات الكهربائية والتكنولوجيا المتقدمة، إلى جانب احتياطات ضخمة من الذهب والليثيوم والنحاس واليورانيوم. وفي المقابل، تعد رواندا معبرًا استراتيجيًا مهمًا في تصدير هذه المعادن، خاصة من إقليم شمال كيفو، وهو ما يزيد من أهمية إحلال سلام مسيطر عليه يضمن تدفق هذه الموارد دون تهديد للمصالح الغربية.
2. المكاسب السياسية لترامب: تحمل الوساطة الأميركية ملامح استغلال سياسي شخصي، تمثل في سعي ترامب الواضح لتوظيف هذا الاتفاق كجزء من سرديته الشخصية كباعث للسلام العالمي، في إطار حملة علاقات عامة تعيد تقديمه كرجل السلام، على حد تعبيره. فقد صرّح مؤخرًا بأنه الأجدر بجائزة نوبل للسلام، مستشهدًا بدوره في وقف الحرب بين الهند وباكستان قبل أسابيع، وكذلك وقف النزاع الإيراني – الإسرائيلي، وها هو اليوم يضيف إلى رصيده اتفاقًا أفريقيًا يُراد له أن يُعرض كإنجاز دولي نوعي.
وفي ضوء ذلك، فإن الاتفاق رغم ما قد يحمله من آمال على المستوى الإنساني، لا يمكن عزله عن سياق استغلالي مزدوج: اقتصادي يرتكز على إعادة تشكيل النفوذ داخل سوق المعادن الاستراتيجية، ودبلوماسي يتمثل فب توظّيف السلام كأداة لتعظيم رأس المال السياسي لرجل يسعى إلى إعادة تصدير نفسه عالميًا عبر بوابة الجوائز والرمزيات الدولية. وهو ما يفرض ضرورة النظر إلى هذا الاتفاق بنظرة تحليلية نقدية، تتجاوز العناوين البراقة لتتلمّس حقيقة الأجندات المحرّكة لصناع القرار الدوليين.
رابعًا: معوقات تنفيذ اتفاق السلام: بين التجربة الكونغولية ونماذج الفشل المؤسسي
رغم ما تحمله اتفاقية السلام بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية من مضامين واعدة وخطاب تصالحي، فإن تنفيذها في الواقع يواجه منظومة من التحديات المركبة، تُعيد إلى الأذهان نماذج مشابهة لاتفاقات سلام أفريقية لم تصمد أمام تعقيدات الواقع، كما حدث في اتفاقات دارفور بالسودان، أو تفاهمات السلام في جنوب السودان في عام 2015، التي انهارت سريعًا بفعل الأسباب ذاتها، وفيما يلي أبرز هذه التحديات:
1. انعدام الثقة المتبادلة وازدواجية السلوك السياسي
يظل غياب الثقة بين كيغالي وكينشاسا عائقًا مركزيًا، بالنظر إلى تراكم الإرث العدائي وتبادل الاتهامات المزمن بدعم جماعات متمردة. هذا المناخ شبيه بالحالة بين إثيوبيا وإريتريا بعد اتفاق الجزائر عام 2000؛ حيث بقي الاتفاق مجمدًا لعقدين بسبب انعدام الثقة ورفض التنفيذ الميداني. وبالنسبة للكونغو، يعزز هذا الاتجاه للتوازن استمرار رواندا في دعم “M23” ميدانيًا، مقابل اتهامات رواندية لكيغالي بدعم ميليشيات “FDLR”، وهو ما يجعل من وقف الدعم المشترك التزامًا صعب القياس والتنفيذ.
2. ضعف الهياكل الأمنية وفقدان السيطرة الميدانية
تعاني الكونغو من هشاشة شديدة في قدرتها على بسط نفوذها الأمني في الشرق، وهي سمة تُذكرنا بتجربة مالي بعد توقيع اتفاق الجزائر في عام 2015؛ حيث فشلت باماكو في فرض سيطرتها شمال البلاد، وهو ما سمح للجماعات المسلحة بإعادة التمركز والتمدد؛ حيث ينتشر في الكونغو ما يزيد عن 120 مجموعة مسلحة غير خاضعة لسلطة الدولة، وهو ما يجعل بنود دمج وتسريح هذه المليشيات غير قابلة للتنفيذ الكامل دون قدرة أمنية مهيمنة.
3. التداخلات الإقليمية وصراع المصالح الدولية
هناك بعض المعوقات البنيوية الجوهرية المرتبطة بالنزاع وتتعلق بالحسابات الإقليمية والدولية المتشابكة. فكما فشل اتفاق نيروبي بين الصومال وكينيا بسبب تضارب مصالح دول الجوار، فإن رواندا وأوغندا، وربما قوى غربية ذات مصالح معدنية، قد تعرقل تنفيذ بنود الاتفاق إذا لم تتقاطع مع أولوياتها الاستراتيجية. وهو ما يزيد الصورة تعقيدًا أن بعض الأطراف الدولية الراعية للاتفاق (كالولايات المتحدة مثلًا) ترتبط بعلاقات اقتصادية غير معلنة مع شركات عاملة في قطاع التعدين غير المشروع في الكونغو.
4. غياب آليات ضغط فعالة وافتقار بنية الرقابة للعقوبات
تعاني الاتفاقية من غموض في آليات التنفيذ والمتابعة، كما أن الآلية الدولية المشكَّلة (الولايات المتحدة، قطر، الاتحاد الأفريقي) لا تتضمن أدوات ردع حال حدوث انتهاكات. وهو ما يُعيد إلى الأذهان مصير اتفاق أبوجا للسلام في دارفور 2006، الذي انهار نتيجة غياب آلية مراقبة قوية، وافتقار الوسيط الدولي لأدوات العقاب أو الحوافز الجدية. في السياق الراهن، فإن تنفيذ اتفاق الكونغو يظل رهينًا بحسن نوايا اللاعبين الدوليين أكثر من كونه نتاجًا لبنية رقابية ملزمة.
5. ارتباط التنفيذ بمسارات تفاوض غير محسومة
يضيف ربط الاتفاق ببنود تفاوضية تجري في الدوحة مع حركة “M23” يضيف بُعدًا من الهشاشة السياسية؛ إذ إن تعثّر المسار القطري سيؤدي تلقائيًا إلى تعطيل تنفيذ عدد من البنود الأمنية المرتبطة بالحوار. وهي سابقة تكررت في تجربة ليبيا؛ حيث أدى الربط بين المسار السياسي في جنيف والمسار العسكري في سرت إلى تعقيد التنفيذ وإعادة خلط الأوراق عند أول إخفاق تفاوضي.
في الختام: إن اتفاق السلام بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وإن بدا مخرجًا دبلوماسيًا في ظاهره، إلا أنه يواجه واقعًا أفريقيًا مأزومًا يتطلب أكثر من النوايا السياسية. فالمعادلات الميدانية، والمصالح المتشابكة، والتجارب السابقة في القارة، تؤكد أن النجاح لا يكمن في النصوص، بل في الإرادة التنفيذية، وفي بناء منظومة رقابة ومساءلة حقيقية، تتجاوز منطق التسويات المؤقتة إلى ترسيخ ثقافة سلام مستدام، يحمي المكتسبات ويمنع ارتداد الأطراف نحو الصراع المسلح.

