منى أحمد
باحثة في التمويل المستدام وبناء القدرات المؤسسية
يشهد النظام الإنساني العالمي تصاعدًا غير مسبوق بين أزمات ممتدة ونزاعات ناشئة، وهو ما أدى إلى تضخم الاحتياجات الإنسانية في مقابل تراجع قدرات الاستجابة، وقد جاء إعلان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حول “التمويل الشحيح وتنامي الأخطار” كمؤشر تحذيري على اقتراب المنظومة من عتبة عدم القدرة على الوفاء بالحدّ الأدنى من الالتزامات.
وتأتي هذه التصورات في ضوء ما تعانيه الدول من تراجع في تدفق المساعدات، وهو ما يفاقم هشاشة مؤسساتها الوطنية ويزيد اعتمادها على الدعم الخارجي. وفي حالات مثل السودان أو غزة أو اليمن، فإن تراجع التمويل يشير إلى أن ملايين المدنيين أصبحوا مهددين بالمجاعة أو بانهيار الخدمات الأساسية. كما يؤدي ضعف المنظومة الإنسانية الدولية إلى توسيع مساحة تدخل الفاعلين من غير الدول في توزيع الموارد، وهو ما يفاقم من حالة عدم الاستقرار الداخلي.
كما تعكس الأزمة الحالية تآكل التوافق التقليدي بين الدول المانحة الكبرى حول تمويل العمل الإنساني؛ حيث تؤثر الأولويات الجيوسياسية والاقتصادية على حجم الالتزامات. فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يوجّهان جزءً متزايدًا من التمويل إلى أوكرانيا، على حساب أزمات “منسية” في أفريقيا وآسيا. وهو أمر يضع المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي أو جامعة الدول العربية أمام تحدي مضاعف لتعويض النقص، لكن إمكاناتها المالية والمؤسسية تظل محدودة نسبيًا.
من ناحية أخرى، تكشف أزمة التمويل الإنسانية عن هشاشة التضامن الدولي، حيث تتراجع الثقة في النظام متعدد الأطراف باعتباره آلية لتقاسم الأعباء. كما أن إخفاق الأمم المتحدة في تأمين الحماية الكافية للعاملين والمستفيدين يعمّق من أزمة الشرعية التي تعانيها هذه المؤسسات منذ سنوات، وعلى المستوى الأوسع، يعزز هذا الوضع من تآكل توازن القوى التقليدي؛ إذ تلجأ القوى الكبرى إلى استغلال العمل الإنساني كأداة نفوذ سياسي بدلًا من اعتباره التزامًا أخلاقيًا مشتركًا. وفي ضوء ذلك يهدف التحليل إلى تقديم بعض التفسيرات حول مجموعة من العوامل المؤثرة على هذا القطاع مثلاتساع فجوة التمويل الإنساني، وتصاعد طبيعة التهديدات ومخاطر التفاقم وانعكاسات ذلك على فعالية النظام متعدد الأطراف والخيارات البديلة وطرق الاستجابة.
أولًا: الملامح العامة للوضع الإنساني العالمي الراهن
يشهد العالم اليوم حالة غير مسبوقة من النزوح القسري؛ إذ تجاوز عدد الأشخاص الذين اضطروا لمغادرة مناطقهم بنهاية عام 2024 نحو 123 مليون شخص، وهو أعلى رقم تسجله المفوضية السامية لشئون اللاجئين على الإطلاق. ويُظهر هذا الرقم اتساع نطاق الضغوط الواقعة على النظام الإنساني الدولي، خصوصًا مع حقيقة أن ما يقرب من 73.5 مليون شخص من هؤلاء هم نازحون داخليون ولم يتمكنوا حتى من عبور الحدود بحثًا عن الأمان. كما تكشف هذه الأعداد أن النزوح الداخلي أصبح السمة الأبرز للأزمات الإنسانية في السنوات الأخيرة، حيث يظل ملايين الأفراد محاصرين داخل بلدانهم، بين مطرقة النزاعات وسندان الانهيارات الاقتصادية والمناخية.
كما بلغ إجمالي عدد النازحين داخليًا في عام 2024 حوالي 83.4 مليون شخص، وهو رقم قياسي جديد يعكس عمق الأزمات الممتدة في مناطق عدة من العالم. ويُعزى نحو 90% من هذه النسبة إلى النزاعات المسلحة، وهو ما يشير إلى أن الحروب والصراعات لا تزال المحرك الأساسي وراء موجات النزوح. وفي ضوء هذا التصور، تتصدر السودان المشهد كأعلى دولة من حيث عدد النازحين داخليًا؛ إذ بلغ العدد فيها 11.6 مليون شخص. كما تظل سوريا إحدى أبرز بؤر النزوح بما يقارب 7.4 مليون نازح داخلي، إلى جانب أعداد كبيرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية واليمن ودول أخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا. ويتضح من هذه المعطيات أن النزوح الداخلي لم يعد ظاهرة مؤقتة، بل تحوّل إلى أزمة هيكلية مستمرة، تتقاطع فيها النزاعات المسلحة مع الكوارث المناخية، ما يضاعف هشاشة المجتمعات وقدراتها على الصمود.
ومن زاوية ديموغرافية، يتضح أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضررًا من هذه الديناميكيات. فقد بلغ عدد الأطفال النازحين بسبب النزاعات والعنف حتى نهاية عام 2024 حوالي 48.8 مليون طفل، بينهم 19.1 مليون لاجئ وأكثر من 29 مليون نازح داخليًا، إضافة إلى نحو 4.4 مليون طفل نزحوا بسبب الكوارث الطبيعية وحدها. ولا تعكس هذه الأرقام حجم الكارثة الإنسانية فقط، بل تكشف أيضًا عن تهديد طويل الأمد لمستقبل التعليم والصحة والأمن الغذائي لجيل كامل من الأطفال.
وإذا كان ينظر إلى النزوح كأحد أبرز مظاهر الأزمة الإنسانية الراهنة، فإن انعدام الأمن الغذائي والمجاعة يمثلان وجهًا أكثر قسوة. ففي بداية عام 2025، قدّر برنامج الأغذية العالمي أن ما يقرب من 343 مليون شخص في 74 دولة يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بزيادة تقارب 10% عن العام السابق. وقد أعلنت جهات دولية متخصصة مثل “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC) أن مناطق متعددة دخلت رسميًا في مرحلة المجاعة. ففي غزة، يواجه أكثر من نصف مليون شخص في مدينة غزة وحدها المجاعة بالفعل، وسط تصاعد أعداد الضحايا خاصة بين الأطفال. أما في السودان، تشير بيانات منظمة اليونيسف إلى أن الأزمة الغذائية في دارفور بلغت مستوى خطيرًا يُهدّد حياة الأطفال بحدة. وفي الفترة بين يناير ومايو 2025، سجّلت اليونيسف ارتفاعًا بنسبة 46٪ في عدد الأطفال الذين تم علاجهم من سوء التغذية الحاد (SAM) في الولايات الخمس المعنية بمنطقة دارفور مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. وفي ولاية دارفور الشمالية وحدها، تم إدخال أكثر من 40,000 طفل للعلاج من هذا النوع من التغذية داخل المراكز الصحية، وهو ما يشكل ضعف العدد مقارنة بالفترة الموازية من العام السابق. كما كشفت مسوح ميدانية حديثة أن مستويات التغذية في تسع من أصل ثلاث عشرة محلية تجاوزت معايير الطوارئ لمنظمة الصحة العالمية، وأن نسبة التغذية الحادّة الشاملة (GAM) في محلية ياسين، بشرق دارفور، وصلت إلى 28٪ عند بداية موسم الجوع، وهو مؤشر يقترب من نسبة المجاعة حسب المعايير المعتمدة. وهذا التصاعد في معدلات سوء التغذية هو مؤشر تنبيهي على أن الأطفال في دارفور يُعرّضون لحالة طارئة تُهدد حياتهم، لا سيما مع تراجع إمكانية وصول المساعدات الأساسية وطبيعة النزاعات القائمة.
وفي موازاة ذلك، يعاني النظام الإنساني من انهيار الخدمات الأساسية في مناطق النزاع. ففي الكونغو والسودان وأوكرانيا، أدى نقص التمويل إلى تراجع حاد في تقديم خدمات الرعاية للناجيات من العنف الجنسي، وهو ما يعكس وجهًا خفيًا للأزمة الإنسانية يتمثل في ضعف شبكات الحماية المجتمعية. وعلى الجانب الآخر، دفع العاملون في المجال الإنساني ثمنًا باهظًا؛ حيث سُجل مقتل 383 موظفًا في عام 2024، كان 65% منهم في غزة وحدها، وهو ما يوضح خطورة بيئة العمل الإنساني وتزايد استهداف الفاعلين الإغاثيين.
وبتحليل الصورة الكلية، يمكن القول إن المشهد الإنساني العالمي يتسم بعدة سمات رئيسية: أولها، أن النازحين داخليًا باتوا يمثلون الكتلة الأكبر والأكثر إهمالًا في معادلة الاستجابة. ثانيها، أن المجاعة وانعدام الأمن الغذائي باتا يتجاوزان حدود الأزمات الإنسانية التقليدية ليشكلا تهديدًا وجوديًا مباشرًا للملايين. ثالثها، أن الأطفال والنساء يظلون الأكثر هشاشة وتأثرًا بما يجري، وهو ما يجعل الأزمات الإنسانية ذات وجه إنساني عميق الأثر. وأخيرًا، أن تراجع الخدمات الأساسية واستهداف العاملين الإنسانيين يضعف من قدرة المنظومة الدولية على تقديم الاستجابة المطلوبة، ويزيد من خطر الانهيار الجزئي أو الكلي للنظام الإنساني العالمي.
ثانيًا: أزمة التمويل الإنساني العالمي: اتجاهات التأثير
يواجه التمويل الإنساني العالمي أزمة مركبة تضاعفت حدتها خلال العامين الماضيين؛ إذ باتت فجوة الموارد المتاحة مقابل الاحتياجات هي الأكبر منذ تأسيس منظومة العمل الإنساني حسب ما أعلنه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية (OCHA)، فإن أقل من 17% من مبلغ 46 مليار دولار اللازم لتلبية الاحتياجات الإنسانية في 2025 قد تم تحصيله حتى منتصف العام، وهو ما يُعد تراجعًا حادًا بنسبة 40% مقارنةً بنفس الفترة من العام السابق. هذه الأزمة ليست جديدة، فقد كانت مسارات تمويل الاستجابة المشتركة بين الوكالات الإنسانية تُسجّل مستويات تمويل قياسية منخفضة في 2023؛ حيث حصلت العمليات المشتركة على 45% فقط من الاحتياجات المعلنة، أي بفجوة تقارب 31.5 مليار دولار، وهو ما يمثل الرقم الأعلى على الإطلاق.
ويترتب على هذا النقص اضطرار المنظمات الإنسانية إلى اتخاذ قرارات “فرز أولويات للبقاء”. وبالفعل، دفعت هذه الضغوط OCHA إلى إطلاق نداء عالمي يستهدف فقط 114 مليون شخص من بين العدد الأكبر في خطة الاستجابة الإنسانية الشاملة لعام 2025.
وتجب الإشارة هنا إلى أن المؤسسات الأممية تتبع هذه السياسة القطاعية، فمثلًا أطلقت UNICEF تقريرًا يكشف أن تمويل المفوضية السامية للاجئين (UNHCR) يغطي فقط 35% من ميزانياتها السنوية، بينما تراوح دعم المساهمات المرنة القيمة التي تمكنها من الاستجابة للطوارئ حوالي 18% بنسبة أقل من العام السابق.
وفيما يتعلق بالتأثير المباشر، فقد أدى نقص التمويل إلى تقليص خدمات الرعاية الأساسية في بلدان مثل نيجيريا؛ حيث اضطرت المنظمات لخفض 70% من خدمات الرعاية الصحية و50% من خدمات التغذية في ثلاث ولايات رئيسية، على الرغم من أن الاحتياج استمر في التصاعد. وفي سياق المخاطر الأمنية والحماية، أشار تقرير مجموعة الحماية العالمية إلى أن فجوة التمويل في هذا القطاع وصلت إلى 51% عام 2024، وتتوقع أن تصل إلى 86% في نهاية 2025، وهو ما يهدد الخطر الموجه إلى المدنيين بشكل مباشر ويوضح تراجع الجهود الوقائية.
ومن هنا يتضح جليًا أن أزمة التمويل الإنساني ليست مجرد مشكلة تمويل عابرة، بل هي أزمة تأثيرات متعددة الأبعاد تتعلق بحجم الاحتياج المتزايد في ضوء تراجع نسبة التمويل، وخيارات المنظمات للرد الاستباقي تتقلص، وهو ما يعني ارتفاع تكاليف التأجيل وتعميق الأزمات لدى الأسر والمجتمعات الأكثر هشاشة.
ثالثًا: المجالات المؤثرة على المساعدات الإنسانية الدولية
يشهد العالم اليوم تصاعدًا غير مسبوق في التهديدات الإنسانية والأمنية التي باتت تؤثر على المجتمعات عبر القارات كافة، وهو ما يعكس تفاقم الأزمات المتشابكة من صراعٍ إلى نزاعٍ إلى كوارث متلاحقة. ففي السياق الإنساني العام، يشير تقرير””Global Report on Food Crises” لعام 2025 إلى أن نحو 295.3 مليون شخص في 53 دولة يعانون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مع تضاعف أعداد المتواجدين ضمن “مرحلة الكارثة (IPC Phase 5)” مقارنة بالعام السابق، وهي حالات تتركز أساسًا في غزة والسودان.
على الجانب الآخر، وفيما يتعلق بالتوسع الجغرافي، فإن أفريقيا لا تزال تمثل بؤرة للتهديدات المركبة مثل الحرب، والكوارث المناخية، والأزمات الاقتصادية وتدهور البنية التحتية. وقد أشار التقرير ذاته إلى أن السودان وحده يمثل نحو 35% من الاحتياجات العاجلة في منطقة شرق وجنوب أفريقيا.
على مسار موازٍ، سجلت الحروب والنزاعات العنيفة ارتفاعًا ملموسًا في ضحايا المدنيين؛ إذ قُتل أكثر من 36,000 مدنيًا في 14 صراعًا عالميًا خلال 2024، بزيادة تقارب 7.5% مقارنة بالعام السابق. وكان استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المدنية، مثل غزة وسوريا وأوكرانيا وميانمار وسودان، الدافع الرئيسي للدمار والقتل الجماعي.
ومن زاوية أمن العمل الإنساني، ارتفع عدد العاملين القتلى إلى 379 شخصًا في 2024، وهو ما جعلها السنة الأكثر دموية في تاريخ العاملين في الحقل الإنساني وقد كانت غزة ساحةً للعديد من هذه الحوادث، مع تسجيل 320 حالة قتل بين العاملين الإغاثيين منذ أكتوبر 2023.
بالانتقال إلى مجالات أخرى من التهديدات، برزت مجموعة من الاتجاهات التي أبرزت مجموعة من العوامل منها أن عدم استقرار الحكومات وتراجع فعالية التضامن متعدد الأطراف قد أضعفا قدرات الأمم المتحدة على معالجة النزاعات بوسائل سلمية. فمنذ عام 2018 حتى 2024 تراجع عدد الأفراد المنخرطين في عمليات حفظ السلام لأقل من 68 ألفًا، في ظل تصاعد الإنفاق العسكري العالمي وتراجع الالتزام الدولي بحل النزاعات سلميًا.
وعلى صعيد البيئة، يؤكد الأمين العام للأمم المتحدة أن “الفوضى والتحولات المناخية” باتت من أبرز دوافع التهديدات الإنسانية والأمنية؛ إذ تغذي النزوح وتغذي العنف وتتداخل مع تفاقم الفقر والجوع في مناطق مثل تشاد وغيرها.
وفي ضوء هذه المعطيات، يتبيّن أن التهديدات الإنسانية والأمنية لم تعد علامات ظرفية أو إقليمية بل هي أزمات هيكلية وشاملة، ويتطلب لمعالجتها تعزيز التضامن متعدد الأطراف، وإرساء آليات حماية فعالة للمدنيين والعاملين الإنسانيين، ورفع منسوب الاستعداد والتخطيط المبكر، لا سيما في المناطق الأكثر تأثرًا مثل أفريقيا، والشرق الأوسط، وأجزاء من آسيا وأمريكا اللاتينية.
رابعًا: قراءة في تصريح الأمين العام للأمم المتحدة بمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني 2025
يؤسس الخطاب التي ألقاءه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لنوعٍ من المرتكز القيمي والأخلاقي الذي تتمحور حوله الجماعة الإنسانية العالمية بوصفها شريان الحياة الأخير لأكثر من 300 مليون إنسان. وهذا التأطير ليس توصيفًا لظاهرة بل فعل أداءي Performative يصنع معنىً جمعيًّا ويطالب الجمهور (الدول والمانحين والرأي العام) بالانخراط في اقتصادٍ أخلاقي قوامه التضامن والتمويل والحماية؛ إذ يربط الأمين العام بين مكانة هؤلاء العاملين ورهانات الشرعية الأخلاقية للنظام الدولي، وأن “الهجوم على العاملين الإنسانيين هو هجوم على الإنسانية.
وقد اعتمد الخطاب على ثلاثة محاور للتهديد، ربما بهدف صناعة حالة طوارئ معيارية والمتمثلة في تصاعد العنف ضد المستجيبين، وجفاف التمويل، وتفاقم الآثار الجندرية (ارتفاع العنف ضد النساء وتراجع الخدمات الأساسية). في المحور الأول، يستند إلى رقمٍ قياسي لقتلى العاملين الإنسانيين في العام السابق (نحو 390)، بما يمنح الرسالة قوة “الصدمة بالأرقام” ويُظهِر تقلّص “المساحة الإنسانية” عالميًا. ورغم تباينٍ طفيف بين قواعد البيانات (تقديرات 383–390 تبعًا لحدود الزمن ومصادر الحصر)، إلا أن الاتجاه الثابت يتمثل في التحول الهيكلي في مخاطر العمل الإنساني.
وفيما يتعلق بالمحور المالي الخاص بالتمويل، قدَّم الأمين العام للأمم المتحدة العجز بوصفه نزيف للشريان الإنساني في ظل الاحتياجات الضخمة التي يتم تغطيتها بنسبة لا تتجاوز نحو 18% منتصف أغسطس 2025. وهو ما يؤشر على توزيعٍ غير عادل للاهتمام والموارد داخل سوق المعاناة العالمي؛ حيث تُهمَّش الكثير من الفئات، لذلك استهدف الخطاب العمل على توطين التمويل وتمريره مباشرة للمنظمات النسائية والمحلية، بما يعني إعادة ضبط هرم السلطة الإنسانية من “المركز” إلى “الأطراف”. كما يستهدف ذلك التحويل في الحقل الإنساني ويقترح نموذج “الشراكة” بدلًا من “الوصاية”. فالخطاب الأممي في هذه الحالة لا يقتصر على نقل واقع مأساوي، بل يسعى لإعادة تشكيل مفهوم ‘الإنسانية’ في سياق المساعدات، بحيث تصبح هذه القيم أداة للشرعية الدولية تمنح الفاعلين الإنسانيين سلطة رمزية في مناطق النزاع.
كما يتحرك الخطاب من منظور الحياد الإنساني الكلاسيكي إلى مطالبة سياسية صريحة قائمة على حماية العاملين والمدنيين، وتعزيز آليات المساءلة، ووقف تدفقات السلاح إلى المنتهكين. ولعل هذا المسار يربط بين
الأمن الإنساني وسلاسل الإمداد للعنف، ويفتح سؤال الشرعية عن الدول والجهات التي تواصل التصدير رغم سجلات الانتهاك. ومن منظور سياسة المعايير، ينتقل الخطاب من مجرد “دعوة أخلاقية” إلى ضغط معياري على صُنّاع القرار وتحفيز تنفيذ القواعد والأدوات وتوفير الإرادة السياسية والشجاعة الأخلاقية ونزع القناع عن التقاعس وتحويله إلى أدوات للمحاسبة والمسائلة.
كما يوظّف الخطاب أدوات الفضاء الرقمي لإنتاج أدوات للضغط عابر الحدود؛ فالهتاف الجماعي الرقمي ليس مجرد وسيلة اتصالية، بل محاولة لتوسيع “الجمهور الأخلاقي” وتحويل الإسناد إلى التزام مُعلن، ويعكس هذا الجانب أحد الجوانب المهمة نحو تعزيز آليات الحماية والمحاسبة، في تزاوجٍ بين الإجراءات الرمزية والإجرائية؛ إذ لا تُكتسب الشرعية الأخلاقية من دون قابليةٍ قياسية للتتبع ومنع، والردع، والعقاب.
خامسًا: السيناريوهات المحتملة لمواجهة أزمات التمويل الإنساني العالمي
يمثل العجز التمويلـي الحاد الذي أشار إليه الأمين العام تهديدًا مباشرًا لفعالية منظومة الأمم المتحدة الإنسانية. فوكالات مثل برنامج الأغذية العالمي (WFP) أو مفوضية اللاجئين (UNHCR) باتت تضطر لتقليص عملياتها أو خفض حصص المساعدات، وهو ما يضعف الثقة في قدرتها على الاستجابة لملايين المتضررين. كما أن استهداف العاملين في المجال الإنساني يقوّض الشرعية الأخلاقية للأمم المتحدة ويزيد من الفجوة بين المبادئ المعلنة والقدرة الفعلية على الحماية.
وفي ضوء ذلك ثمة مجموعة من السيناريوهات التي يمكن من خلالها توضيح الاتجاهات المحتملة لمعالجة أو تفاقم الحلول الموجهة لهذا القطاع وذلك على النحو الآتي:
1. السيناريو الأول: تعزيز التمويل وحماية العاملين
يقوم هذا الاتجاه على فرضية أن هناك احتمالية لأن يشهد الوضع الإنساني تحسنًا ملموسًا نتيجة استجابة المجتمع الدولي لنداءات الأمين العام من خلال عقد شراكات جديدة مع الدول المانحة وإطلاق حملات تضامن عالمية تُعيد ملف التمويل إلى سلم الأولويات. وتترافق هذه الجهود مع تبني آليات فعالة لحماية العاملين الإنسانيين في الميدان، كما يستند هذا السيناريو على مجموعة من العوامل من أهمها وجود توافق سياسي بين القوى الكبرى على ضرورة تحييد العمل الإنساني عن الصراعات الجيوسياسية، بالإضافة إلى تصاعد الضغط الإعلامي وحملات الرأي العام التي تربط بين القيم الإنسانية وصورة الدول أمام المجتمع الدولي، بجانب التحركات التشريعية الدولية لفرض عقوبات على الجهات التي تستهدف العاملين الإنسانيين.
وفي حال تطبيق هذه الخطوات، فثمة مجموعة من الانعكاسات تتمثل في تحسين وصول المساعدات إلى المجتمعات الأكثر هشاشة، وتعزيز ثقة السكان المحليين في المنظمات الدولية، وهو ما يقلل من مخاطر الصدامات الثقافية، بالإضافة إلى إعادة إنتاج مفهوم “الإنسانية” كقيمة مشتركة تُسهم في تعزيز الشرعية الأخلاقية للفاعلين الدوليين.
2. السيناريو الثاني: تصاعد الأزمة الإنسانية وتفاقم التهديدات الأمنية:
يستند هذا المسار على إمكانية تراجع الاستجابة الدولية بفعل الأزمات الاقتصادية العالمية واستمرار النزاعات المسلحة، وهو ما يؤدي إلى تقليص التمويل الإنساني وانهيار منظومات الإغاثة في عدة مناطق والذي يترافق معه تصاعد الهجمات على العاملين الميدانيين نتيجة تنامي نفوذ الجماعات المسلحة وتوظيف الخطاب المناهض للتدخلات الخارجية في الخطاب المحلي. وهناك مجموعة من الاتجاهات الحاكمة من أهمها استمرار الحروب بالوكالة وتوظيف المساعدات كأداة ضغط سياسي، وتضاؤل الحشد الإعلامي وتراجع التضامن الشعبي على المستوى العالمي، بجانب تصاعد النزعات الثقافية الرافضة لأي نفوذ خارجي بدعوى حماية الهوية والسيادة.
وفي حال تطبيق هذه الخطوات، فثمة مجموعة من الانعكاسات تتمثل في ارتفاع معدلات المجاعة والوفيات في مناطق النزاع والكوارث، وانهيار الثقة بين المجتمعات المحلية والمنظمات الدولية، وهو ما يفتح الباب أمام صراعات جديدة، فضلًا عن تحويل الخطاب الإنساني إلى أداة جدلية تُستخدم في الصراع الرمزي على الشرعية السياسية.
3. السيناريو الثالث: بقاء الوضع هشًا مع تفاوت الاستجابة الإنسانية
يشير هذا السيناريو إلى استمرار الأزمة الإنسانية في حالة هشاشة مزمنة؛ حيث تبقى مستويات التمويل أقل من المطلوب، فيما تحقق الجهود الأمنية تقدمًا جزئيًا في حماية العاملين الميدانيين، ويعكس هذا السيناريو واقعًا مختلطًا وهو تحسن في بعض المناطق يقابله تفاقم في أخرى، مع استمرار الاعتماد على تدخلات طارئة لا ترقى إلى حلول جذرية. وهناك عدة عوامل محفزة أيضا لهذا السيناريو والمتمثلة في استمرار الضغوط الأممية لإبقاء الملف الإنساني حاضرًا في الأجندة الدولية، والالتزام المحدود من بعض الدول المانحة دون تغيير هيكلي في منظومة التمويل، بالإضافة إلى تعاون نسبي مع الفاعلين المحليين لتأمين العمل الإنساني، مع بقاء الحساسيات الثقافية قائمة. وهو ما سينتج الأمر الذي سيثمر عنه استمرار الأزمة الإنسانية في مستويات حرجة رغم التدخلات الجزئية، وبقاء التوتر القيمي بين الخطاب الأممي والمفاهيم المحلية للسيادة والكرامة، بجانب إعادة تشكيل أولويات الفاعلين الإنسانيين بما يركز على المناطق الأكثر تهديدًا فقط.
سادسًا: اتجاهات الاستجابة والتوصيات المقترحة
تتعدد اتجاهات ومسارات الاستجابة لمعالجة أوجه القصور المختلفة لتراجع عمليات المساعدات الإنسانية،
1. تعزيز حماية العاملين الإنسانيين من خلال إقرار آليات إنفاذ فعّالة لحماية العاملين الإنسانيين، بما في ذلك:
أ. تكثيف التدريب على قوانين النزاع لحفظة السلام والعاملين في الميدان.
ب. إنشاء وحدات محاسبة وتوثيق ميدانية مستقلة لتسجيل الانتهاكات وملاحقة الجناة.
ج. تحوّل من مجرد حماية قانونية إلى حوكمة إطلاق النار عبر مراقبة رقميّة لجبهات النزاع، آليات إبلاغ فوري، وضغط دولي على الأطراف المسلحة لوقف الهجمات.
د. اعتبار استهداف العاملين الإنسانيين جريمة دولية، مع رفع تكلفة الإفلات من العقاب عبر مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية.
2. تحويل التمويل نحو الطابع المحلي والنسوي من خلال:
أ. تخصيص جزء من الميزانية الإنسانية (لا يقل عن 25%) للمنظمات النسائية والمحلية، بما يُفعّل قاعدة “المعرفة المحلية أولًا” في طبيعة الاستجابة.
ب. إلغاء معايير البيروقراطية المعقدة عند تحويل الأموال للجهات المحلية، مع تبني آليات تمويل مرنة وتوقعات أداء مبسطة تتسم بالثقة والاحترافية.
ج. إنشاء صناديق تمويل خاصة بالمرأة في السياق الإنساني، يكون لها مجلس توجيه محلي بقيادة نسائية.
3. إعادة تعريف الشراكات الإنسانية من خلال اعتماد إطار جديد للشراكة “منظمات دولية -منظمات محلية” يعتمد على:
أ. الانتقال من علاقات متسلسلة (Hierarchical) إلى شبكات متوازية (Peer-to-Peer).
ب. تمثيل محلي فعلي في آليات اتخاذ القرار والتخطيط للطوارئ.
ج. إدراج شروط التمكين المحلي في مناهج الشركاء الدوليين، بحيث ترتبط مساعداتهم بدعم قدرات المؤسسات المحلية وتمكينها.
4. تفعيل “الضغوط الأخلاقية” على المستوى الدولي
أ. توثيق الانتهاكات ضد العاملين الإنسانيين كمؤشر لشفافية الحوكمة، وإدراجه في تقييم أداء الدول المانحة.
ب. إنشاء “قائمة ضمير” خاصة بالدول الفاعلة التي ترعى التطرف أو الانتهاك ضد الإنسانية، تُعرض سنويًا خلال الجلسة العامة للأمم المتحدة.
ج. استخدام الوسوم (Hashtags) وحملات الإعلام الاجتماعي في إطار ضغط مجتمعي خارج المؤسسات، لتضخيم صوت الضحايا والمجتمعات المتضررة عالميًا.
5. التركيز على الجندر كوحدة قيادة وليس مشاركة رمزية
أ. تشجيع تبنّي البرامج الإنسانية بقيادة نسائية في المناطق المتأثرة بالصراع، مع دعم مباشر للقيادات النسائية المحلية.
ب. التأكيد على أن تمكين النساء ليس فقط فعل مساواة، بل استراتيجية فعالة للسلام والأمان.
ج. دعم بحوث وجمع بيانات مفصلة عن “العنف المضاعف” ضد النساء في النزاعات، لضمان استهداف الأوضاع الميدانية والمعالجة النوعية، لا التعميم.
6. ربط الحماية الإنسانية بخفض تدفق الأسلحة
أ. دعم قرارات ملزمة لفرض حظر على توريد السلاح إلى أطراف تُسجَّل ضدها انتهاكات جسيمة بحق العاملين في المجال الإنساني.
ب. ربط تقديم المساعدات الإنسانية المباشرة مع مسارات مبيعات السلاح للتحقق من عدم استخدامها في استهداف المدنيين.
ج. إبراز استهداف العاملين الإنسانيين كمُعيار لتقييد الوصول المالي أو السياسي لتلك الأطراف.
7. إصلاح آليات التمويل الإنساني
أ. الانتقال من التمويل قصير الأجل والمشروط إلى آليات أكثر استدامة ومرونة تستجيب لاحتياجات المجتمعات المحلية.
ب. تعزيز الشفافية والحوكمة في إدارة الموارد المالية، بما يقلل من ازدواجية التدخلات ويزيد من فعالية الاستجابة.
ج. تشجيع الشراكات مع القطاع الخاص والمجتمع المدني لضمان تنويع مصادر التمويل وعدم الاعتماد المفرط على المانحين الدوليين فقط.
8. تطوير أدوات الإنذار المبكر
أ. الاستثمار في أنظمة رصد تعتمد على التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات المناخية والاقتصادية والاجتماعية بشكل متكامل.
ب. بناء قدرات المجتمعات المحلية على المشاركة في عمليات التنبؤ المبكر والاستجابة السريعة، بما يضمن ملكية محلية وفعالية أكبر.
ج. إنشاء منصات إقليمية لتبادل المعلومات وتعزيز التعاون بين الدول في مجال إدارة الأزمات والكوارث.
9. ربط العمل الإنساني بالتنمية والسلام
أ. تبني نهج “الترابط الثلاثي” (Humanitarian–Development–Peace Nexus) الذي يدمج بين الاستجابة الإنسانية، وجهود التنمية المستدامة، وبناء السلام.
ب. إدماج برامج التمكين الاقتصادي، والتعليم، وبناء القدرات داخل التدخلات الإنسانية لضمان استدامتها وتقليل الاعتماد على المساعدات.
ج. تعزيز المشاركة المجتمعية والحوار المحلي كوسيلة لمعالجة جذور النزاعات وتجنب إعادة إنتاج الأزمات.

