أحمد جمال الصياد
باحث في العلوم السياسية

يعد بحر الصين الجنوبي أحد أبرز مناطق التوتر في العالم نظرًا لأهميته الجيوسياسية؛ حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، ويعد الصراع القائم بين الفلبين والصين في هذه المنطقة أحد التوترات القائمة في هذه المنطقة والذي يشهد إجراءات تصعيدية منذ إعلان بكين عن خريطة الخطوط التسعة في عام 1947 التي تزعم من خلالها أحقيتها في غالبية مياه البحر، مرورًا بحكم هيئة التحكيم الدائمة في لاهاي عام 2016 الذي أيدت الموقف الفلبيني، وخلال هذه العقود ظل النزاع مستمر على أكثر من اتجاه وبمستويات مختلفة، وما يزيد النزاع تعقيدًا، الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية الكبرى التي يتمتع بها بحر الصين الجنوبي كممر حيوي لحركة التجارة العالمية وثرواته الطبيعية.
إن التنافس الإقليمي والدولي في هذه المنطقة يستند على تشابك الأبعاد؛ حيث يمكن اعتباره جزءً من الصراع الأمريكي الصيني، ويظهر ذلك في تنامي الدور العسكري الأمريكي في الفلبين عبر الدعم العسكري والمناورات المشتركة، والتوسع في إنشاء قواعدها العسكرية، بما يجعل من النزاع الإقليمي في بحر الصين الجنوبي ترجمة لصراع دولي أوسع نطاقًا بين القوى الكبري، وهو ما يزيد من فرص استمرار هذا النزاع ما لم يتم بذل جهود دبلوماسية فعالة لاحتواء النزاعات القائمة والمتطورة.
أولاً: الصراع الصيني الفلبيني لمحة تاريخية
يشهد بحر الصين الجنوبي منذ عقود العديد من النزاعات المتبادلة، ويمكن العودة لبداية النزاعات في عام 1947 وذلك حينما طالبت الصين بأجزاء كبيرة من بحر الصين الجنوبي، وذلك من خلال خريطة Nine dash والتي تعنى خريطة الخطوط التسعة، والتي تم إنشاؤها من قبل الصين، ومازالت تعترف الصين بها حتى الآن، وهي الخريطة التي تطالب الصين من خلالها بالسيطرة على جزء كبير من بحر الصين الجنوبي بما في ذلك جزر سبراتلي، وجزر باراسل، المتنازع عليها من قبل أكثر من دولة، فالفلبين على سبيل المثال تطالب بجزء من جزر سبراتلي، كما تطالب الصين وفيتنام وتايوان بمجموعة الجزر كاملة، وتكمن أهمية هذه الجزر بأنها تقع في مناطق تواجد موارد طبيعية هائلة مثل احتياطيات الغاز الطبيعي والنفط[1]، كما أن هذه الجزر تتمتع بأهمية استراتيجية وذلك لأن السيطرة عليها لها تأثير على حركة التجارة العالمية، وأي محاولة لإغلاق طرق الملاحة في بحر الصين الجنوبي سيؤثر على حركة الملاحة العالمية بصورة سلبية باعتباره ممر عبور لثلث الشحن البحري عالميا بقيمة تقارب 3 تريليون دولار أمريكي سنويًا، ومن أبرز محطات النزاع في بحر الصين الجنوبي، هو حكم هيئة التحكيم الدائمة في لاهاي عام 2016 بعدم أحقية الصين في السيطرة على الجزء الذي تطالب به في بحر الصين الجنوبي، وبحسب هيئة التحكيم لا تمتلك الصين أي أساس قانوني في مطالبها التي تطالب بها وتريد السيطرة عليها داخل خريطة الخطوط التسعة التي تستند إليها في مطالبها، كما أيدت هيئة التحكيم موقف الفلبين في قضيتها ومطالبها بشكل كامل في هذا النزاع. وقد شهد عام 2024 أحد أبرز محطات تصاعد النزاع في بحر الصين الجنوبي، وذلك حينما احتجت أطراف النزاع مثل الفلبين وماليزيا وتايوان على خريطة القطاعات العشرة التي أعلنت عنها بكين، والتي تطالب بالسيادة على ما يقارب 90% من بحر الصين الجنوبي، وهو ما احتجت عليه مانيلا مستندة إلى حكم محكمة الدولية عام 2016، وهو الذي يؤيد موقفها، ومطالبها في بحر الصين الجنوبي[2].
ثانيًا: توترات متصاعدة وحلول تنتظر التسوية
لا يزال النزاع بين بكين والفلبين مستمرًا حول مطالب كل منهما في بحر الصين الجنوبي، وكانت آخر التطورات بينهما في هذه المنطقة الاستراتيجية، المناورة العسكرية التي أجرتها الفلبين مع الولايات المتحدة، وذلك في الفترة ما بين 21 أبريل وحتى 9 مايو 2025، فهذه المناورة تعتبر أحد تطورات هذا النزاع، والتي تحمل العديد من الدلالات، وخاصة أن هذه المناورة العسكرية جائت في فترة توتر متبادل بين الصين والفلبين.
وفي 27 أبريل 2025 وجهت الصين اتهامات للفلبين بأنها تنتهك سيادتها في بحر الصين الجنوبي، بعد دخول 6 أفراد من الفلبين على جزيرة ساندي كاي والتي تعتبر جزءً من جزر سبراتلي المتنازع عليها، وحسب ليو دي جون المتحدث بإسم خفر السواحل الصيني أن “مثل هذه الأفعال تنتهك السيادة الإقليمية للصين، ونحث الفلبين على وقف انتهاكتها على الفور” كما وجهت الفلبين اتهام متبادل للصين بأنها تقوم بأعمال غير قانونية من قبل البحرية الصينية، وذلك بتواجد العديد من القطع البحرية التابعة لبكين قرب نفس الجزيرة المتنازع عليها[3]، فكل طرف يعتبر هذه الجزيرة بشكل خاص وجزر سبراتلي بشكل عام جزءً من سيادته الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، وهو الأمر الذي يتبعه خطوات تصعيدية من الطرفين. كما استمرت هذه التوترات خلال إجراء مانيلا مناورتها العسكرية مع واشنطن المعروفة بإسم مناورة بالتيكاتان25، والتي تمت بمشاركة 17 ألف جندي، وتحمل المناورة في طياتها العديد من الدلالات من أهمها:
-
- السعي الأمريكي لاحتواء النفوذ الصيني في منطقة بحر الصين الجنوبي: من الممكن أن تنشر الولايات المتحدة نظام صواريخ ( NMESIS ) في مضيق لوزون الذي يعتبر أحد طرق وصول الصين للمحيط الهادئ، كما أن هذا المضيق يقع بالقرب من تايوان، وهو ما من شأنه أن يجعل الفلبين مصدر توتر لبكين، ويمكن الإشارة هنا إلى أنه خلال مناورات بالتيكاتان 24 تم نشر نظام الصواريخ متوسطة المدى الأمريكية (TYPHON) والتي مازالت متواجدة في الفلبين حتى الآن، وهو ما يؤكد على سعي واشنطن لاحتواء النفوذ الصيني في هذه المنطقة الاستراتيجية، وبما يدعم قدرات الفلبين العسكرية في مواجهة الصين[4].
- الأهمية الاستراتيجية للفلبين في السياسة الخارجية الأمريكية: تمتلك الفلبين مزايا استراتيجية عديدة، وفي حال تمكن واشنطن من تعميق العلاقات بينها وبين مانيلا يمكنها الاستفادة من هذه المزايا في إحتواء النفوذ الصيني في منطقة الإندوباسيفيك، فالفلبين قريبة من تايوان التي تشهد أحد الصراعات الكامنة بين واشنطن وبكين، بالإضافة لإشراف الفلبين على مضيق لوزون الذي يعتبر أحد أهم نقاط الوصول الرئيسية لبكين للمحيط الهادئ، وفي هذا الإطار تحاول الولايات المتحدة الاستفادة من هذه المزايا الاستراتيجية بتعزيز علاقاتها مع مانيلا، وذلك بإقامة العديد من المناورات العسكرية معها، بالإضافة لإنشاء أكثر من قاعدة أمريكية في الفلبين، علاوة على أن واشنطن ومانيلا يرتبطان بأكثر من اتفاقية دفاعية أبرزهم معاهدة الدفاع المشترك لعام 1951، واتفاقية التعاون الدفاعي المعزز 2014، وهو ما يعكس الأهمية الكبرى التي تحتلها الفلبين لدى واشنطن، ما يجعل منها أحد حلفاؤها الرئيسيين خارج حلف شمال الأطلسي(الناتو)[5].
- تعزيز العلاقات بين الفلبينة مع دول الإندوباسيفيك: يتضح من سياسات الرئيس الفلبيني فيرديناند ماركوس جونيور، حرصه على تعزيز تعاون مانيلا مع عدة دول مثل الولايات المتحدة، والهند، واليابان، انطلاقًا من التوتر المتزايد في منطقة بحر الصين الجنوبي بين مانيلا وبكين، ومن صور هذا التعاون، المناورات العسكرية المتعددة بين الفلبين والولايات المتحدة واليابان، بالإضافة لشراء بعض الأسلحة من الهند مثل منظومة براهموس الصاروخية المضادة للسفن، ضمن سياسة الفلبين الهادفة إلى تعزيز موقفها العسكري في هذه المنطقة التي تشهد توترات متزايدة ومستمرة (6).
ثالثًا: مستقبل الصراع في بحر الصين الجنوبي
انطلاقًا من الأهمية الجيوبولتيكة لبحر الصين الجنوبي وفي ظل تشابك وتعارض المصالح الدولية في هذه المنطقة التي يمكن اعتبارها جزءً من الصراع الأمريكي الصيني، وتعارض مطالب هذه الدولة من حيث النطاق التي تزعم كل دولة بأنها من حقها السيطرة عليها، وأنها جزء من أراضيها، وفي ضوء ذلك هناك برزت مجموعة من الاتجاهات التي تشير إلى مستقبل هذا الصراع.
فهناك اتجاه يرى بإمكانية استمرار الوضع القائم، وذلك من خلال تمسك كل دولة بمطالبها، ومزاعمها في المساحات البحرية التي تريد أن تسيطر عليها، مع استمرار اقناع الصين بإعمال مبادئ القانون الدولي من خلال المساعي الدبلوماسية، في حين يرى اتجاه آخر أن هناك احتمالية لحدوث مزيد من التصعيد وصولًا للمواجهة العسكرية، فهذا النزاع من الطبيعي أن يتأثر بالنزاعات الأخرى الحيوية القائمة في محيطه، بالإضافة لتزايد النشاطات العسكرية في بحر الصين الجنوبي، من مناورات عسكرية إلى نشر منظومات أسلحة في دول هذه المنطقة، وهو ما قد يؤدي لتفاقم هذا الصراع وصولًا لحالة من الحرب الشاملة. وعلى الرغم من أن هذا النزاع خطير، ومستمر في التطور، إلا أن مواجهة دول منطقة بحر الصين الجنوبي والولايات المتحدة التحركات الصينية بشكل متوازن، سيجعل من المرجح استمرار هذا النزاع بدون الوصول لحالة من الصدام العسكري الذي سيؤدي لحرب شاملة من شأنها أن تؤثر على الاقتصاد العالمي، بالإضافة لتهديد أمن واستقرار دول جنوب شرق أسيا.
في الختام: على الرغم من التعقيدات التي يحتويها النزاع في بحر الصين الجنوبي، فإن استمرار الوضع الراهن دون الوصول لمواجهات عسكرية شاملة يبقى السيناريو الأقرب حاليًا، وذلك في ظل حرص الأطراف المعنية بهذا النزاع على تجنب الوصول لتصعيد يهدد الاقتصاد العالمي، ويعرض استقرار دول جنوب شرق أسيا للخطر، مع التأكيد على أن التحركات الميدانية مثل المناورات العسكرية وتبادل الاتهامات بين اطراف النزاع مثل الفلبين والصين يدفع باتجاه هذه المنطقة في حالة توتر دائم، ويبقى طريقة تعامل أطراف النزاع بشكل متوازن بين حماية مصالحها، ودعم مسارات الحل السلم، أحد أهم محددات عدم الانزلاق لحرب إقليمية سيكون لها تداعيات كارثية إقليميًا وعالميًا، كما أن تراجع الأعمال العدائية يمثل ضمانًا لأمن الملاحة في هذه المنطقة، ومن جهة أخرى يعزز أمن واستقرار دول جنوب شرق أسيا.
[1]عبدالعباس فضيخ دغبوش، نور حسين الرشدي، بحر الصين الجنوبي في الاستراتيجية الصينية، المجلة العربية للدراسات الجغرافية، المؤسسة العربية للتربية والعلوم والأداب، ص 161، 162.
[2] غدي قنديل، بحر الصين الجنوبي، مستقبل الصراع الجيوبولتيكي الأخطر بين واشنطن وبكين، مركز الدراسات العربية الأوراسية، تاريخ النشر 14/2/2024م، تاريخ الوصول 6/5/2025م.
[3] Helen Davidson, The Guardian, China and Philippines display competing flags on disputed South China Sea sandbank, 28 April 2025.
https://shorturl.at/xVafP
[4] مناورات باليكاتان الأمريكية الفلبينية.. استعراض استفزازي أم سوبر ترول؟ مركز الدراسات العربية الأوراسية، تاريخ النشر 29/4/2025، تاريخ الوصول 9/5/2025.
[5] ا أحمد قنديل، مناورات باليكاتان 2024: معضلة الفلبين في بحر الصين الجنوبي بين الحليف الأمريكي والجار الصيني، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، تاريخ النشر 10/5/2024، تاريخ الوصول 10/5/2025.
[6] أحمد قنديل، مناورات باليكاتان 2024: معضلة الفلبين في بحر الصين الجنوبي بين الحليف الأمريكي والجار الصيني، مرجع سابق.

