هبة المُعز
باحثة دكتوراه، كلية الدراسات الإفريقية العليا، جامعة القاهرة

تعد السياسة الإيرانية تجاه التعامل مع مضيق هرمز في من أبرز المحددات التي تؤثر في استقرار وأمن الممرات المائية الحيوية، باعتباره أحد أبرز الممرات البحرية الحيوية في العالم، ليس فقط من الناحية الاقتصادية المرتبطة بصادرات الطاقة، بل أيضًا من الناحية الجيوسياسية والأمنية، فهذا المضيق الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه 33 كيلومترًا، تمر عبره يوميًا ما يقارب خُمس صادرات النفط العالمية، وهو ما يجعله بمثابة شريان حيوي للاقتصاد العالمي، ولا سيما لدول الخليج العربي التي تعتمد عليه بشكل كامل في تصدير مواردها من النفط والغاز الطبيعي.
وفي قلب هذه المعادلة الجغرافية والسياسية المعقدة، تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية كطرف فاعل يتمتع بموقع جغرافي يسمح له بمراقبة المضيق من الساحل الشمالي، وبنفوذ استراتيجي يجعله أحد أبرز اللاعبين في معادلة أمن الملاحة الدولية، وقد استثمرت إيران هذا الموقع الجغرافي في بناء عقيدة أمنية دفاعية هجومية مزدوجة، تقوم على مبدأ “الردع بالمخاطر”؛ حيث تستخدم التهديد بإغلاق المضيق كورقة ضغط سياسية في مواجهة الضغوط الاقتصادية والعسكرية المفروضة عليها، لاسيما من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين.
ولم يكن التلويح الإيراني بإغلاق مضيق هرمز أمرًا طارئًا أو عابرًا، بل كان على مدى العقود الماضية أحد أهم أدوات السياسة الخارجية الإيرانية، التي تعتمد على تصعيد التهديدات العسكرية في فترات التوتر الإقليمي أو الدولي، خصوصًا عند كل تصعيد في ملفها النووي أو عند فرض عقوبات اقتصادية جديدة، وقد تكرر هذا النهج بشكل خاص في أعقاب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، وما أعقبه من انتهاج سياسة “الضغط الأقصى”؛ حيث أعلنت قيادات من الحرس الثوري أن “النفط لن يُصدَّر إذا لم يُسمح لإيران بتصدير نفطها”.
وفي هذا السياق، تبرز إشكالية إغلاق مضيق هرمز بوصفها قضية متعددة الأبعاد: فهي أولًا قضية أمن قومي بالنسبة لإيران، وثانيًا ورقة تفاوضية بيدها في مواجهة القوى الدولية، وثالثًا تهديد محتمل للاستقرار الإقليمي والعالمي، كما أن لهذه القضية جوانب قانونية تتعلق بحقوق الملاحة وفق القانون الدولي إلى جانب تداعيات اقتصادية وجيوسياسية قد تطال مختلف دول العالم في حال تنفيذ هذا التهديد فعليًا.
وفي ضوء ذلك، يسعى التقرير إلى تحليل السياسة الإيرانية تجاه مضيق هرمز من زاوية استراتيجية مع التركيز على الأبعاد المختلفة لتهديد الإغلاق من حيث دوافعه وتداعياته الممكنة، وأهم السيناريوهات المستقبلية المحتملة في ظل استمرار التوترات الدولية والإقليمية.
أولًا: أهمية مضيق هرمز
يعد مضيق هرمز ممر مائي ضيق يبلغ طوله حوالي 195 كيلومترًا، ويقع بين شبه الجزيرة العربية وإيران، ويشكل رابطًا بحريًا حيويًا بين الخليج العربي وخليج عمان، ويتصل في نهاية المطاف ببحر العرب، ويشار إليه غالبًا بأنه بوابة الخليج العربي، وهو ممر حيوي لإمدادات الطاقة العالمية، إذ يمر عبره حوالي 30% من الغاز الطبيعي المسال في العالم وحوالي 20% من إجمالي النفط والمنتجات البترولية المتداولة دوليًا، ويتعين على كل سفينة تغادر الخليج العربي الغني بالنفط –بما في ذلك السفن القادمة من العراق والكويت والبحرين وقطر– أن تعبر هذا الممر المائي للوصول إلى البحار المفتوحة.(1)
ويعتبر المضيق من أهم الممرات البحرية التجارية في العالم، التي تربط منتجي النفط الخام والغاز في منطقة الخليج العربي بالأسواق الرئيسية في آسيا والمحيط الهادئ وأوروبا وأمريكا الشمالية وغيرها، وبالتالي فإن التهديدات التي قد يتعرض لها المضيق، سواء كانت واقعية أم لا، قد تؤثر بشكل كبير على حركة الأسواق العالمية للنفط والغاز الطبيعي، نظرًا لأن جميع مستوردي النفط والغاز الطبيعي في العالم يعتمدون على المرور الآمن للشحن عبر المضيق.(2)
ثانيًا: دوافع إيران لإغلاق مضيق هرمز
يشكل مضيق هرمز نقطة ارتكاز استراتيجية في السياسة الأمنية والعسكرية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومسرحًا دائمًا للتوترات الجيوسياسية بين إيران والقوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فبفضل موقعه الجغرافي الفريد، الذي يربط الخليج العربي ببحر العرب والمحيط الهندي، ومع تصاعد التوترات في المنطقة والتهديدات المباشرة لإيران، أصبح لدى صانع القرار الإيراني قناعة راسخة بأن المضيق ليس مجرد ممر مائي دولي، بل “أداة ضغط استراتيجية” تتيح لإيران فرض توازنات جديدة أو الرد على خطوات تعتبرها تهديدًا لسيادتها أو مصالحها الوطنية، وتتنوع دوافع إيران وراء التهديد بإغلاق مضيق هرمز، ويمكن تصنيفها على النحو الآتي:
1. الدوافع السياسية: تسعى إيران عبر التلويح بالإغلاق إلى لفت انتباه المجتمع الدولي لأهمية موقعها الجيوسياسي، والتأكيد على أنها لا يمكن تهميشها في أي ترتيبات إقليمية، ويستخدم الإغلاق (أو التهديد به) كأداة تفاوضية في ملفات كبرى، أبرزها البرنامج النووي.
2. الدوافع الأمنية والعسكرية: الوجود العسكري الأمريكي في مياه الخليج، يشكل تهديدًا لأمن إيران القومي، ومن ثم فإن غلق المضيق يطرح كخيار ردعي لمواجهة أي تحرك عسكري ضدها أو تهديد مباشر لمنشآتها الاستراتيجية. وقد أعاد الهجوم العسكري الإسرائيلي على مواقع البرنامج النووي والصاروخي الإيراني مضيق هرمز إلى واجهة المشهد العالمي، في ظل تحذيرات متصاعدة من اندلاع صراع إقليمي واسع النطاق قد يشل أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم، وتوعدت وزارة الدفاع الإيرانية بـ”عقاب قاسٍ ورادع” ردًا على الضربات، مؤكدة أن إسرائيل “ستدفع ثمنًا باهظًا”، بحسب وكالة “مهر” الإيرانية، فإن هذه التهديدات رفعت سقف المخاوف بشأن سلامة الملاحة عبر مضيق هرمز.(3)
3. الدوافع الاقتصادية: تأتي التهديدات بإغلاق المضيق في سياق الرد على العقوبات الاقتصادية، خصوصًا تلك التي تستهدف صادرات النفط الإيراني، فكلما منعت إيران من تصدير نفطها، سعت إلى منع الآخرين من فعل ذلك أيضًا، وفق مبدأ “إما أن نصدر جميعًا أو لا أحد”. ويعتبر سوق ناقلات النفط العملاقة الأكثر تعرضًا للمخاطر خاصة أن 73% من الرحلات العابرة للمضيق يقوم بها هذا النوع من الناقلات النفطية، وعلى الرغم من أن ناقلات النفط الإيراني العملاقة التي تعبر مضيق هرمز لا تشكل إلا 39% من الأسطول التجاري الإيراني، فإن إيران شديدة التعلق بهذا المنفذ البحري الوحيد في الخليج لصادراتها من الحبوب والمنتجات الغذائية المختلفة ومواد البناء والمواد الكيميائية؛ لذا فإن إغلاق المضيق قد يتسبب في أضرار فادحة للشعب الإيراني.(4) وعلى الرغم من أن إيران لم تُقدِم فعليًا حتى الآن على تنفيذ تهديدها بإغلاق المضيق، فإن هذا التهديد ظل حاضرًا في خطابها الرسمي كأداة ضغط استراتيجية ووسيلة تذكير دائمة للعالم بأنها لاعب لا يمكن تجاهله.
ثالثًا: التداعيات المحتملة لإغلاق مضيق هرمز
يعد غلق مضيق هرمز حدثًا كبيرًا يمكن أن يغير ملامح الاقتصاد العالمي ويعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية، ففي ظل اعتماد دول الخليج العربي بشكل شبه كامل على هذا الممر الحيوي لتصدير النفط والغاز، واعتماد الأسواق العالمية على هذه الإمدادات، سيكون لأي تعطيل لحركة الملاحة في المضيق تأثيرات كارثية تمتد من أسواق الطاقة إلى الأمن الدولي، وفيما يلي أبرز هذه التداعيات:
1. التداعيات الاقتصادية
حذرت بعض الاتجاهات من تداعيات الضربات الأمريكية للمواقع النووية الإيرانية على سوق الطاقة العالمي، وقال سول كافونيتش كبير محللي الطاقة لدى إم.إس.تي ماركي في سيدني إن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو أن ترد إيران باستهداف المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، بما في ذلك البنية التحتية النفطية في المنطقة أو التضييق على السفن العابرة لمضيق هرمز، وقال كافونيتش “يعتمد الكثير على كيفية رد إيران في الساعات والأيام المقبلة، لكن هذا قد يضعنا على مسار 100 دولار للبرميل إذا ردت إيران كما هددت سابقًا.(5)
وفي ظل تصاعد التوترات بين إيران والغرب، تلوح طهران بين الحين والآخر بورقة “إغلاق المضيق” كخيار ردعي في مواجهة العقوبات الاقتصادية أو الهجمات العسكرية، ومع أن تنفيذ هذا التهديد قد يبدو مستبعدًا بسبب كلفته الباهظة، فإن مجرد التهديد به يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وزيادة تكلفة التأمين على السفن، وتذبذب أسواق المال العالمية، وإن تحليل التداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز يتطلب النظر في ثلاث دوائر مترابطة(الخليج – الدولي – المالي)؛ حيث ستتأثر اقتصادات الدول المصدرة التي تعتمد كليًا على الإيرادات النفطية، كما سينعكس الإغلاق على أسعار الطاقة، والتضخم، والنمو الاقتصادي في الدول الصناعية، بالإضافة إلى تقلبات أسواق البورصة والعملات، وارتفاع تكاليف التأمين البحري، وتغيّر حركة الاستثمار.
2. التداعيات السياسية والدبلوماسية
يمثل إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران تصعيدًا خطيرًا يتجاوز حدوده العسكرية أو الاقتصادية، ليحمل في طياته أبعادًا سياسية ودبلوماسية عميقة تمس بنية النظام الدولي، وتهدد الاستقرار الإقليمي والعالمي على حد سواء، فالمضيق الذي يعد عصبًا استراتيجيًا لتجارة الطاقة العالمية، ليس مجرد ممر مائي، بل هو رمز لتقاطع المصالح بين قوى إقليمية ودولية متعددة، منها الولايات المتحدة، والصين، ودول الاتحاد الأوروبي، وروسيا، إلى جانب القوى الإقليمية في الخليج العربي، وإن لجوء إيران إلى إغلاق المضيق من خلال عمليات عسكرية مباشرة أو إجراءات تكتيكية (مثل تهديد السفن، أو زرع ألغام بحرية) ، سينظر إليه كخرق جسيم للقانون الدولي، وتهديد مباشر لحرية الملاحة البحرية، وهو ما سيضع طهران في مواجهة حتمية مع المجتمع الدولي، وفي حال تنفيذ هذا التهديد، فإن ردود الفعل السياسية والدبلوماسية لن تتأخر؛ إذ يرجح أن تشهد الساحة الدولية موجة استنكار واسعة النطاق، قد تتبعها قرارات عاجلة من مجلس الأمن، وربما تشكيل تحالف دولي لإعادة فتح الممر بالقوة، على غرار تحالفات سابقة في أزمات مشابهة.
وعلى المستوى الإقليمي، فإن إغلاق المضيق سيشكل نقطة تحول في العلاقات بين إيران وجيرانها في منطقة الخليج العربي، فدول مجلس التعاون الخليجي، التي ترى في المضيق شريانًا حيويًا لأمنها الاقتصادي، ستنظر إلى هذا الفعل باعتباره “إعلان حرب” يهدد أمنها القومي، وقد يدفعها إلى مزيد من التنسيق الأمني والعسكري مع القوى الغربية، أو حتى إلى الانخراط في مواجهات مباشرة مع إيران. أما على الصعيد الدبلوماسي، فمن شأن هذا الإغلاق أن:
أ. يعزل إيران دوليًا ويمنح خصومها مبررًا قويًا لتصعيد الضغوط السياسية والاقتصادية ضدها.
ب. يعطل فرص الحوار، خاصة فيما يتعلق المفاوضات النووية أو التفاهمات الإقليمية.
ج. يدفع قوى كبرى مثل الصين والهند وهما من أكبر مستوردي النفط الخليجي إلى ممارسة ضغوط على إيران خشية تهديد أمن الطاقة.
د. يعيد ترتيب التحالفات؛ حيث قد تلجأ بعض الدول إلى تسريع اتفاقات دفاعية جديدة أو استدعاء الدعم الدولي لحماية مصالحها.
3. التداعيات الأمنية والعسكرية
منذ تصاعد التوترات بين إيران والغرب، وخاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، ومن جهة أخرى الصراع الإيراني الإسرائيلي وضرب المنشآت النووية، عاد سيناريو إغلاق مضيق هرمز إلى الواجهة كأحد أخطر الخيارات الاستراتيجية التي قد تلجأ إليها طهران، فبينما تستخدم إيران التهديد بالإغلاق كورقة ضغط سياسية، فإن هذا الخيار يحمل في طياته تداعيات أمنية غير محسوبة، قد تجر المنطقة إلى حرب واسعة النطاق، يتداخل فيها البعد البحري بالبري، والسياسي بالعسكري، والمحلي بالدولي، وتكمن الخطورة الأمنية في عدة جوانب مترابطة:
أ. الإغلاق سيعد عملًا عدائيًا مباشرًا ضد حرية الملاحة، وهو ما قد يدفع القوى الكبرى إلى التدخل العسكري المباشر، سواء من خلال عمليات تأمين الممرات، أو عبر استهداف البنية التحتية العسكرية الإيرانية.
ب. قد يتحول المضيق إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قوات الحرس الثوري الإيراني، والقوات الأمريكية أو البريطانية، أو حتى البحرية الخليجية، وهو ما يرفع احتمالات الخطأ أو التصعيد غير المقصود.
ج. اتساع رقعة المواجهة المحتملة لتشمل نقاطًا أخرى في المنطقة مثل مضيق باب المندب، أو منشآت النفط في المنطقة، أو القواعد الأمريكية في إطار ردود انتقامية متبادلة.
د. ستكون البنية التحتية النفطية والبحرية عرضة لهجمات بواسطة الطائرات المسيّرة، والصواريخ الباليستية، والألغام البحرية، وهو ما يهدد الأمن البحري العالمي.
ه. نشاط الجماعات المسلحة: من المحتمل أن تدفع إيران بحلفائها في العراق أو اليمن (مثل الحوثيين) إلى تنفيذ هجمات ضمن “رد غير مباشر” في حال اندلاع صراع شامل.
4. التداعيات القانونية
حسب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار1982، يعتبر المضيق ممرًا دوليًا، ولا يحق للدول المشاطئة إغلاقه من جانب واحد، وعند توقيع “اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار”، أعلنت إيران أنها ستطبق الشروط الجديدة على الدول التي كانت طرفاً في اتفاقية عام 1982 فحسب، أما بالنسبة لدول أخرى مثل الولايات المتحدة، فستطبق “اتفاقية جنيف” من عام 1958، وبالتالي، يمكن تفسير هذا النهج على أنه تمييزي، وهو أمر محظور بموجب “اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار”.(6)وتشير التداعيات القانونية إلى أنإغلاق المضيق سينظر إليه على أنه خرقًا للقانون الدولي، كما يمكن أن يؤدي إلى رد عسكري جماعي من قبل المجتمع الدولي.
رابعًا: السيناريوهات المتوقعة لإغلاق مضيق هرمز
تتعدد اتجاهات ومسارات التعامل الإيراني مع مضيق هرمز وما يمكن أن تفرزه هذه السياسة سواء في اتجاهات الاستقرار أو الاحتواء أو التصعيد، وفيما يلي أبرز هذه الاتجاهات:
1. السيناريو الأول: تحقيق الاستقرار
على الرغم من التوترات المتكررة والتصعيد الإعلامي والعسكري الذي يحيط بمضيق هرمز بين الحين والآخر، يظل سيناريو الاستقرار هو الاحتمال الأكثر توازنًا وواقعية من حيث تحقيق المصالح المشتركة للأطراف المعنية، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة ذات تكلفة باهظة على الجميع.
ويقوم هذا السيناريو على معادلة “الردع المتبادل والتهدئة المشروطة”، حيث تحتفظ كل من إيران والولايات المتحدة (ومعها دول الخليج) بخطوط حمراء واضحة تمنع تجاوزها، مع العمل في الوقت نفسه على احتواء التصعيد من خلال قنوات سياسية أو تفاهمات غير معلنة، سواء مباشرة أو عبر وسطاء إقليميين ودوليين.
2.السيناريو الثاني: استمرار التوتر والتصعيد
يعد سيناريو التوتر والتصعيد الذي ينتهي بإغلاق فعلي أو جزئي لمضيق هرمز من أخطر السيناريوهات المحتملة في منطقة الخليج، نظرًا لما يحمله من تداعيات إقليمية ودولية عميقة على المستويات الاقتصادية، الأمنية، والسياسية، ورغم أن هذا السيناريو يعتبر خيارًا “انتحاريًا” لإيران من حيث تكلفته، إلا أنه يظل أحد أبرز أوراق الضغط الاستراتيجية التي تحتفظ بها طهران في وجه أي تصعيد غربي أو خليجي يستهدف مصالحها الحيوية.
3. السيناريو الثالث: فرضية الردع المتبادل
يعد مسار “الردع المتبادل” أحد أكثر السيناريوهات واقعية وتعقيدًا في حسابات الأمن الإقليمي في المنطقة، ويقوم هذا السيناريو على مبدأ أن جميع الأطراف(إيران، ودول الخليج، والقوى الدولية) تملك القدرة على إلحاق ضرر كبير بالأطراف الأخرى، لكنها تردع بعضها البعض عن القيام بذلك فعليًا بسبب التكلفة العالية لأي مواجهة شاملة. فهذا السيناريو لا يقوم على السلام أو التعاون، بل على توازن هش للقوة قائم على “الخشية المتبادلة”، حيث تبقي إيران على تهديد دائم بإغلاق مضيق هرمز، وتبقي القوى الدولية على حضور عسكري ردعي لمنعها من تنفيذ ذلك التهديد.
ومن خلال هذا السيناريو يتضح أن إيران تحافظ على تهديداتها بينما تعزز الولايات المتحدة وجودها العسكري في المنطقة، مما يخلق حالة توازن قلق، بالإضافة إلى استمرار حالة من لا حرب ولا سلم، مع تجنب الطرفين للتصعيد الفعلي.
في الختام: إن السياسة الإيرانية وتعاملها مع مضيق هرمز، تتسم بالتركيز على تحقيق مكاسب استراتيجية من خلال توظيف الموقع الجغرافي الحيوي للمضيق كأداة للضغط السياسي والاقتصادي، سواء في مواجهة خصومها الإقليميين أو القوى الدولية، وقد أظهر التحليل أن التهديد بإغلاق مضيق هرمز ليس مجرد خطاب بلاغي، بل خيار مدروس ضمن معادلة الردع الشامل التي تعتمدها طهران لحماية مصالحها، خصوصًا في أوقات التصعيد والعقوبات القصوى.
وفي المقابل، فإن الردع المقابل الذي تمثله الولايات المتحدة وشركاؤها، إلى جانب المخاوف العالمية من اضطراب إمدادات الطاقة، أسهم في منع الوصول إلى نقطة الإغلاق الكامل. وبين سيناريوهات الاستقرار، والتصعيد، والردع المتبادل، يظل مستقبل المضيق مرهونًا بمدى قدرة الأطراف على تفادي المواجهة المباشرة، والحفاظ على خطوط الاتصال المفتوحة، والانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء أمن جماعي شامل يحمي مصالح الجميع، ويضمن استمرارية تدفق الطاقة في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
المراجع:
- إغلاق مضيق هرمز .. ماذا قد يحدث إذا نفذت إيران تهديدها؟، جريدة زمان التركية، تاريخ النشر 17يونيو 2025م، تاريخ الدخول 22 يونيو 2025م، لمزيد من التفاصيل أنظر إلى الرابط https://2h.ae/dfhP
- أحمد قنديل، “هل بإمكان إيران إغلاق مضيق هرمز؟“، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، تاريخ النشر12 أغسطس 2018م، تاريخ الدخول 22 يونيو 2025م، لمزيد من التفاصيل أنظر إلى الرابط https://acpss.ahram.org.eg/News/16684.aspx
- مضيق هرمز يعود إلى الواجهة… شريان النفط تحت التهديد، موقع اقتصاد الشرق، تاريخ النشر 13 يونيو2025م، تاريخ الدخول 22 يونيو 2025م، لمزيد من التفاصيل أنظر إلى الرابط https://2h.ae/tQnM
- مؤسسة الفكر العربي،” ماذا لو أغلق مضيق هرمز؟“، تاريخ النشر 15 فبراير 2012م، تاريخ الدخول 22 يونيو 2016م، لمزيد من التفاصيل أنظر إلى الرابط https://2h.ae/LLIY
- أكاديميةDW الألمانية ،“ سيناريو إغلاق مضيق هرمز.. أزمة طاقة أم اختبار لخطط الطوارئ؟”، تاريخ النشر 22 يونيو 2025م، تاريخ الدخول 22 يونيو 2025م، لمزيد من التفاصيل أنظر إلى الرابط https://2h.ae/JyfT
- فرزين نديمي،” توضيح حرية الملاحة في الخليج“، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تاريخ النشر 24 يوليو 2019م، تاريخ الدخول 22 يونيو 2025م، لمزيد من التفاصيل أنظر إلى الرابط https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/twdyh-hryt-almlaht-fy-alkhlyj

