السفير: محمد العرابي
وزير الخارجية الأسبق، ورئيس الهيئة الاستشارية لمركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية

تزايدت أهمية العلاقات الدولية والأساليب الدبلوماسية لحل المشاكل في العالم الحديث، وعلى الرغم من أن اللجوء الى القوة هو الأسلوب السائد حاليًا، إلا أنه تبين في النهاية أن العمليات العسكرية لا تحل قضية، وأنه يجب بعد تحريك الموقف عسكريًا اللجوء الى الأساليب الدبلوماسية لوضع الحلول النهائية، ويُظهر هذا النهج أن التفاوض والحوار يمكن أن يكونا أكثر فعالية في إيجاد حلاً مستدامًا ومقبولًا على المدى الطويل.
إن قوة دبلوماسية أي دولة تنبع من استقرار الدولة ويتم تصنيف الدول الى ثلاث تصنيفات (دولة فاشلة-دولة هشة-دولة راسخة)، ومن المؤكد أن الأخيرة هي التي تمتلك مقومات العمل الدبلوماسي الفعال والمؤثر. بالتالي، أصبح العالم اليوم يتبنى رؤية تحفيزية تجاه الأساليب الدبلوماسية باعتبارها الوسيلة الرئيسية لحل النزاعات وتحقيق التسويات الشاملة والمستدامة.
وقد قامت الدبلوماسية المصرية في السنوات الأخيرة بتنفيذ عدة سياسات مستمدة من ميراثها التاريخي، الذي يمتد لمائة عام، بهدف تحقيق الأمان والاستقرار، وتعزيز السلم الإقليمي والدولي، كما أظهرت تصميمًا قائمًا على الاستمرارية والفهم العميق للتحولات التاريخية والديناميات الإقليمية والعالمية، كما أبرزت قدرتها على التكيف مع التحديات المعقدة والتعامل معها بفعالية، محتفظة بالوضوح والتميز في المواقف التي تتخذها في المحافل الدولية، كما يعزى نجاح الدبلوماسية المصرية إلى استمرارها في تطبيق مبادئ العقلانية والحكمة في اتخاذ القرارات، بالإضافة إلى الاستفادة من التجارب الماضية والعلاقات الدولية المبنية على الاحترام والتفاهم.
أولاً: التحديات الراهنة على الصعيدين الدولي والإقليمي
أفرزت الفترة الأخيرة عدة متغيرات أثرت بشكل كبير على منظومة العلاقات الدولية الحالية، ويمكن توضيحها فيما يلي:
- التحديات الدولية:
- في ظل التحولات الدولية الراهنة، يظهر ضعف تأثير منظمة الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن، وأنهما يواجهان تحديات متزايدة تُضعف من قدرتهما على التأثير في الشؤون الدولية والتعامل مع قضايا الشرق الأوسط، نتيجة ضعف في آليات تنفيذ القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، مما يقلل من فاعلية تأثيرها، خاصة مع استغلال بعض الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن في توظيف حقها في استخدام حق النقض (الفيتو) لحماية مصالحها ومصالح حلفائها على حساب السلم والأمن الدوليين.
- صعود الصين وروسيا، اللتين تستهدفان منافسة الولايات المتحدة وكسر احتكارها لإدارة قضايا النظام العالمي، والسعي لتشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب، بدلاً من الأحادية القطبية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، وان ثبت مؤخرًا أن الولايات المتحدة لا زالت هي اللاعب الرئيسي على الساحة الدولية.
- تشكيل تحالفات سياسية عسكرية جديدة في إطار المنافسة بين الدول الثلاث الكبرى (الولايات المتحدة-روسيا-الصين)، ويعكس هذا التطور التحولات الجيوسياسية الحديثة والديناميات الجديدة في العلاقات الدولية، حيث تسعى كل منها إلى تعزيز نفوذها ومصالحها الاستراتيجية، من خلال تشكيل تحالفات جديدة تتفق مع توجهاتها ومخططاتها.
- تشير العديد من المؤشرات الى أن هناك تطور في طبيعية الأزمات والصراعات الدولية، والتي تعد أبرز ملامحها كونها عابرة للحدود وتتسارع في تجاوز الحدود الجغرافية والاقتصادية. بجانب ذلك، تزداد الوسائل العسكرية الحديثة، مثل التكنولوجيا العسكرية المتقدمة والهجمات السيبرانية، في قدرتها على التأثير دون الالتزام بالحدود التقليدية بين الدول، وهذا يجعل الفهم الكامل للتحديات الدولية يتطلب النظر إلى أبعاد جديدة تتعلق بالتكنولوجيا والتفاعلات السياسية والاقتصادية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
- ظهور مدى تأثير الشركات الأمنية، واعتمادها على توجيه جهودها نحو محاولة ملء الفراغ في أجزاء معينة من العالم، خاصة في بُعدها الأمني، كما أصبحت جزء لا يتجزأ من الحروب الحديثة، وهو ما جعلها أحد أهم الفاعلين في مسار العلاقات الدولية.
- عدم الحسم العسكري لأي مشكلة، بل الانخراط في إطالة أمد الازمات بشكل مبالغ فيه، بما يفرض تدخلات إقليمية أو دولية تعقّد الموقف، وتزيد من حدة التوترات، وإعطائها أبعاد أخرى مختلفة تعمق من خطورة الأوضاع يما يؤكد ضرورة توفير البيئة المناسبة للوصول الى تداولات سياسية تتجاوز النقاط الخلافية وتحد من تصاعد وتفاقم الصراع.
- أصبح الاحساس الدائم بالحاجة إلى التمويل والموارد العسكرية كالذخيرة، هو عامل فاعل ومؤثر في العديد من الحالات لحسم العمليات العسكرية بشكل قاطع.
- ظهور أجندة عالمية جديدة تهدف إلى تنسيق جهود الجنس البشري لمواجهة مخاطر الأوبئة، والتغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، ومكافحة الفقر، وغيرها.
- أصبحت نهاية الازمات الدولية لا تخرج عن النصر المنقوص أو الهزيمة الغير كاملة، في ظل فشل النظام الدولي الحالي في أداء وظيفته في تحقيق الاستقرار.
- التحديات الإقليمية:
- أصبحت صورة الإقليم تتسم بالتعقيد وعدم اليقين، حيث تتفاقم أوضاعه مع تصاعد عامل العنف والاضطراب، ولم تعد الأزمات تقتصر على كونها أزمات داخلية تتعلق بنمط العلاقة بين السلطة والمعارضة، بل تجاوزت ذلك الأمر باكتسابها بعدًا خارجيًا؛ نتيجة لتدخلات القوى الدولية والإقليمية فيها.
- تزايدت رغبات الدول الإقليمية غير العربية المؤثرة مثل إيران وتركيا وإسرائيل وإثيوبيا للتدخل في الشأن الداخلي لدول الإقليم، وأصبحت هذه الدول تلعب أدوارًا متعددة، تتسم بالتأثير السلبي وفقًا لمصالحها المباشرة ومشاريعها الإقليمية وارتباطاتها الدولية، بصورة أظهرت الإقليم كساحة للتصعيد السياسي والعسكري نتيجة لتفاعلات تلك القوى الإقليمية، بما وضع عدة دول عربية في مرمى أهداف مشاريع هذه القوى الإقليمية.
- قوة الأذرع Non-state actor على غرار (حزب الله اللبناني – حركة المقاومة الإسلامية “حماس” – جماعة الحوثي – وغيرها) بحيث أصبحت أداة مؤثرة في المنطقة العربية وفي قضاياها الرئيسية.
- تواجد القوات العسكرية الأجنبية في الإقليم (الولايات المتحدة – روسيا – الصين الى حد ما)، والتي تسعى إلى حماية مصالحها الاستراتيجية ومصالح حلفائها، وتحافظ على تواجدها في المناطق الحيوية بما يتناسب مع أهدافها السياسية والاقتصادية، ولتعزيز نفوذها وتأثيرها على الأحداث في المنطقة.
- التطلعات الزائدة لبعض دول الإقليم بأن يكون لها دور قيادي بارز بغض النظر عن إمكانياتها البشرية والعسكرية، بظاهرة تُعرف بـ “الطموح الإقليمي”، حيث تسعى هذه الدول إلى الحصول على مكانة دولية كبيرة في ظل أحداث دولية متغيرة، ومنحها مزيدًا من القوة والنفوذ على الساحة الدولية.
- تبني المملكة العربية السعودية لدبلوماسية نشطة وفاعلة في عدة محاور، ما عزز من مكانتها ووضعتها في موقع بارز في المرحلة الحالية.
- محدودية تأثير المنظمات الإقليمية، والتي تواجه تحديات في إطارها التنظيمي وفاعلية قرارتها المرتبطة بتطورات الأوضاع والقضايا الإقليمية وكذلك مواجهة مخططات الدول الكبرى تجاه المنطقة.
ثانيًا: أساليب المواجهة والتعامل مع التحديات
أصبحت مصر في محيط ملتهب تحكمه التهديدات المباشرة، حيث أصبحت اتجاهاتها الاستراتيجية وعمقها تتطلب التعامل معها في ذات الوقت وبنفس الكفاءة، دون تحييد لأحدٍ من هذه المحاور، لأننا لا نملك الرفاهية في هذا، وقد أظهرت نتائج الأوضاع الإقليمية والدولية الأخيرة، ضرورة تحقيق توازن دقيق بين المصالح والمبادئ، مما يتطلب رؤية استراتيجية ذكية ومرونة في التفاعل مع المتغيرات المعاصرة، وذلك بهدف أن تلعب الدولة المصرية دورًا فعّالًا ومؤثرًا في سياستها الخارجية انطلاقًا من دورها القيادي. بالتالي، فإن هناك بعض المسارات المطلوبة من الدبلوماسية المصرية، لمواجهة التحديات الحالية والمتوقعة، وهي كالتالي:
- قد تكون هناك أهمية لرفع درجة نزعة الاستغلال وتعزيز سياسة الاستفادة من بعض المواقف والفرص المتاحة بمهارة وذكاء لتحقيق أهداف المصلحة الوطنية.
- التركيز على تعزيز العلاقات الثنائية مع بعض الدول، بدلاً من التركيز الكامل على الانضمام إلى تجمعات دولية، ويعتبر هذا النهج أكثر فعالية في بعض الحالات نظرًا للتحديات والاحتياجات الفردية لكل دولة. ومع ذلك، لا ينكر هذا النهج أهمية الانخراط في تجمعات دولية أيضًا، ولكن يؤكد على أن العمل الثنائي يمكن أن يكون له تأثير أسرع وأكثر فاعلية.
- رفع قيمة المحاور الأساسية للسياسة الخارجية المصرية المبنية على الاستقرار والسلام والتنمية، بحيث تكون هذه القيم هي الأعمدة الرئيسية التي تستند إليها الدبلوماسية المصرية بكافة أشكالها، لتمنحها القدرة على الاستمرار بكفاءة وفاعلية، كما يتعين عليها استحداث دوائر وأدوار جديدة تؤهلها للتأقلم مع هذه المتغيرات المعاصرة.
- التركيز على بناء شبكة أمان عربية (سياسية واقتصادية وأمنية)، بهدف تحقيق مستويات أعلى من الاستقرار والأمان للدولة المصرية، بجانب تعزيز التعاون معها لمواجهة التحديات المشتركة وتحقيق التنمية المستدامة.
- الاهتمام بعمليات التخطيط الاستراتيجي الاستباقي من خلال قراءة المستجدات، وتحديد مصادر التهديد وترتيب أسبقيات الأهداف الوطنية ووسائل العمل لتحقيقها، ولتحقيق ذلك هناك حاجة الى صياغة “استراتيجية للأمن القومي” ليتم مراجعتها بشكل دوري.
- لمواجهة المتغيرات المعاصرة، فإن هناك حاجة دائمة الى مدخلات من الدراسات والتوقعات والمناقشات، ويمكن تحقيق ذلك من خلال التعاون مع مراكز الفكر الوطنية، على غرار ما تفعله الدول المتقدمة.
ختامًا، تعيش مصر في فترة تاريخية حساسة تتطلب التعامل مع تحديات الحاضر والمستقبل بحكمة وكفاءة، واضعة في الاعتبار الدروس المستفادة من التجارب والمواقف المتعددة خلال الحقب التاريخية المختلفة، فضلاً عن ضرورة التعامل مع المحاور الاستراتيجية الأربعة بكل جدية وفاعلية، مع حيوية تحقيق التوازن بين المصالح والمبادئ، وهذا يتطلب رؤية استراتيجية ذكية ومرونة في التعامل مع التحديات والتهديدات المعاصرة ترتكز على ثوابت السياسة الخارجية المصرية، بما يتفق مع تحقيق المصلحة الوطنية ومقتضيات الأمن القومي بالتوازي مع الحرص على تعزيز دور مصر كلاعب فاعل ومؤثر في المعادلة الدولية على كافة الأصعدة ومختلف المستويات.

