منه محمد الحفني
باحثة في العلوم السياسية

مع استمرار الحرب بين إسرائيل وإيران، اتجهت الأنظار إلى سوريا التي كانت ستكون على الأرجح طرفًا في هذا الصراع لو لم يسقط نظام بشار الأسد، إلا أن سوريا انتهجت موقف الحياد، رغم أنها كانت تاريخيًا جزءً فاعلًا في قلب الصراعات الإقليمية. ويعكس هذا الحياد نهجًا جديدًا تتبناه الإدارة السورية الحالية، يقوم على حسابات جيوسياسية دقيقة، ورغبة في تجنب الانخراط في صراع لا تملك الإمكانات الاقتصادية أو العسكرية لخوضه. في حين ظهر اتجاه يرى بأن صمت سوريا ليس نتيجة استراتيجية سياسية مدروسة، بل ناجم عن ظروف مفروضة وقسرية، وإن الاقتصاد الهش والقدرات العسكرية المتدهورة في سوريا بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية، لا يسمحان لها بالدخول في أي مغامرة سياسية أو عسكرية جديدة، كما يرى بعض المراقبين أن الحكومة السورية تتجنب الدخول في الحرب بين إسرائيل وإيران تجنبًا لردود الفعل الداخلية بالإضافة إلى أن الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع تسعى لكسب دعم الدول الغربية، مع العمل على تجنب موجة الاستياء الشعبي من إيران بسبب دعمها العسكري لنظام الأسد خلال مرحلة الحرب الأهلية.
ركائز الموقف السوري من الحرب
عقب الهجوم الإسرائيلي على إيران في 13 يونيو، سارعت العديد من الدول العربية إلى إدانته واعتباره انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، على الرغم من أن بعضها لا تربطه علاقات قوية بطهران. إلا أن دمشق اختارت الصمت، فلم تُصدر أي موقف رسمي يدين الهجوم، كما لم تعلّق على اعتراض إسرائيل لصواريخ ومسيرات إيرانية عبرت الأجواء السورية، خاصة في الجنوب، وتحديدًا في محافظتي درعا والقنيطرة؛ حيث سقطت ست طائرات مسيرة.[1]
وهذا الصمت اللافت يعكس بوضوح التحوّل الجيوسياسي الذي تشهده سوريا، بعد أن كانت حليفًا وثيقًا لإيران، وهو ما يشير إلى تغير في أولوياتها الإقليمية ومحاولة لإعادة تموضعها بعيدًا عن محاور التصعيد وبما يؤشر على بروز المؤشرات الأولية لما يمكن وصفه بمحور التوازن في المنطقة بعد اتساع رقعة الحرب الإقليمية، ويمكن إرجاع ذلك إلى أنها عانت لأكثر من 10 سنوات من سياسات الهيمنة الإيرانية، ودعم طهران لنظام بشار الأسد، وفي الوقت ذاته لديها مخاوف من نهج إسرائيل العدائي ضد دول المنطقة عمومًا، ومن ثم اتجهت سوريا إلى تعديل اصطفافها الإقليمي في هذا الاتجاه لما له من أهمية وفق الرؤية السورية في تعزيز استقرارها الداخلي والإقليمي والدولي. كما برزت اتجاهات أخرى تستند إلى أن هناك نصائح من بعض الدول الإقليمية والدولية التي دفعت الحكومة السورية الجديدة إلى انتهاج مثل هذا المسار.
من التحالف الوثيق إلى انهيار العلاقات
منذ ثمانينيات القرن الماضي، تشكّلت العلاقة بين دمشق وطهران على خلفية العداء المشترك لنظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين؛ حيث كان الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد الرئيس العربي الوحيد الذي ساند إيران خلال حربها مع العراق. ومن هنا نشأ تحالف استراتيجي بين البلدين، واتخذ طابعًا عسكريًا وسياسيًا عميقًا؛ إذ قدّمت طهران دعمًا كبيرًا للنظام السوري، رغم ما أثاره هذا الدعم من جدل وتكاليف باهظة. في المقابل، استفادت إيران من الموقع الجغرافي لسوريا لنقل الأسلحة إلى وكلائها في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله اللبناني.
وفي هذا الإطار، أصبحت سوريا أحد الأركان الأساسية فيما يُعرف بمحور المقاومة الذي تقوده إيران، وامتد هذا التحالف ليشكّل جزءً من طموحات طهران التوسعية في الإقليم. غير أن هذا التقارب انعكس سلبًا على سوريا؛ حيث دفعت الدولة وشعبها ثمنًا فادحًا نتيجة تورطها في صراعات إقليمية حادة.[2]
لكن مع سقوط نظام الأسد وصعود حكومة جديدة حملت إيران مسئولية كبيرة عن إراقة دماء السوريين، تغيّر المشهد جذريًا وفقدت إيران نفوذها تدريجيًا داخل سوريا كما تم إغلاق سفارتها ومنعت الطائرات الإيرانية من استخدام الأجواء السورية. بالإضافة إلى ذلك، أعلنت الحكومة السورية الجديدة أن وكلاء إيران غير مرحّب بهم على أراضيها، وشدّدت على أنها لن تسمح لأي جماعة بشن هجمات ضد إسرائيل أو أي دولة أخرى انطلاقًا من الأراضي السورية.[3]
على الجانب الآخر، وعلى الرغم من دور الإدارة السورية الحالية في إنهاء نفوذ إيران في سوريا، والرسائل التي ترسلها في كل مناسبة حول عدم رغبتها بأن تكون الأراضي السورية ساحة للصراعات وتصفية الحسابات، إلا أن إسرائيل لم تتوقف عن اتجاهها نحو فرض واقع أمني جديد في جنوب سوريا، الذي قد يصل إلى مرحلة فرض منطقة منزوعة السلاح لضمان أمنها من دون الاعتماد على اتفاقيات سلام يمكن عقدها مع سوريا.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن سوريا باتت أكثر اتجاهًا نحو عدم الانخراط والتورط في هذه الصراعات، وفق افتراض أن هذه الحرب تمثل فرصة لانشغال أهم خصمين عن أمورها، لاسيما أنه بعد خروج إيران من سوريا، اتجهت إسرائيل إلى استهداف الأراضي السورية واحتلال بعض المناطق في الجنوب. وعلى الرغم من الموقف الرسمي الذي اتخذ الاتجاه المحايد إلا أن هناك مخاوف من أن إسرائيل قد تصبح القوة الأكثر تأثيرًا في الشرق الأوسط، وهو ما قد يعزز من رغبتها بالاستمرار في السيطرة على الأراضي السورية.
دوافع الحياد السوري
ثمة مجموعة من الأسباب والعوامل التي ساهمت في تشكيل هذا الموقف بعضها يتعلق بالداخل السوري وأخرى إقليمية ودولية، وفيما يلي أبرز هذه المتغيرات:
1. تراجع القدرات العسكرية السورية: شهد الجيش السوري خلال العقدين الماضيين تدهورًا كبيرًا في هيكليته وقدراته القتالية، نتيجة للحرب الأهلية الطويلة والعقوبات الدولية المفروضة على النظام، ووفقًا لتقديرات Atlantic Council، كان الهدف الأساسي للجيش هو استمرار بقاء النظام السياسي، متقدّمًا على أي أولويات تتعلق بالأمن القومي أو الدفاع، ومع سقوط النظام، وجدت إسرائيل في هذا الضعف فرصة سانحة لتوجيه ضربات ممنهجة للبنية التحتية العسكرية السورية؛ حيث استهدفت الدبابات والطائرات والمطارات ومخازن الأسلحة الاستراتيجية. وأسفرت هذه الهجمات عن تدمير مئات الطائرات الحربية، وهو ما أدى إلى شلل كامل في سلاح الجو السوري. وبحسب تقارير إسرائيلية، فقد تم تدمير ما بين 70% إلى 80% من القدرات العسكرية السورية. نتيجة لذلك، أصبحت سوريا غير قادرة على تأمين مجالها الجوي أو حتى الاعتراض على استخدام مجالها الجوي كممر لضربات إسرائيلية ضد أهداف إيرانية، وهو ما يفسر تمسك دمشق بسياسة الصمت وتجنب إدانة هذه الهجمات.[4]
2. مخاوف التدخل العسكري الإسرائيلي: تواصل إسرائيل احتلالها لمرتفعات الجولان السورية منذ عام 1967، وقد استغلت مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد لتعزيز وجودها العسكري في المنطقة؛ حيث نشرت قوات إضافية ونفذت مئات الغارات الجوية بذريعة حماية أمنها من تهديدات محتملة من جماعات مسلحة. ورغم أن وتيرة هذه الهجمات تراجعت نسبيًا بعد تدخل الولايات المتحدة في مسعى لتقريب وجهات النظر بين دمشق وتل أبيب ضمن جهود تهدف إلى تحقيق تطبيع محتمل، إلا أن إسرائيل ما زالت تنظر بعين الريبة إلى نوايا الحكومة السورية الجديدة. ولا تزال تري أنها تحتفظ بحقها في استئناف الهجمات في أي وقت، إذا ما رأت أن مصالحها الأمنية مهددة، لذلك تحرص الحكومة السورية في الوقت الراهن على تجنّب أي خطوات قد تُفسَّر عل أنها تصعيد أو تهديد مباشر، كما تتفادي منح إسرائيل أي مبرر لتكثيف عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، خاصة وأن تل أبيب تبرر تدخلاتها بأنها تستهدف تحجيم أي تهديد لأمنها القومي. وبناءً على ذلك، تتبنّى سوريا سياسة ضبط النفس، حتى وإن جاء ذلك على حساب الردع أو السيادة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار وتفادي الانزلاق إلى مواجهة واسعة لا تملك أدواتها.[5]
3. الأزمات الداخلية: يخشى النظام السوري من التداعيات الداخلية المحتملة لأي تصعيد عسكري جديد، خصوصًا في ظل الانهيار الاقتصادي والعقوبات الدولية التي أثقلت كاهل البلاد. وتزداد هذه المخاوف في المناطق الجنوبية والغربية؛ حيث يواجه السكان أوضاعًا معيشية خانقة وضغوطًا اقتصادية متفاقمة، وهو ما يجعل تلك المناطق عرضة للاحتجاجات والاضطرابات.
وفي ضوء ذلك، تسعى الحكومة السورية من جانبها إلى تجنب أي تصرف قد يُفسد فرص تخفيف العقوبات الأمريكية والأوروبية، خاصة وأن هذه الدول تُعد من أقرب حلفاء إسرائيل. ورغم محاولة النأي بالنفس عن الصراع الدائر، فإن الاقتصاد السوري لم يكن بمنأى عن آثاره؛ إذ تراجعت قيمة الليرة السورية بنسبة 10% أمام الدولار، وهو ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الوقود والمواد الغذائية الأساسية، وتفاقم ظاهرة التضخم المستورد. كما تم تعليق عدد من الزيارات والمشاريع الاقتصادية التي كانت مقررة مع أطراف إقليمية مثل تركيا وبعض الدول العربية، وهو ما سيبطئ من وتيرة التعافي الاقتصادي. ومن ثم فأن أي تصعيد إضافي من شأنه أن يُقوّض التقدم الهش نحو السلام والتعافي في البلاد.
4. ضغوط الحلفاء: حظي الموقف الحيادي الذي تتبناه سوريا بدعم مباشر من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي شدد على ضرورة بقاء دمشق خارج دائرة الصراع، والتركيز على الاستعداد لمواجهة أي تهديدات محتملة من الجماعات الإرهابية. وفي السياق ذاته، نقلت وكالة “ميديا لاين” عن مصادر دبلوماسية أن روسيا تمارس ضغوطًا على الحكومة السورية للحفاظ على موقفها الحيادي، وعدم السماح لأي طرف باستخدام الأراضي السورية لشن هجمات ضد إسرائيل، لما قد يترتب على ذلك من تصعيد خطير يصعب احتواؤه. ويمكن القول إن هذه الضغوط تنبع من حرص موسكو على حماية مصالحها العسكرية في سوريا، لا سيما وجودها الكبير في قاعدة حميميم الجوية؛ حيث تسعى للحفاظ على ما تبقى من استقرار نسبي في البلاد وتجنب التورط في نزاع جديد قد يخلّ بالتوازن القائم.[6]
5. ضغوط التوقيت: علي الرغم من أن هذا الصراع جاء في وقت تستعد فيه سوريا لاستعادة عافيتها، وأنه سيكون ذريعة لإبطاء هذا التعافي، إلا أن بعض الاتجاهات تشير إلى أن الصراع الإيراني الإسرائيلي جاء في وقته تمامًا؛ حيث أدي إلي انشغال أهم خصمين لها، وأنه لولا تلك الهجمات لتدخلت إيران في الشئون الداخلية لسوريا كذلك هناك تخوف بين الأوساط السورية من أن تصبح إسرائيل القوة الأوحد في الشرق الأوسط وبالتالي تزداد رغبتها في الدخول إلي الأراضي السورية، أيضا في حالة سقوط النظام ووجود نظام إيراني جديد معتدل ومقبولًا في كافة الأوساط يمكن أن ترجع المحادثات وفتح باب التعاون من جديد، لذلك لا تريد سوريا الانخراط في صراع لا تُعرف نتائجه.[7]
في الختام: في ضوء المرحلة الدقيقة التي تمر بها سوريا، يبدو أن أولوياتها باتت تركز بشكل واضح على الشأن الداخلي، من إعادة الإعمار إلى استعادة التوازن الاقتصادي والاجتماعي ومن هذا المنطلق، تتبنى دمشق سياسة خارجية تتسم بالحياد والابتعاد عن سياسة المحاور، إدراكًا منها لحجم المخاطر التي قد تترتب على الانخراط في صراعات إقليمية معقدة، كما يفهم التزامها بالصمت إزاء التصعيد بين إيران وإسرائيل كجزء من استراتيجية حذرة تهدف إلى تجنيب البلاد مزيدًا من التدهور، والحفاظ على ما تبقى من سيادتها واستقرارها، في مرحلة لا تحتمل فيها أي مغامرات قد تعصف بما تحقق من تعافٍ هش.
[1] Christina Goldbaum, As Other Arab States Condemn Israeli Attacks on Iran, Syria Is notably Silent, the New York Times.
[2] Gawdat Bahgat, Iran’s Post Assad Syria Policy- Challenges and Opportunities, IE Med. https://www.bing.com/ck/a?!&&p=5cefd045a6655f6bd8d7c3f48b75106443ab6354cf5de881cf90c8c2725f1b08JmltdHM9MTc1MDI5MTIwMA&ptn=3&ver=2&hsh=4&fclid=172cfc1f-8797-60bd-36dd-eeee86eb6191&psq=Gawdat+Bahgat%2c+Iran%27s+Post+Assad+Syria+Policy-+Challenges+and+Opportunities%2c+IE+Med.&u=a1aHR0cHM6Ly93d3cuaWVtZWQub3JnL3B1YmxpY2F0aW9uL2lyYW5zLXBvc3QtYXNzYWQtc3lyaWEtcG9saWN5LWNoYWxsZW5nZXMtYW5kLW9wcG9ydHVuaXRpZXMv&ntb=1
[3] Nurit Yohanan, As Israel takes fight to Iran, where are Tehran’s terror proxies in its hour of need, THE TIMES OF ISRAEL.
[4] محمد وتد، تفاصيل البنية التحتية العسكرية للجيش السوري التي دمرتها إسرائيل، الجزيرة.
[5] Christina Goldbaum, As Other Arab States Condemn Israeli Attacks on Iran, Syria Is notably Silent, the New York Times.
[6] RIZIK ALABI, What’s Behind Syria’s Silence on the Iran- Israel War? , the medialine.
[7] AGNES HELOU, Why Hezbollah might sit out the Israel – Iran conflict, BREAKING DEFENSE.

