رنا محمد عياد
باحثة في الشئون الأفريقية
تحتل التكتلات الإقليمية مكانة بارزة في القارة الأفريقية منذ حصول الدول على استقلالها السياسي في فترة الستينيات؛ إذ رأت الدول حديثة الاستقلال أن تعزيز التكامل الإقليمي يمثل وسيلة لتقليل الاعتماد على القوى الاستعمارية السابقة، وبناء قاعدة اقتصادية وسياسية مشتركة قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وفي هذا السياق، جاءت الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS) التي تأسست عام 1975 عبر معاهدة لاغوس، كإحدى أبرز التكتلات الإقليمية على مستوى القارة، بهدف المساهمة في رفع معدلات التنمية وتقوية الروابط السياسية بين الدول الأعضاء.
ومنذ نهاية السبعينيات، تطورت المنظمة بشكل ملحوظ؛ ففي عام 1979 تم إقرار بروتوكول حرية الحركة والإقامة والاستقرار، الذي سمح لمواطني دول الإيكواس بالانتقال دون الحاجة إلى تأشيرات لمدة 90 يومًا قابلة للتجديد، وهو ما مثل نقلة نوعية في التكامل الإفريقي؛ حيث صارت الإيكواس تقدم نفسها كنموذج قابل للتطبيق على باقي القارة، ومع تصاعد النزاعات الأهلية والانقلابات العسكرية في التسعينيات، توسع تفويض المنظمة من الاقتصادي إلى السياسي والأمني؛ حيث قامت بإنشاء قوة عسكرية إقليمية “الإيكوموج” للتدخل في ليبيريا وسيراليون، كما تبنت نهج فرض العقوبات على الأنظمة التي تستولي على السلطة بطرق غير دستورية.
وعلى الرغم من هذه النجاحات المؤسسية، فإن الأداء الاقتصادي ظل محدودًا. فبحسب بيانات مرصد التعقيد الاقتصادي (OEC) لعام 2023، لم تتجاوز نسبة التجارة البينية داخل الإيكواس 6% من إجمالي صادراتها، وهو ما يعكس استمرار اعتماد اقتصادات غرب إفريقيا على التصدير للأسواق العالمية بدلًا من بناء سلاسل قيمة إقليمية. ومع ذلك، فإن حجم الكتلة كبير؛ حيث تضم الإيكواس 15 دولة ويبلغ عدد سكانها أكثر من 424 مليون نسمة، أي ما يقارب ثلث سكان إفريقيا جنوب الصحراء، في هذا السياق، جاء قرار مالي والنيجر وبوركينا فاسو بالانسحاب من الإيكواس في 28 يناير 2024 ليهز البنية المؤسسية للتكامل في غرب إفريقيا، فقد أعلنت الدول الثلاث، التي يُطلق عليها “دول الساحل”، أن المنظمة لم تعد تعبر عن مصالح شعوبها، وأنها أصبحت أداة للتدخلات الخارجية وخصوصًا الفرنسية. وفي 29 يناير 2025، اعترفت الإيكواس رسميًا بانسحابها. وهذا التحول التاريخي يفرض قراءة معمقة للأسباب والدوافع، والآثار المترتبة على الانسحاب، وكذلك البدائل المحتملة لمستقبل التكتل الإقليمي، لا سيما في ضوء التحركات الأخيرة للمنظمة، مثل إعلانها عن تشكيل قوة تدخل سريع قوامها 26 ألف جندي لمكافحة الإرهاب، وهو ما يضع مستقبل الأمن الإقليمي أمام مشهد منقسم بين مشاريع متعارضة.
أولًا: نشأة الإيكواس: الإنجازات والتحديات
تعد الأيكواس من أبرز المنظمات الإقليمية بالقارة الأفريقية وأكثرها تأثيرًا على المستويين الاقتصادي والسياسي والأمني، فمنذ تأسيسها في عام 1975، حملت الإيكواس على عاتقها مهمة طموحة تتمثل في تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول غرب إفريقيا وتعزيز التنمية المستدامة ومواجهة التحديات المشتركة التي تعوق استقرار المنطقة، وهو ما جعلها تتحول تدريجيا من منظمة اقتصادية بالأساس إلى فاعل سياسي وأمني في غرب القارة، كما ساعد على ذلك تبني المنظمة إطارًا مؤسسيًا متدرجًا شمل إنشاء مفوضية إقليمية ومحكمة عدل، ما منحها أدوات تنفيذية وقانونية داعمة لأهدافها. وتغطي الإيكواس مساحة جغرافية تتجاوز 5 ملايين كيلو متر مربع، ويزيد عدد سكانها عن 419 مليون نسمة، أي ما يقارب ثلث سكان القارة الأفريقية، وهو ما يجعلها إحدى أكبر التكتلات من حيث الثقل الديمغرافي.
وتمثلت الأهداف التي نصت عليها معاهدة لاغوس 1975 والتي تم تعديلها بمعاهدة أبوجا 1993 في تعزيز التكامل الاقتصادي عبر إقامة سوق مشتركة واتحاد جمركي، وتسهيل حرية تنقل الأشخاص والسلع ورؤوس الأموال، وإرساء سياسات مشتركة للتنمية البشرية في قطاعات التعليم والصحة والزراعة والطاقة. كما توسعت هذه الأهداف لتشمل منذ التسعينيات قضايا الأمن ومنع النزاعات وإنشاء آليات للتدخل السريع، بجانب التحدث بصوت موحد في المحافل الدولية. ومع تزايد التحديات العابرة للحدود، طورت الإيكواس أهدافها لتشمل مكافحة الإرهاب والتغير المناخي وتعزيز مشروعات البنية التحتية والطاقة الإقليمية.
وعلى صعيد الإنجازات، يمكن القول إن الإيكواس حققت نجاحات لافتة في بعض المجالات مقارنة بتكتلات إفريقية أخرى، فقد كان بروتوكول حرية تنقل الأشخاص لعام 1979 من أبرز إنجازاتها؛ إذ سمح لمواطني الدول الأعضاء بالسفر بدون تأشيرة لمدة تصل إلى 90 يومًا، مع حق الإقامة والعمل لاحقا، وهو ما عزز الحركة الاقتصادية والاجتماعية بين الشعوب، بل وأسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية والثقافية عبر التزاوج والتبادل العلمي، وهو ما جعل فكرة المواطنة بين هذه الدول أكثر قربًا من الواقع. كما مثل إطلاق الاتحاد النقدي لدول غرب إفريقيا (UEMOA) في خطوة مهمة نحو تحقيق العملة الموحدة (ECO) رغم تأجيل تطبيقها أكثر من مرة بعد أن كان مقررًا بدء العمل بها في عام 2020، وقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي لدول الإيكواس مجتمعة حوالي 761 مليار دولار عام 2022، وهو ما يعكس قوتها اقتصادية معتبرة بالمقارنة مع بقية التكتلات الأفريقية، وإلى جانب ذلك، لعبت المنظمة دورًا بارزًا في إدارة الأزمات الأمنية عبر قوة الإيكومو، التي تدخلت في حروب أهلية مثل ليبيريا (1990–1997) وسيراليون (1997–1999)، كما تدخلت عسكريًا في غامبيا عام 2017 لإجبار الرئيس يحيى جامع على التنحي بعد خسارته الانتخابات، وهو ما عزز من مكانتها كفاعل إقليمي قادر على حفظ السلم في المنطقة، ويُظهر ذلك أن الإيكواس تجاوزت كونها منظمة اقتصادية لتصبح أداة إقليمية للأمن الجماعي تتبنى مبدأ “عدم اللامبالاة” تجاه أزمات أعضائها.
غير أن الإيكواس واجهت تحديات جسيمة لا تزال تحد من فعاليتها، فقد شهدت المنطقة منذ عام 2020 موجة من الانقلابات العسكرية في مالي وغينيا وبوركينا فاسو والنيجر، وهو ما دفع المنظمة إلى تعليق عضوية هذه الدول وفرض عقوبات عليها، وبصورة أضعفت من تماسكها الداخلي، كما مثلت ظاهرة الإرهاب أحد أخطر التحديات بعدما أصبحت منطقة الساحل تستحوذ عن نسبة 51% من جميع الوفيات المرتبطة بالإرهاب عالميًا في عام 2024، بزيادة ملحوظة عن 48% في عام 2023، وتزداد خطورة ذلك مع امتداد نشاط الجماعات المسلحة عبر الحدود، وضعف قدرة الدول الأعضاء على مراقبة مساحاتها الشاسعة، مما يفرض عبئًا أمنيًا مضاعفًا على المنظمة. علاوة على ذلك، يظل التفاوت الاقتصادي بين دول الإيكواس عقبة بنيوية؛ إذ تستحوذ نيجيريا وحدها على أكثر من 65% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يجعل قرارات المنظمة عرضة لهيمنة القوة الأكبر. وإلى جانب ذلك، أدى فشل مشروع العملة الموحدة إلى اهتزاز الثقة في قدرة المنظمة على إنجاز التكامل الاقتصادي. ولا يمكن إغفال التنافس الدولي في المنطقة بين فرنسا والولايات المتحدة والصين وروسيا، وهو ما ينعكس أحيانًا في تضارب المصالح الداخلية للمنظمة ويضعف استقلاليتها.
ثانيًا: أسباب ودوافع انسحاب مالي والنيجر وبوركينا فاسو
لم يكن انسحاب مالي، النيجر، وبوركينا فاسو من الإيكواس في يناير 2024 حدث مفاجئ بقدر ما كان نهاية لمسار طويل من التوترات المتصاعدة؛ إذ تراتبت الأزمات السياسية والانقلابات العسكرية مع ضغوط اقتصادية خانقة وتدخلات خارجية، حتى بدا أن هذا الإطار الإقليمي لم يعد قادرًا على احتواء طموحات الدول الثلاث، ومن ثم كان قرار الانسحاب أشبه بإعلان صريح لفشل العلاقة التعاقدية بين هذه الدول والمنظمة، والسعي لتأسيس نموذج بديل للتعاون الإقليمي أكثر توافقًا مع أولوياتها السيادية والأمنية.
وقد تمثلت أبرز هذه التوترات في تراكم العقوبات والخلافات السياسية، فبعد الانقلابات العسكرية في مالي (2020–2021)، بوركينا فاسو (2022)، والنيجر (2023) ردت الإيكواس بفرض عقوبات اقتصادية ومالية تمثلت في إغلاق الحدود، وتعليق التجارة البينية، وتجميد الأصول الحكومية، ومنع تحويلات الأموال، وهذه الخطوات انعكست مباشرة على شعوب هذه الدول، ففي النيجر ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسبة 21% في غضون ثلاثة أشهر فقط (سبتمبر–ديسمبر 2023)، بينما تم حظر دخول أكثر من 7300 طن من المساعدات الإنسانية عبر الموانئ النيجيرية.
وبناءً على تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية الصادر في أكتوبر 2023 أشار إلى أن ما يقارب 4.3 مليون شخص في النيجر أصبحوا في حاجة ملحة للمساعدات الغذائية، وفي مالي، انخفضت التحويلات المالية بنسبة 30% بعد العقوبات، وهو ما أثر بشكل مباشر على 1.2 مليون أسرة تعتمد على تحويلات المغتربين، وهذه المعطيات وفرت للحكومات العسكرية ذريعة قوية لتصوير الإيكواس كمنظمة معادية للشعوب لا تراعي الأبعاد الإنسانية، وهو ما عزز شرعية خطاب الانسحاب داخليًا، خصوصًا أن هذه الدول وجدت نفسها في الخطوط الأمامية لمواجهة الإرهاب دون أن تتلقى الدعم الأمني الكافي من المنظمة، وهو ما عمّق شعورها بالخذلان.
1. خطاب الشرعية السيادية ومخاطبة الداخل: بعد الانقلابات، واجه القادة العسكريون أزمة شرعية سياسية، خصوصًا مع الضغوط الدولية وكان الحل عبر تبني خطاب قومي قائم على استعادة السيادة، ومن ثم كان تصوير الإيكواس على أنها أداة خارجية بمثابة الخطاب المؤثر على اتجاهات الرأي العام؛ حيث وصف المجلس العسكري في النيجر العقوبات بأنها “إعلان حرب غير مباشرة ضد الشعب النيجري”، وفي بوركينا فاسو، رفع القادة شعار “الشعب فوق المعاهدات”، وأكدوا أن الانسحاب يعكس استجابة لرغبة جماهيرية، وهذا الخطاب وجد صدى قوي بين الجماهير الشعبية، خصوصًا الشباب، الذين نظموا مظاهرات في باماكو، نيامي، واجادوجو، رافعين شعارات ضد فرنسا وضد الإيكواس، وهكذا أصبح الانسحاب أداة لبناء شرعية داخلية تستند إلى مفهوم السيادة الوطنية بدلًا من الديمقراطية التمثيلية التي طالبت بها الإيكواس.
2. رفض النفوذ الخارجي وإعادة التموضع الجيوسياسي: اتهمت الدول الثلاث الإيكواس بأنها خاضعة لنفوذ باريس، خصوصًا وأن العقوبات كانت مدعومة من فرنسا والاتحاد الأوروبي، وبالتالي شكل الانسحاب فرصة للتخلص من هذا النفوذ وإعادة البحث عبر شراكات جديدة مع روسيا تمثلت في توسع الحضور الروسي في مالي والنيجر منذ 2023 عبر اتفاقيات أمنية وإرسال مدربين عسكريين؛ حيث شهدت العلاقات العسكرية والاقتصادية مع أنقرة نموًا بنسبة 18% بين 2022 و2024، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيرة، الصين توسعت استثماراتها في البنية التحتية والطاقة؛ ففي النيجر وحدها بلغت الاستثمارات الصينية في النفط والغاز نحو 5 مليارات دولار بحلول 2024، وهذه الشراكات الجديدة وفرت بدائل عملية للإيكواس وأضعفت الحاجة للبقاء داخل منظمة ينظر إليها كامتداد لهيمنة الغرب.
3. بناء بديل استراتيجي واتحاد دول الساحل: في 16 سبتمبر 2023، وقعت مالي والنيجر وبوركينا فاسو ميثاق دفاعي مشترك تحت اسم اتحاد دول الساحل (AES)، وفي 6 يوليو 2024، أعلنوا عن تحويل هذا التحالف إلى كونفدرالية رسمية خلال قمة نيامي. وقد مثلت أهداف الاتحاد الجديد في الدفاع المشترك ضد الجماعات المسلحة بتشكيل قوة قوامها 5,000 جندي، والتعاون الاقتصادي وإنشاء بنك للتنمية، إصدار وثائق سفر مشتركة لتعزيز حركة الأفراد وسهولة التنقل، ويمثل هذا الاتحاد محاولة لبناء تكتل موازٍ للإيكواس، يركز على الأمن أولًا كشرط لأي تكامل اقتصادي لاحق، ووفق تصور الدول الثلاث فإن الكونفدرالية ليست انسحابًا من فكرة التكامل الإفريقي، بل إعادة صياغة لها بما يخدم الأولويات المحلية، وفي هذا الإطار يمكن القول إن غياب الثقة المتبادل هو ما أدى إلى ولادة مشروعين متنافسين: مشروع الإيكواس الذي يسعى لتعزيز الأمن الجماعي بآليات جديدة، مقابل مشروع الساحل الذي يبني أدواته الخاصة.
ثالثًا: أثر الانسحاب على كل من الإيكواس والدول الثلاث
يعد انسحاب مالي والنيجر وبوركينا فاسو من الإيكواس بمثابة محطة فارقة أعادت تشكيل موازين القوى في غرب إفريقيا، فبينما حاولت المنظمة على مدار عقود أن تعزز من نموذج تكاملي اقتصادي سياسي، جاء هذا الانسحاب ليكشف عن هشاشة بنيتها الداخلية وتناقض أولويات أعضائها، ولا يقتصر الأثر على البعد المؤسسي، بل يمتد إلى انعكاسات اقتصادية واجتماعية وأمنية عميقة، وهو ما يجعل دراسة هذه التداعيات ضرورة لفهم مستقبل التكامل الإفريقي.
1. أثر الانسحاب على تجمع الإيكواس
من الناحية المؤسسية، خسرت الإيكواس كتلة جغرافية تمثل نحو 1.3 مليون كيلو متر مربع، أي ما يقارب ثلث مساحة التجمع الكلي، وهو ما يضعف أهميتها الاستراتيجية كممر للتجارة والهجرة العابرة للصحراء، ورغم أن مساهمة هذه الدول الاقتصادية كانت محدودة لنسبة تصل لــ 7% من الناتج الكلي، إلا أن وزنها الديمغرافي المقدر بحوالي 17% يمنحها ثقلًا يصعب تجاهله. سياسيًا، مثل الانسحاب سابقة تاريخية؛ إذ تعد هذه أول مرة تشهد فيها الإيكواس خروجًا جماعيًا لدول محورية. وهو ما خلق حالة خلل محتملة؛ حيث أبدت دول أخرى مثل غينيا في مطلع 2025 استعدادها لمراجعة التزاماتها، وهو ما يضع مستقبل المنظمة أمام اختبار حقيقي.
أما على مستوى التكامل المؤسسي، فإن انسحاب (AES) وتبنيها جوازات سفر خاصة، وبدء خطط لإنشاء بنك إقليمي، يضرب ركيزة حرية الحركة، التي كانت من أبرز إنجازات الإيكواس منذ تأسيسها. كما أن هذا الانقسام قد يضعف موقف التكتل في التفاوض مع شركاء دوليين مثل الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، الذين ينظرون الآن إلى الإيكواس كمنظمة منقسمة تفتقد الإجماع. وإزاء هذه الهشاشة، حاولت المنظمة استعادة زمام المبادرة عبر الإعلان في أغسطس 2025 عن تشكيل قوة تدخل سريع قوامها 26 ألف جندي لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة في المنطقة، في محاولة لإثبات أن الإيكواس ما تزال قادرة على لعب دور أمني فعال. غير أن هذا القرار أظهر في الوقت نفسه مفارقة واضحة؛ فبينما تتبنى المنظمة نهجًا أمنيًا متصاعدًا، تغيب عنها أكثر الدول تضررًا من الإرهاب (مالي، النيجر، بوركينا فاسو)، الأمر الذي يضعف من مصداقية المشروع، ويبرز حالة الانقسام بين مشروعين متوازيين: مشروع الإيكواس وقوة تدخلها، ومشروع الكونفدرالية الجديدة (AES) وقوة الساحل المشتركة.
2. أثر الانسحاب على الدول دول كونفدرالية دول الساحل
على الصعيد الاقتصادي، تكبدت النيجر وبوركينا فاسو ومالي خسائر فادحة نتيجة العقوبات قبل الانسحاب، وقد أشارت تقارير البنك الدولي 2024 إلى أن النمو الاقتصادي في النيجر انخفض إلى 1.8% فقط في 2023 مقارنة بـ6.9% عام 2022، بفعل العقوبات وإغلاق الحدود، كما سجلت بوركينا فاسو انكماشًا في صادراتها الزراعية بنسبة 14%، وهو ما انعكس على الأمن الغذائي لملايين السكان.
بعد الانسحاب، ورغم رفع بعض العقوبات، إلا أن خسارة الامتيازات داخل السوق الإقليمي للإيكواس قلصت حركة العمالة المهاجرة، التي تشكل مصدرا رئيسيا للعملات الصعبة، ففي عام 2024، انخفضت التحويلات المالية من عمال هذه الدول في غرب إفريقيا بنسبة 22%، وهو ما أثر مباشرة على ميزان المدفوعات. أما الصعيد الأمني، تظهر بيانات Global Terrorism Index 2025 أن منطقة الساحل خاصة بوركينا فاسو أصبحت بؤرة عالمية للعنف؛ حيث شهدت وحدها أكثر من 52% من ضحايا الإرهاب عالميًا، ورغم إنشاء “قوة الساحل المشتركة” ضمن AES، إلا أن الهجمات لم تتراجع؛ بل زادت وتيرتها في مناطق وسط مالي والنيجر والتي منها مجزرة بارسالوقو في أغسطس 2024 –نتج عنها أكثر من 600 قتيل– بما يبرز حجم التحديات الأمنية، في وقت تعجز فيه الدول الثلاث عن ضبط حدودها أو مواجهة التنظيمات العابرة للدول. كما أن الاعتماد على الدعم الروسي والتركي لم ينجح في الحد من التدهور الأمني حتى منتصف 2025، فضلًا عن الاجتماعي والسياسي، وعلى المستوى الشعبي ورغم التأييد الداخلي لفكرة “التحرر من النفوذ الخارجي”، إلا أن تداعيات الانعزال الاقتصادي بدأت تثير حالة من الاستياء الداخلي لدى السكان.
رابعًا: البدائل وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية
بعد انسحاب مالي والنيجر وبوركينا فاسو من الإيكواس، لم تتوقف التحولات عند حد الانفصال، بل ظهرت تحركات جديدة لإعادة صياغة التوازنات داخل منطقة غرب إفريقيا، فقد سعت هذه الدول إلى بناء إطار بديل عبر AESمع إعادة تعريف مصالحها في الخريطة الأفريقية والدولية، ولا تقتصر هذه التحولات على العلاقات داخل القارة فحسب، بل تمتد لتفتح المجال أمام قوى خارجية لإعادة تعزيز حضورها، بما يضع مستقبل التكامل الإقليمي أمام سيناريوهات متباينة، وضمن السياق ذاته، أعلنت مالي والنيجر وبوركينا فاسو، انسحابها من المنظمة الدولية للفرانكفونية، في خطوة شبيهة بإعلانها الانسحاب من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” أواخر يناير 2024. ويمكن تفسير اتجاهات البدائل المقترحة على النحو الآتي:
1. تأسيس كيان بديل: أعلنت مالي والنيجر وبوركينا فاسو عن تأسيس كونفدرالية تحالف دول الساحل خلال قمة نيامي وقد مثلت هذه الخطوة أول محاولة عملية لإنشاء إطار بديل للإيكواس، يركز بالأساس على التعاون الدفاعي والأمني ومراقبة الحدود، ولعل أبرز ما جاء في الإعلان هو الاتفاق على تشكيل قوة عسكرية مشتركة قوامها 5,000 جندي، إضافة إلى خطة لإنشاء بنك تنمية إقليمي بحلول 2026 لدعم الاستثمارات والبنية التحتية، كما بدأت الدول الثلاث إصدار جوازات سفر جديدة بشعار AES منذ يناير 2025، وهو ما يعكس سعيها لبناء هوية مؤسسية بديلة عن الإيكواس، إلا أنه وبالرغم من الطابع الطموح لهذه المبادرات، تواجه هذه الكتلة تحديات كبيرة في التمويل والقدرة الإدارية، نظرًا لأن الاقتصادات الثلاثة مجتمعة لا تتجاوز 62 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي، أي أقل من ربع اقتصاد نيجيريا وحدها.
وتزداد هذه التحديات تعقيدًا مع اعتماد الكتلة الجديدة بشكل واسع على المساعدات والدعم العسكري الخارجي، خصوصًا من روسيا وتركيا، وهو ما قد يخلق مع مرور الوقت حالة من التبعية الجديدة بدلًا من تحقيق الاستقلالية التي رفعت كشعار للانسحاب من الإيكواس.
2. التوازنات الإقليمية: حاول الاتحاد الإفريقي التدخل لتقريب وجهات النظر؛ إذ دعا في فبراير 2024 إلى حوار شامل بين الإيكواس والدول الثلاث غير أن المحادثات التي جرت في أديس أبابا انتهت دون شيء يذكر بسبب تمسك الجانبين بمواقفهما، ويعكس هذا الفشل أزمة أوسع في قدرة الاتحاد الإفريقي على لعب دور الوسيط الفعال، وهو ما يزيد احتمالية ترسخ حالة الانقسام، كما أن بروز AES كتحالف بديل قد يضعف وحدة القارة أمام مشاريع التكامل القاري الأشمل مثل اتفاقية التجارة الحرة للقارة الأفريقية (AfCFTA)، باعتبار أن انسحاب هذه الدول من الإيكواس يعرقل انسجامها مع مسارات التحرير التجاري الإقليمي، وبالتالي فإن غياب هذه الدول عن السوق الإقليمي قد يقلل حجم التجارة البينية في غرب إفريقيا بنسبة 8% خلال عامي 2025–2026.
وفي هذا السياق، برزت نيجيريا باعتبارها الخاسر الأكبر إقليميًا؛ إذ تراجعت قدرتها على قيادة غرب إفريقيا بعد أن فقدت الإيكواس ثلاث دول استراتيجية على حدودها الشمالية، مما يفتح المجال أمام مراكز ثقل جديدة تقودها تحالفات أصغر وأكثر تماسكًا.
3. البعد الدولي وإعادة التعريف الجيوسياسي: اتجهت الدول الثلاث نحو تنويع شراكاتها الدولية بعيدًا عن الغرب، فمنذ سبتمبر 2023، وقعت اتفاقيات دفاعية مع روسيا تشمل تزويدها بطائرات مروحية هجومية وطائرات مسيّرة، إلى جانب تدريب قوات خاصة في موسكو، كما أبرمت مالي في ديسمبر 2024 عقدًا مع تركيا لتوريد 40 مدرعة (Kirpi) لدعم عمليات مكافحة الإرهاب. اقتصاديا، دخلت الصين على الخط بقوة عبر توقيع اتفاقيات مع النيجر في يونيو 2024 لاستثمار نحو 2.3 مليار دولار في تطوير مناجم اليورانيوم والبنية التحتية للنقل، وتعكس هذه الشراكات تحولًا واضحًا نحو ما يسمى بـ”الشرق الجيوسياسي”، في محاولة لإيجاد بدائل للنفوذ الفرنسي والغربي الذي كانت ترعاه الإيكواس.
لكن هذا الانفتاح على الشرق لا يخلو من مخاطر؛ إذ قد يؤدي إلى خلق اصطفافات جديدة في المنطقة تجعلها ساحة تنافس بين روسيا والصين من جهة، والغرب من جهة أخرى، بما يضاعف حالة الاستقطاب بدلًا من بناء استقلالية حقيقية.
خامسًا: السيناريوهات المستقبلية المحتملة
1. استمرار الانقسام وترسخ الكونفدرالية: ينظر إلى هذا المسار باعتباره السيناريو الأرجح على المدى القريب؛ حيث تعمل AES على تعزيز مؤسساتها الخاصة، كما أنه في حال استمرت الترتيبات المشتركة، فسكون هناك توسعًا يشمل دولًا أخرى مثل غينيا، وهو ما سيؤثر على خريطة التفاعلات الإقليمية والدولية.
ومن المرجح أن يؤدي استمرار هذا المسار إلى خلق حالة “ازدواجية مؤسسية” في غرب إفريقيا، حيث ستتعايش قوتان متنافستان: قوة الساحل المشتركة ضمن AES، وقوة التدخل السريع التي أعلنت عنها الإيكواس، مما قد يحول المنطقة إلى ساحة تنافس عسكري وسياسي بدلًا من التكامل.
2. عودة تدريجية إلى الإيكواس: يبقى هذا السيناريو مرهونًا بقدرة الإيكواس على إعادة صياغة نفسها، عبر تخفيف العقوبات وتبني مقاربة أكثر شمولية تحترم خصوصيات الدول الأعضاء، وقد ظهرت بعض المؤشرات المتعلقة بهذا المسار، ففي فبراير 2025، أبدت الإيكواس استعدادًا لتعديل بروتوكولاتها.
وفي حال رافق ذلك تفعيل واقعي لقوة التدخل السريع في عمليات حفظ السلام ومكافحة الإرهاب، فقد يشكل ذلك عامل جذب لإقناع بعض الدول بالعودة، خصوصًا إذا ثبت أن الآليات الجديدة أكثر فعالية من تحالف AES.
3. صيغة العضوية الجزئية: قد يظهر حل وسط يسمح للدول الثلاث بالاستفادة من السوق الإقليمي دون الالتزام بالبنود السياسية المتعلقة بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، ويمكن الإشارة هنا إلى أن هذا النموذج ليس جديدًا؛ إذ سبق أن طبق الاتحاد الأوروبي ترتيبات مماثلة مع بعض دول شرق أوروبا، ومن ثم فإن نجاح هذا الخيار يتوقف على الإرادة السياسية للإيكواس وقدرتها على الابتكار المؤسسي.
غير أن هذا الخيار قد يواجه عقبة في المجال الأمني؛ إذ أن الجمع بين الاستفادة الاقتصادية من الإيكواس والحفاظ على الترتيبات الدفاعية مع AES قد يضع الدول الثلاث أمام ازدواجية يصعب إدارتها على المدى الطويل.
في الختام: يجسد انسحاب مالي والنيجر وبوركينا فاسو من الإيكواس أزمة بنيوية في مسار التكامل الإقليمي داخل منطقة غرب إفريقيا؛ حيث يتقاطع البعد الداخلي (شرعية النظم السياسية) مع البعد الخارجي (النفوذ الدولي). ورغم أن الأثر الاقتصادي قد يكون محدودًا نظرًا لضعف التجارة البينية، إلا أن الأثر الأمني والسياسي بالغ الخطورة في ظل هشاشة المنطقة وانتشار الجماعات المسلحة، وبالتالي فإن مستقبل التكتل مرهون بقدرة الأطراف على بناء معادلة جديدة توازن بين السيادة الوطنية ومتطلبات التكامل الإقليمي، وهو ما سيحدد ما إذا كانت هذه الأزمة ستفتح الباب أمام إعادة تشكيل أكثر واقعية للتكتلات الأفريقية، أم أنها ستعمق الانقسامات وتزيد من هشاشة القارة.
وفي هذا السياق، يمثل نجاح أو فشل قوة التدخل السريع اختبارا عمليا لقدرة الإيكواس على استعادة زمام المبادرة، في وقت تسعى فيه AES إلى فرض نفسها كبديل أمني إقليمي، ما يجعل مستقبل غرب إفريقيا مرهونا بنتائج هذه المعادلة المزدوجة.
المراجع:
1. Chatham House. (2021). Rethinking the Response to Jihadist Groups across the Sahel. London: The Royal Institute of International Affairs.https://www.chathamhouse.org/2021/03/rethinking-response-jihadist-groups-across-sahel
2. Carnegie Endowment for International Peace – Wolfram Lacher. (2012). Organized Crime and Conflict in the Sahel-Sahara Region. Washington, DC.https://carnegieendowment.org/research/2012/09/organized-crime-and-conflict-in-the-sahel-sahara-region?lang=en
3. ECOWAS. (2023). About ECOWAS: History and Mission. [Official Website]https://www.ecowas.int/about-ecowas/
4. BBC News Africa. (2023). ECOWAS at 48: Successes and Failures. https://www.bbc.com/africa
5. Promoting integration through mobility: Free movement under ECOWAS https://www.unhcr.org/sites/default/files/legacy-pdf/49e479c811.pdf?utm_source=chatgpt.com
6.United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD). Policy Hub.https://policyhub.unctad.org
7. The Observatory of Economic Complexity (OEC). Data Visualization and Trade Statistics Platform. https://oec.world
8. Al Jazeera. (2024, February 24). ECOWAS lifts sanctions on Niger amid tensions in West Africa bloc. https://www.aljazeera.com/news/2024/2/24/ecowas-lifts-sanctions-on-niger-amid-tensions-in-west-africa-bloc
9. Reuters. (2024, February 24). West African bloc lifts sanctions on junta-led Niger. https://www.reuters.com/world/africa/west-african-ecowas-bloc-mulls-new-strategy-towards-junta-states-2024-02-24/
10. Al Jazeera. (2024, July 6). Niger, Mali and Burkina Faso military leaders sign new pact, rebuff ECOWAS. https://www.aljazeera.com/news/2024/7/6/niger-mali-and-burkina-faso-military-leaders-sign-new-pact-rebuff-ecowas
11. Reuters. (2024, September 15). Mali, Burkina Faso and Niger to launch biometric passports under new alliance.
12. ACLED (Armed Conflict Location & Event Data Project). (2024, January 17). Conflict Watchlist 2024 — The Sahel: A Deadly New Era in the Decades-Long Conflict. https://acleddata.com/report/conflict-watchlist-2024-sahel-deadly-new-era-decades-long-conflict
13. Institute for Economics & Peace (Vision of Humanity). (2025, April 15). Shifting Sands in Security: Foreign Counterterrorism Influences in the Sahel. https://www.visionofhumanity.org/shifting-sands-in-security-foreign-counterterrorism-influences-in-the-sahel/
14. Reuters Breakingviews. (2025, March 21). West Africa’s version of Brexit is as bad an idea. https://www.reuters.com/breakingviews/west-africas-version-brexit-is-bad-an-idea-2025-03-21/
15. Politico’s Int’l Policy Digest. (2024, July 6). Niger, Mali and Burkina Faso Have Broken Up with ECOWAS. https://intpolicydigest.org/niger-mali-and-burkina-faso-have-broken-up-with-ecowas/
16. France24. (2024, July 7). Breakaway junta confederation undermines West African leaders’ summit. https://www.france24.com/en/africa/20240707-breakaway-junda-confederation-undermines-west-african-leaders-summit
17. AP News. (2025, April 30). Mali national dialogue recommends naming junta leader president and dissolving political parties.https://apnews.com/article/fe3bc71722f9cef7a865ce4fa72bf1c7
18. Guardian. (2025, April 1). Niger’s junta withdraws from Lake Chad anti-Islamist force. https://www.theguardian.com/world/2025/apr/01/niger-junta-withdraws-from-lake-chad-anti-islamist-force
19. Reuters. (2025, April 28). Landlocked Burkina, Mali, Niger back sea access through Morocco. https://www.reuters.com/world/africa/landlocked-burkina-mali-niger-back-sea-access-through-morocco-2025-04-28/
20. PunchNG – ECOWAS to raise $2.5 bn for 260,000-man counter-terrorism force.https://punchng.com/ecowas-to-raise-2-5bn-for-260000-man-counter-terrorism-force
21. Ecofin Agency – ECOWAS needs $2.5 bn annual budget for anti-terrorism brigade.https://www.ecofinagency.com/news/2808-48202-ecowas-needs-2-5bn-annual-budget-for-anti-terrorism-brigade
22. BusinessDay – ECOWAS unveils 260,000-member rapid force to tackle regional threatshttps://businessday.ng/news/article/ecowas-unveils-260000-member-rapid-force-to-tackle-regional-threats-2

