مصطفى صلاح
مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
برزت باكستان كأحد الدول المحورية في عملية التنسيق والوساطة بين الولايات المتحدة وإيران فيما يتعلق بالوصول إلى تفاهمات حول مستقبل الحرب وتقريب وجهات نظر الجانبين حول الملفات الخلافية، ولعل اتساع الفجوة بين الرؤيتين ساهم في جعل باكستان تواجه ضغوطًا لإنجاز ما يتم اعتباره مهمة مستحيلة من أجل استقرار الاقتصاد العالمي والحفاظ على الأمن الإقليمي. وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجه باكستان في تنفيذ هذه العملية، إلا إنها تتمتع في الآونة الحالية بالمصداقية الكافية للتوسط وربما إبقاء عملية الوساطة قائمة، إلا أنها لا تمتلك فيما يبدو القوة الكافية لضمان النتيجة التي يترقبها العالم وهي إعادة فتح مضيق هرمز الحيوي ووقف الحرب.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن باكستان اتجهت منذ العام الماضي إلى العمل على بناء الثقة مع الولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى الحفاظ على علاقة وظيفية مع طهران. وهو ما دفع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى الإعلان في السابع من أبريل 2026، عن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران موجهًا دعوة للوفدين للاجتماع في إسلام آباد في الفترة القادمة.
أولًا: التقارب الوثيق بين إيران وباكستان
لم تكن السياسة الخارجية الباكستانية تجاه إيران تسير في مسار طوعي قائم على الرغبة في توطيد العلاقات وفق المسارات الطبيعية، بل جاءت متأثرة ومحكومة بالتقارب الجغرافي بين البلدين؛ إذ يتشارك البلدان حدودًا تمتد على مسافة 900 كيلومتر (565 ميلًا). وبالنسبة لباكستان، تُعد إيران ممرًا للعبور، وموردًا للطاقة، ومصدرًا محتملًا لعدم الاستقرار الداخلي لا سيما في منطقة بلوشستان؛ حيث لطالما اختبرت الجماعات والنزاعات المسلحة العابرة للحدود مدى قدرة العلاقات الثنائية على الصمود والمواجهة. وقد فرض هذا الواقع الجغرافي على إسلام آباد مبدأ الحياد الإيجابي تجاه طهران، وهو مبدأ يتجاوز الحكومة الحالية وومن المحتمل استمراره في حال تغيرها باعتبار إن هذا النهج سلوك دولة وليس سلوك حكومة.
وقد تجلى هذا المبدأ بوضوح خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن العشرين، وعلى الرغم من الضغوط التي مارستها واشنطن التي كانت تدعم بغداد ضمنيًا وبدعم من بعض الدول التي مولت آلة الرئيس العراقي السابق صدام حسين الحربية، إلا إن باكستان رفضت الانحياز لأي طرف. وحافظ الرئيس الباكستاني آنذاك محمد ضياء الحق على انتهاج الحياد في الحرب.
1. علاقات حذرة: أثبتت الثورة الإسلامية الإيرانية في عام 1979 أن عدم الاستقرار يمكن أن يتجاوز الحدود الإيرانية، وهو ما دفع باكستان التي تفتقر إلى منطقة عازلة وتضم نسبة كبيرة من السكان الشيعة أن تتعامل بحذر مع إيران، فيما تصاعدت الحسابات الباكستانية منذ أن تعززت العلاقات الإيرانية – الهندية عبر مشروع ميناء تشابهار لبناء ممر تجاري بديل إلى آسيا الوسطى يتجاوز باكستان وميناء جوادر. كما شهدت باكستان تحول طهران إلى عامل مؤثر في السياسة الأفغانية، وتنامي نشاط البلوش والتوترات الطائفية داخل باكستان نفسها.
ويمكن الإشارة هنا إلى أنه في عام 2024، شن البلدان ضربات عسكرية محدودة عبر الحدود، وهو ما أدى إلى قطيعة دبلوماسية قصيرة لم يستطع أي من الطرفين تحمل تبعاتها. وسرعان ما عادت العلاقات إلى طبيعتها. وقد أكدت كل حادثة النتيجة نفسها، وبالنسبة لباكستان، فإن إدارة العلاقة مع إيران ليست مجرد خيار في السياسة الخارجية، بل ضرورة هيكلية للحفاظ على مصالحها.
2. رفض العدوان والاحتواء: عندما اغتيل آية الله علي خامنئي في غارات أمريكية إسرائيلية في 28 فبراير 2026، كان رد فعل باكستان سريعًا وحاسمًا على المستويين الشعبي والرسمي؛ حيث اندلعت احتجاجات في كراتشي ولاهور وإسلام آباد وبيشاور، قادها أفراد من الطائفة الشيعية في باكستان، التي تُشكل ما بين 15 و20 بالمئة من السكان، كما اقتحم مئات المتظاهرين القنصلية الأمريكية، واخترقوا البوابة الخارجية قبل أن تتدخل قوات الأمن وتفرقهم بالقوة.
وفي الوقت نفسه أدانت الحكومة الباكستانية الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ودعت إلى التهدئة، ومن ثم لا يمكن النظر إلى إسلام آباد كأداة في يد واشنطن في حرب أودت بحياة شخصية نعاها مواطنوها كزعيم روحي. ومع ذلك، لم يكن بوسع باكستان تحمل قطع علاقتها مع واشنطن. وهذه الأزمة التي تم إدارتها خلال الأسابيع اللاحقة، أصبحت أساس مصداقية باكستان كوسيط. باعتبارها دولةٌ عليها أن توازن بين الأوضاع الداخلية وعلاقة فعّالة مع واشنطن، هي، بحكم تعريفها، دولة لا يمكن لأي من الطرفين اعتبارها أسيرة للآخر.
3. غياب البدائل الحاسمة: ساهم عدم وجود البدائل العملية مصداقية باكستان في هذه العملية، فلم تكن روسيا، المنشغلة بحربها في أوكرانيا، في وضع يسمح لها بالاضطلاع بدور الوساطة. أما الصين، فرغم نفوذها الاقتصادي على طهران، كانت متحالفة بشكل وثيق مع المصالح الإيرانية لدرجة تجعل واشنطن لا تثق بها كوسيط في هذه العملية. بجانب ذلك كانت دول الخليج، التي تضررت بنيتها التحتية واقتصاداتها جراء إغلاق مضيق هرمز، في الواقع أطرافًا مقاتلة. كما إن تركيا التي اكتسبت تركيا مصداقية من مفاوضات غزة، وعلى اتصال بالطرفين، إلا أنها افتقرت إلى التواصل المباشر مع واشنطن على عكس التواصل مع إيران.
4. قبول الأطراف الوساطة الباكستانية: كانت باكستان الخيار المفضل لإيران فيما يتعلق باستضافة هذه الجولة من المفاوضات؛ حيث رأت طهران أن موقع إسلام آباد الجغرافي وقيودها الداخلية تجعلها غير قادرة هيكليًا على أن تكون أداة في يد واشنطن. كان هذا الحساب نصف المعادلة، أما النصف الآخر فكان واشنطن نفسها. وإذا كانت الجغرافيا تفسر سبب قبول إيران لباكستان كوسيط، فإن علاقة ترامب مع بعض الشخصيات الباكستانية بالإضافة إلى تنامي التعاون وتعزيز العلاقات الأمريكية – الباكستانية تفسر سبب موافقة الولايات المتحدة على باكستان كوسيط.
ويمكن الإشارة هنا إلى إنه عندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، تحركت باكستان لتعزيز علاقاتها مع واشنطن. وكان رئيس الوزراء شهباز شريف من أوائل من لبّوا دعوة ترامب للانضمام إلى مجلس السلام، وهو إطار عمل لتحقيق الاستقرار الإقليمي في غزة والمنطقة، وهو ما يشير إلى تقارب مبكر وواضح مع واشنطن في وقت كانت فيه العديد من الحكومات الغربية لا تزال مترددة في التعامل مع الرئيس الأمريكي وسياساته.
وفي وقت سابق من مايو 2025، وبعد اشتباكات عسكرية محدودة بين الهند وباكستان انتهى بوقف إطلاق النار، أعلن ترامب التوسط لوقف إطلاق النار، ورشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام وهي الخطوة التي أوضحت إن إسلام آباد مستعدة لفعل أي شيء للتقارب مع الإدارة الأمريكية الجديدة. لكن العلاقة الأكثر أهمية كانت تلك التي جمعت الرئيس ترامب بقائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير؛ ففي اجتماعات عُقدت طوال عام 2025، أشاد ترامب بمنير ووصفه بالمقاتل العظيم والشخصية المهمة والاستثنائية. كما استضاف البيت الأبيض منير في زيارة أكدت على العلاقة الشخصية الوطيدة بين الرجلين. وصرح ترامب علنًا بأن باكستان “تعرف إيران جيدًا، أفضل من معظم الدول. ونتيجةً لذلك، عندما عرضت إسلام آباد خدمات الوساطة لإنهاء الحرب مع إيران، قوبل هذا العرض بترحيب من الولايات المتحدة.
ثانيًا: الهدنة بين أهداف الولايات المتحدة وإيران وباكستان
أن الفجوة بين مواقف الجانبين لا تزال كبيرة، وهو ما يتطلب جهودًا كبيرة لتقريبها، كما إن قبول الطرفين بمناقشة مقترحات بعضهما يشكل خطوة أولى، لكنها لا تعني بالضرورة الوصول إلى اتفاق نهائي. وفيما يتعلق بالضمانات، فإن الحديث عنها سابق لأوانه خاصة مع احتمالية انعقاد جولات مفاوضات جديدة والتي ستعمل على صياغتها لاحقا عبر آليات دولية، قد تشمل مجلس الأمن أو قوى كبرى مثل الصين، في حال تم التوصل إلى أرضية مشتركة.
1. تباين الأجندات: أصر ترامب على أن برنامج إيران النووي سيُعالج في أي اتفاق نهائي، بينما يدعو إطار طهران المكون من عشر نقاط إلى الاعتراف ببرنامجها لتخصيب اليورانيوم، كما تطالب إيران بسحب القوات الأمريكية من القواعد الإقليمية، ورفع جميع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والتعويض عن أضرار الحرب. ولم توافق واشنطن على معظم هذه المطالب، وصرح ترامب لشبكة سكاي نيوز بأن النقاط التي سربتها إيران رسميًا تختلف عن تلك التي يجري التفاوض عليها حاليًا.
2. أدوار الوساطة: تتطلب هذه الاختلافات سد هذه الفجوة ووجود وسيط مستعد لتحمل التكاليف السياسية المترتبة على إخبار كل طرف بما لا يصرح به الطرف الآخر علنًا. وهنا تبرز أهمية انكشاف موقف باكستان. كما إن لباكستان مصلحة مباشرة في تحقيق هذه الأهداف خاصة بعدما تسبب إغلاق مضيق هرمز في حدوث صدمة لأسعار النفط؛ حيث تستورد باكستان غالبية احتياجاتها من الطاقة من إيران والدول الخليجية، بالإضافة إلى إن استمرار تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز يعني نقصًا في الإمدادات وارتفاعًا هائلًا في فواتير الاستيراد، وهو ما لا تستطيع دولة تعاني من هشاشة اقتصادية تحمله.
3. التحول في الدور: إن الرغبة التنافسية في الوصول إلى اتفاق هي التي تمنح باكستان مصداقية لدى كلا الطرفين. فإسلام آباد ليست طرفًا محايدًا يكتفي بدور المضيف للمباحثات، بل لديها دوافع واضحة للتوصل إلى اتفاق، وهذه الدوافع معروفة لدى واشنطن وطهران على حد سواء. أما الوسيط الذي لا يملك أي مصلحة شخصية، فلا يملك أي نفوذ.
4. تعزيز المكانة والصورة العالمية: من الجدير بالذكر أن باكستان قد حققت بالفعل نجاحات مهمة، بغض النظر عما سيحدث في إسلام آباد في جولات التفاوض المستقبلية، خاصة إن الهند انتهجت لسنوات استراتيجية دبلوماسية لتهميش باكستان ودورها في الساحتين الإقليمية والدولية من خلال ربط سياساتها بانتشار الإرهاب وتصويرها كفاعل مزعزع للاستقرار. وقد حققت هذه الاستراتيجية نجاحًا جزئيًا؛ حيث كانت باكستان غالبًا في موقف دفاعي في المحافل الدولية، وتعمل على إدارة هذه التصورات والانطباعات بدلًا من أن تُساهم في صياغة الأجندات الإقليمية والدولية.
وفي ضوء ذلك، فقد ساهمت جهود الوساطة الباكستانية في تغيير هذه التصورات وأصبحت باكستان الآن القوة المحركة في مفاوضات بين أكبر اقتصاد في العالم وإحدى أهم دول الشرق الأوسط، كما إن استضافة هذه المحادثات -بغض النظر عن نتائجها- تضع باكستان على خريطة الفاعلين الدبلوماسيين، بشكل لم يكن ليتحقق من خلال أي بيان أو قمة ثنائية.
في الختام: يمكن القول إنه في حال انهارت المحادثات بسبب الخلافات بين الطرفين، فإن باكستان ستخرج بمصداقية كبيرة وعلاقات أقوى مع كل من واشنطن وطهران. أما إذا تكللت المحادثات بالنجاح، وتمكنت إسلام آباد من التوصل إلى إطار عمل مستدام بين الطرفين اللذين يخوضان صراعًا مفتوحًا منذ أشهر، فسيكون العائد الدبلوماسي كبيرًا. وسيُصنف هذا الإنجاز ضمن أهم وساطات النزاعات التي قامت بها دولة من جنوب آسيا في التاريخ. وسيعزز مكانة باكستان الدولية بشكل ملموس في وقت تسعى فيه إسلام آباد جاهدةً لإعادة بناء دورها وتعزيز صورتها العالمية.

