منه محمد الحفني
باحثة في العلوم السياسية
في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وكاراكاس، باتت فنزويلا مرة أخرى في مواجهة مع الولايات المتحدة، مدفوعةً بحزمة من التقديرات الاستراتيجية التي تتباين داخل الإدارة الأمريكية. فمع اشتداد النقاشات داخل البيت الأبيض حول احتمالية اللجوء إلى الخيار العسكري، ووسط تحركات عسكرية متزايدة في منطقة الكاريبي، تبدو الأزمة بين الولايات المتحدة وفنزويلا مرشحة لأن تتحول إلى واحدة من أبرز ملفات السياسة الخارجية الأمريكية تعقيدًا. وبين الدوافع المعلنة المتعلقة بمكافحة المخدرات والتهديدات الأمنية، والدوافع غير المباشرة المرتبطة بإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي، تتسع دائرة الجدل حول حقيقة الأهداف الأمريكية من وراء هذا التصعيد وما تسعى إلى تحقيقه.
وقد أعلنت الإدارة الأمريكية عن مجموعة من الخطوات التي يمكن اللجوء إليها في مواجهة ما أسمته بمواجهة عصابات تهريب المخدرات والجريمة المنظمة؛ حيث تنوعت هذه الخيارات بين احتمال تنفيذ هجمات برية أو شن هجمات وغارات جوية على منشآت عسكرية ومسارات تهريب المخدرات، وصولًا إلى الخيار الجذري المتمثل في الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وفي ظل تباين المواقف داخل الإدارة بشأن احتمالية التصعيد واتجاهاته، أعلن الجيش عن عملية عسكرية تحمل اسم “الرمح الجنوبي” ضد تهريب المخدرات، وإلى جانب ذلك عملت على حشد قوتها العسكرية في المنطقة فقد أرسلت أكبر حاملة طائرات لديها، يو إس إس جيرالد فورد، إلى جانب نحو 15 ألف جندي، وأكثر من 12 سفينة حربية وعشر طائرات من طراز اف-35 مع إمكانية مشاركة قوة دلتا النخبوية، وهو ما يعكس توجهًا أكثر تشددًا مقارنة بالوجود العسكري المعتاد في المنطقة، والذي كان يقتصر تاريخيًا على بعد القطع العسكرية ضمن عمليات خفر السواحل. وفي المقابل، وبينما كان الكونجرس يناقش مشروع قانون يهدف إلى منع الرئيس من شن حرب على فنزويلا، كشف وزير الحرب بيت هيجست لعدد من المشرعين أن الإدارة لا تعتزم في الوقت الحالي تنفيذ هجوم، وهو ما أدى إلى تعطيل جهود الكونجرس الرامية لفرض هذا الحظر.
التصعيد الأمريكي: الأسباب والدوافع
ثمة مجموعة من الأهداف والسياقات الحاكمة لاتجاهات التصعيد الأمريكي خاصة أن الرئيس ترامب اتخذ حزمة من الإجراءات والسياسات التي من شأنها توضيح ملامح الاستراتيجية الأمريكية في التعامل مع فنزويلا، كما أن تعدد الخيارات والأهداف يشير إلى طبيعة الأزمة المركبة التي تتعامل معها واشنطن وتسعى إلى تحقيق أقصى معدلات الاستفادة، وفيما يلي أبرز الأهداف الحاكمة للتوجهات الأمريكية:
1. القضاء على تجارة المخدرات
فيما يخص الهدف المعلن من جانب الرئيس ترامب، أكدت الإدارة الأمريكية أن عملياتها العسكرية تهدف بالدرجة الأولى إلى القضاء على تجارة المخدرات ومواجهة تهريب هذه المواد إلى الداخل الأمريكي، كما تقول واشنطن إن الضربات العسكرية تستهدف شبكات تهريب الكوكايين والفنتانيل، اللذين تسببا في أزمة صحية خطيرة داخل الولايات المتحدة وبحسب بيانات المركز الوطني الأمريكي للإحصاءات الصحية توفي أكثر 110 ألف بسبب الجرعات الزائدة في عام 2023 وأكثر من 80 ألف شخص خلال عام 2024.
وعلى الرغم من أن تقرير المخدرات العالمي للأمم المتحدة يشير الي أن 5% فقط من المخدرات المتجهة الي الولايات المتحدة تمر عبر فنزويلا وأن 78% تأتي من المحيط الهادي خاصة من كولومبيا والإكوادور فإن هذه الرواية تبقى الأساس الذي يستند إليه ترامب لتبرير موقفه. كما يرى بعض المؤيدين أن سياسات مادورو هي التي ساهمت في تفاقم أزمات داخل الولايات المتحدة، وعلى رأسها الهجرة غير النظامية؛ إذ تشير التقديرات إلى وجود ثمانية ملايين لاجئ في الولايات المتحدة والمنطقة نتيجة الأزمة الفنزويلية.
إلى جانب ذلك، يعتقد مؤيدي التصعيد أن فنزويلا أصبحت محور نفوذ خصوم واشنطن في أقصى الغرب فمادورو يتعاون بشكل وثيق مع روسيا والصين وإيران، وهو ما يتم النظر إليه باعتباره تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي. فقد منحت فنزويلا الصين حق إنشاء محطة أقمار صناعية أرضية مقابل الدعم المالي، فيما تستثمر روسيا في قطاع الطاقة الفنزويلي وتزوّد كاراكاس بالدعم العسكري والتكنولوجي.
2. اسقاط نظام نيكولاس مادورو
هناك دافع آخر يمكن أن يوضح اتجاهات التصعيد العسكري الأمريكي والمتمثل في السعي لإسقاط نظام الرئيس نيكولاس مادورو فالرئيس ترامب حاول ذلك بالفعل خلال ولايته الأولى عندما اعترف بخوان غوايدو عام 2019 رئيسًا مؤقتًا لفنزويلا، في محاولة لإشعال حركة احتجاجية واسعة ضد مادورو. كما فرضت واشنطن عقوبات صارمة على قطاع النفط الذي يشكل نحو 90% منعائدات فنزويلا من العملة الصعبة، بهدف حرمان النظام من موارده المالية ودفعه للتفاوض أو الانهيار نتيجة اندلاع احتجاجات داخلية.
ورغم أن هذه العقوبات من شأنها إضعاف الداخل الفنزويلي، فإن النظام لم يسقط، مستندًا إلى الدعم الاقتصادي من كل من الصين وروسيا وإيران إلا أنّ الوضع الحالي بات يُنظر إليه على أنه تحدٍ مفتوح لإسقاط مادورو الذي تعتبره واشنطن “غير شرعي”، متهمة إياه بتزويرالانتخابات الأخيرة وبارتكاب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان وتفشي الفساد، وهو ما تسبب في عزلة دبلوماسية لفنزويلا داخل النصف الغربي من الكرة الأرضية. وعلى الرغم من الحشد العسكري في منطقة البحر الكاريبي، فإن البيت الأبيض مهتم بإرسال الإشارات أكثر من اهتمامه بالإطاحة بنيكولاس مادورو.
وضمن السياق ذاته، يرى ترامب أن إزالة حكم مادورو وترسيخ نظام ديمقراطي موالٍ للولايات المتحدة في منطقة أمريكا اللاتينية سيكون بمثابة إنجاز كبيرفي سجل السياسة الخارجية الأمريكية، مستلهمًا سياسات بعض الرؤساء السابقين الذين أطاحوا بأنظمة مناوئة لواشنطن في المنطقة. فقد أمر الرئيس رونالد ريجان في عام 1983 بـالدخول إلى جرينادا بسبب مخاوف من نية حكومتها بناء مطار يمكن أن يستخدمه الاتحاد السوفيتي السابق، ومنذ ذلك الحين أصبحت جرينادا حليفة للولايات المتحدة. وكذلك أقدم الرئيس جورج بوش الأب في عام 1989 على التدخل عسكريًا في بنما وأطاح برئيسها، وتم نقله إلى السجن في فلوريدا وتشكيل حكومة جديدة موالية لواشنطن.
3. الحصول على مكاسب اقتصادية
لطالما عُرفت فنزويلا بامتلاكها أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم يقدَّر بنحو303 مليار برميل، إضافة إلى احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي، فضلًا عن ثروات معدنية واسعة تشمل الحديد والبوكسيت والذهب والماس والنيكل والفحم والزنك والرصاص والمنجنيز، وهو ما يجعلها مقصدًا للاستثمارات الأمريكية المحتملة، وهو ما يطمح إليه ترامب عبر زيادة الضغط وتشديد الحصار على كاراكاس.
وقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن مادورو عرض على الولايات المتحدة حقوقًا في جزء كبير من هذه الموارد، ومنح الشركات الأمريكية امتيازات خاصة للوصول إلى احتياطيات البلاد الهائلة من الهيدروكربونات والمعادن، وذلك في محاولة لفتح باب التعاون دون اللجوء إلى الخيار العسكري.
4. تحجيم التعاون مع روسيا والصين
تمارس واشنطن سياسة ضغط متعددة الأوجه، تجمع بين العقوبات الاقتصادية، والتصعيد العسكري، والعمليات الاستخباراتية السرّية، في محاولة لإجبار مادورو على التنازل أو إحداث صدع داخل نظامه، إلا أن استمرار الدعم الروسي والصيني لحكومة كاراكاس، يبدو أن ترامب يتجه نحو فتح جبهة جديدة من الصدام والتنافس مع روسيا والصين والتي قد تكون نتائجها غير محسوبة. خاصة أن أحد أهداف واشنطن من وراء التصعيد يتمثل في استعراض القوة الأمريكية في محيطها التقليدي، وإعادة التذكير بأن هذه المنطقة تقع ضمن نطاق النفوذ الأمريكي، ومن ثم فإن هذا التصعيد في أحد جوانبه يتعلق بتوجيه رسالة ردع إلى محور موسكو وبكين وطهران مفادها أن أي محاولة لتوسيع نفوذ هذه القوى في منطقة أمريكا اللاتينية ستواجه برد قوي.
السياقات والتداعيات المحيطة بالتصعيد الأمريكي
تعددت السياقات والمسارات المحتملة لتطور التصعيد الأمريكي ضد فنزويلا والتي تشمل مستويات عديدة على الداخل سواء في فنزويلا أو الولايات المتحدة، أو فيما يتعلق بالأمن الإقليمي أو باتجاهات المواقف الدولية وخاصة تلك الداعمة لفنزويلا، وذلك على النحو الآتي:
1. المواقف والتداعيات الإقليمية والدولية من التصعيد الأمريكي
بعد التصعيد العسكري من جانب الولايات المتحدة، تصاعدت ردود الأفعال الإقليمية والدولية تجاه هذه المستجدات؛ حيث أعلن الاتحاد الأوروبي عن مخاوفه من التصعيد العسكري الأمريكي، وعلى الجانب الآخر، أبدت روسيا والصين معارضتهما لتهديد واشنطن بالتدخل العسكري وأن هذه الممارسات سيؤدي إلى تهديد الاستقرار الإقليمي ويشكل انتهاكًا لقواعد القانون الدولي.
وتجب الإشارة هنا إلى أنه منذ سبتمبر 2025، شنّت واشنطن أكثر من عشرة هجمات استهدفت سفنًا بالقرب من سواحل فنزويلا وأخرى في المحيط الهادي، وهو مما أسفر عن مقتل حوالي 70 شخصًا وقد وصف مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان هذه الهجمات بأنها انتهاكصارخ للقانون الدولي، مشيرًا إلى أنها غير مقبولة حتى لو كانت تستهدف كما يُزعم تجار المخدرات كما وصف وزير الخارجية الفرنسي ما حدث بأنه خرق لقانون الدولي من جهتها، أدانت فنزويلا هذه الهجمات واعتبرتها انتهاكًا لسيادتها.
علاوة على ذلك، فإن التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا لن يؤدي إلا إلى تفاقم التهديد الذي تتصوره دول المنطقة الأخرى من واشنطن، وهو ما قد يحفزها على اللجوء إلى دعم قوى خارجية طلبًا للحماية. وقد طلبت كاراكاس بالفعل الدعم العسكري من روسيا والصين؛ حيث قد تدعم هذه الدول التي تمثل خصوم للولايات المتحدة خاصة أنهما يرتبطان بعلاقات وثيقة مع نظام مادورو، وهو ما يعني تعزيز نفوذهم في فنزويلا وإثارة عدم الاستقرار الإقليمي في المنطقة الخلفية لأمريكا، من ناحية أخرى، ستواجه الدول المجاورة، مثل كولومبيا، خطر زعزعة الاستقرار؛ إذ ستُجبر على التعامل مع تدفق اللاجئين والأسلحة إلى أراضيها. وأخيرًا، سيؤدي عدم الاستقرار في فنزويلا إلى زيادة عدد المهاجرين الفارين إلى أمريكا الشمالية، مما يُقوّض جهود إدارة ترامب للحد من عمليات عبور الحدود غير الشرعية.
2. انتقادات داخلية لترامب
إلى جانب هذه الانتقادات الدولية، تواجه إدارة ترامب انتقادات داخلية واسعة بسبب تغيير أولوياته؛ حيث تعهد ترامب بالتركيز على الداخل الأمريكي والعمل على جعل أمريكا عظيمة مجددًا، مع توجيه انتقادات لرؤساء سابقين بسبب تورطهم في حروب طويلة على مدار عقدين. ومع اتباعه الآن نفس النهج العسكري، تتعرض إدارته لضغوط كبيرة، وهو ما يجعلها مضطرة إلى تقديم مبررات واضحة قبل اتخاذ أي خطوات تصعيدية أو المضي قدمًا في غزو بري محتمل.
من ناحية أخرى، ترى بعض الاتجاهات داخل الولايات المتحدة إن استخدام الجيش الأمريكي لتغيير النظام في فنزويلا ليس له أي عائد إيجابي على الولايات المتحدة، بل هو تناقض صارخ مع كل ما صوّت له أنصار ترامب تحت شعار “أمريكا أولًا”. فهو لن يُحسّن من مشكلة المخدرات في البلاد ولن يزيد من أمن الأمريكيين؛ بل على العكس، سيُحول الموارد اللازمة في أماكن أخرى إلى صراع لا طائل منه، بل سيُقوّض الأمن الأمريكي في المناطق القريبة من حدودها، وأنه لطالما عارض الرئيس ترامب حروب أمريكا الدائمة في العراق وأفغانستان. فإنه سوف يحرص على عدم الانجرار إلى وضع مماثل في نصف الكرة الغربي.
3. جدلية الحسم العسكري الأمريكي
قد تؤدي سياسة الولايات المتحدة في حال ممارسة أقصى درجات التصعيد العسكري إلى مقتل مادورو، أو تنازله عن السلطة ودفعه إلى المنفى، أو إلهام انتفاضة شعبية قادرة على إجباره على التنحي عن السلطة. ومع ذلك، فإن الأدلة التاريخية على أن حملات القصف البحري والجوي وحدها كفيلة بتسريع تغيير النظام ضئيلة. ومن المرجح أن يتطلب الأمر تدخلًا عسكريًا بريًا لتحقيق هذه النتيجة، الأمر الذي قد يتطلب 50 ألف جندي أو أكثر، نظرًا لحجم فنزويلا وتنوعها الديموغرافي. وبينما يوحي خطاب ترامب برغبته في إزاحة مادورو من السلطة، لا أنه لا يوجد ما يشير إلى أن الرئيس ترامب الذي انتقد مرارًا غزو أمريكا واحتلالها الممتد للعراق، حريص على الموافقة على مثل هذه الحملة.
وضمن السياق ذاته، من المرجح أن تؤدي تداعيات الإطاحة المسلحة بمادورو إلى تدفق المزيد من اللاجئين إلى الولايات المتحدة. في الوقت نفسه، تُشدد الإدارة الأمريكية قبضتها على الهجرة. ونتيجةً لذلك، سيُقوّض ترامب أولويته المحلية الأساسية، وهي أمن الحدود ومراقبة الهجرة، مقابل حرب تغيير النظام غير الضرورية التي عارضها مرارًا وتكرارًا في حملته الانتخابية، ومن ثم فإن الانقسامات الداخلية في الولايات المتحدة الناتجة عن مداهمات دائرة الهجرة والجمارك في جميع أنحاء البلاد تجعل احتمال نشوء أزمة لاجئين إضافية أمرًا مُقلقًا لاستقرار المجتمع الأمريكي. كما لن يقتصر هذا السيناريو على امتداد العنف واللاجئين إلى الدول المجاورة لفنزويلا، بل قد يزيد الضغط على ترامب لإرسال قوات أمريكية لاستقرار الوضع. وهناك أيضًا خطرٌ لا يُستهان به من عنفٍ انتقامي يستهدف المواطنين الأمريكيين في دول أمريكا اللاتينية أو حتى داخل الولايات المتحدة.
4. السياق الداخلي الفنزويلي
صعدت حكومة مادورو من خطابها السياسي في مواجهة التحركات العسكرية الأمريكية؛ حيث اعتبر مادورو أن واشنطن تستخدم تهريب المخدرات ذريعة لتغيير النظام والاستيلاء على النفط الفنزويلي، كما عزز من سردية مواجهة الاستعمار لحشد الرأي العام الداخلي ضد الاحتمالات المتعلقة بالتدخل العسكري، وفي ضوء ذلك برزت مجموعة من الاتجاهات حول تطور المواجهة بين الجانبين على المستوى الداخلي، ففي حال شهدت فنزويلا صراع داخلي نتيجةً لجهود تغيير النظام الأمريكية، فمن المرجح أن يتبع ذلك زعزعة استقرار إقليمية. وستكون عصابات المخدرات، التي يُفترض أنها الدافع وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا، على استعداد لاستغلال الفوضى وتوسيع وجودها وعملياتها، وقد تصبح فنزويلا المثقلة بالصراعات بسهولة وجهةً لمسلحين آخرين في المنطقة، وخاصةً أولئك الذين يحملون توجهات معادية للولايات المتحدة.
من جانب آخر، تأمل ادارة ترامب في أن تتمكن أحدى شخصيات المعارضة الفنزويلية من ملء الفراغ في السلطة لكن سيكون هذا الأمر مشروط بمدى الدعم الذي سيقدمه ترامب؛ حيث يتوقع بعض الخبراء أنه لن ينجح أحد أعضاء المعارضة من البقاء سواء علي المدى الطويل أو القصير بدون الدعم الأمريكي المتواصل وهو ما سيتطلب وجود قوات أمريكية داخل فنزويلا في ضوء إمكانية مواجهة المعارضة أعمال عدائية من الجيش أو الجماعات شبه العسكرية الموالية للحكومة المعروفة باسم “كوليكتيفوس” وجيش التحرير الوطني.
وضمن السياق ذاته، قد تُهدد جهود تغيير النظام في فنزويلا استقرار البلاد. فحتى لو دعم بعض الجنرالات الفنزويليين بعض الشخصيات أو التيارات المعارضة، فإن الموالين لمادورو يمتلكون الأسلحة والقوى البشرية اللازمة لشن حرب عصابات فعالة انطلاقًا من غابات فنزويلا الكثيفة وسلاسلها الجبلية. كما أنه من غير الواضح مدى استعداد المعارضة الفنزويلية لملء فراغ القيادة في أعقاب رحيل مادورو. وبينما يُعتبر جونزاليس ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة مؤخرًا على جائزة نوبل، مرشحة لخلافة مادورو، فمن المحتمل أيضًا أن يبرز أحد الموالين له كخليفة له ويواصل سياسات مادورو، أو أن يستولي الجيش على السلطة ويستمر النظام المناهض لواشنطن.
من ناحية أخرى، يتمتع نظام مادورو بقدرة كبيرة على الصمود نظرًا لولاء الجيش له، وهو ما ساهم في خفض احتمالية تخلي الجيش عنه ودعم انقلاب مدعوم من الولايات المتحدة. ويمكن القول إنه في عام 2019، فشل زعيم المعارضة الفنزويلية خوان غوايدو (الذي اعترفت به إدارة ترامب الأولى رئيسًا مؤقتًا شرعيًا للبلاد) في حشد أي دعم ملموس من الجيش الفنزويلي لجهوده الرامية إلى عزل مادورو.
في الختام: يبدو أن الولايات المتحدة تقف أمام مفترق طرق حاسم في تعاملها مع فنزويلا، بين خيار الضغط المتدرج الذي قد يدفع مادورو إلى تقديم تنازلات، وخيار المواجهة المباشرة الذي يحمل مخاطر انفجار الوضع الداخلي ودخول المنطقة في حالة عدم استقرار. ورغم أن إدارة ترامب تُظهر ثقة في قدرتها على فرض معادلة جديدة في أمريكا اللاتينية، فإن المعطيات على الأرض توحي بأن أي تحرك عسكري سيأتي بتداعيات معقدة تتجاوز حدود فنزويلا. وفي ظل هذه الحسابات الدقيقة، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت واشنطن ستكتفي بالضغط السياسي والاقتصادي، أم أنها ستتخذ خطوة أكثر جرأة قد تعيد رسم ملامح النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي.

