نشوى عبد النبي
رئيس وحدة دراسات اللوجستيات والطاقة بمركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
يُعدّ انتقال الطاقة في إفريقيا مسارًا فريدًا ومعقدًا، ويتأثر بعوامل متعددة من أبرزها الوجود الواسع لما يُعرف بـ”أنظمة الطاقة الزومبي”. وهي أنظمة طاقة قديمة، غير فعالة، وذات تأثيرات بيئية ضارة، لا تزال قائمة رغم تقادمها وافتقارها للجدوى، مثل شبكات الكهرباء القديمة وسوء إدارتها، أو الأجهزة الكهربائية البالية؛ حيث تُعيق هذه الأنظمة انتقال الطاقة إلى الأنظمة المستدامة للطاقة في إفريقيا، ومع ذلك، تحظى باهتمام محدود في الساحة الدولية المعنية بتطوير الطاقة. تنبع هذه الأنظمة من إرث استعماري، ومن قيود اقتصادية ونقائص في السياسات، وهو ما أدى إلى استمرار الفجوة بين عرض الطاقة وأهداف التنمية، كما أسهم في انتشار فقر الطاقة والحد من النمو الاقتصادي. ورغم ذلك، فإنها لا تحظى باهتمام كافٍ في الساحة الدولية لتطوير قطاع الطاقة.
وفي هذا السياق، تبرز “أنظمة الطاقة الزومبي” كعائق حاسم أمام انتقال الطاقة في إفريقيا، كما أن معالجتها لا تقتصر على مجرد استبدال البنية التحتية، بل تتطلب مقاربة شاملة تتضمن إخراج الأصول القديمة من الخدمة، وتحديث الشبكات، وتعزيز كفاءة الطاقة، وتحسين البيئة التنظيمية، وتنمية الكفاءات المحلية في مجال أنظمة الطاقة الحديثة، وامتدادًا لذلك، برزت اتجاهات نحو تنفيذ إعادة تقييم شاملة لسياسات الطاقة واستراتيجيات الاستثمار في إفريقيا، مع التأكيد على أهمية الموازنة بين تطوير أنظمة طاقة جديدة والحاجة الماسة إلى تحسين الأنظمة الحالية غير الفعالة باعتبار إن تجاهل تحسين أنظمة الطاقة القائمة قد يُقوّض فعالية انتقال الطاقة في القارة مع العمل على تطبيق حلول مخصصة قادرة على تخصيص نماذج لمعالجة التحديات التي تواجهها كل دولة إفريقية على حدة.
أولًا: اتجاهات التحول في أنظمة الطاقة الزومبي
تمثل أنظمة الطاقة الزومبي في إفريقيا إحدى العقبات الجوهرية التي تعيق الانتقال العادل والمستدام لأنظمة الطاقة الحديثة. وهذه الأنظمة التي ورثتها بعض دول القارة من الحقبة الاستعمارية أو نجمت عن تخطيط وتنفيذ غير فعّال والتي تشكل عبئًا مزدوجًا؛ فهي ليست فقط غير قادرة على تلبية الطلب المتزايد على الطاقة، بل إنها تستنزف أيضًا الموارد المالية والبشرية والبيئية دون تحقيق عوائد ملموسة أو تقوم بتعزيز جودة الحياة، كما أن استمرار هذه الأنظمة القديمة في العمل تتسبب في تتكبد الدول الإفريقية خسائر كبيرة تتعلق بالكفاءة والموثوقية، وهو ما يُعيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويُطيل أمد فقر الطاقة، ويحد من إمكانات تنمية مصادر الطاقة المتجددة والحديثة.
ويُعد انتقال الطاقة في إفريقيا حالة فريدة ومعقدة، ومن بين أبرز العوامل التي تزيد من تعقيدها هو الوجود الواسع لما يُعرف بـ”أنظمة الطاقة الزومبي (Zombie Energy Systems – ZES) ، وهي أنظمة طاقة قديمة، غير فعالة، وذات تأثير بيئي ضار، لا تزال قائمة رغم أنها أصبحت بالية (مثل شبكات الكهرباء المتقادمة وسوء إدارتها، والأجهزة الكهربائية المنتهية الصلاحية باعتبار أن هذه الأنظمة تشكّل عائقًا كبيرًا أمام عملية انتقال الطاقة في إفريقيا.
وفي إطار معالجة هذه القضايا، فإن نجاح تحول الطاقة في إفريقيا يرتبط بشكل مباشر بقدرة القارة على معالجة المشكلات العميقة والمتراكمة في قطاع الكهرباء على سبيل المثال الذي يعاني من بنية تحتية متهالكة وأنظمة تشغيل تقليدية لم تعد تلبي متطلبات التنمية أو عمليات الاستدامة، كما تتطلب هذه العملية مجموعة من الإجراءات لتنفيذ هذا التحول من خلال تقييم شامل لنظام الطاقة الحالي، لتحديد وضع كل مكون من مكوناته، وخاصة ما يُعرف بـ”أنظمة الطاقة الزومبي”.
ثانيًا: أسباب انتشار أنظمة الطاقة الزومبي في إفريقيا
يمكن تتبع انتشار أنظمة الطاقة الزومبي في إفريقيا إلى مجموعة من العوامل التاريخية، وثقافة الصيانة الضعيفة، والقيود الاقتصادية، وضعف الأُطر السياسية، وذلك على النحو الآتي:
1. الإرث الاستعماري داخل الدول الإفريقية: ترك الإرث الاستعماري الغربي العديد من الدول الإفريقية مع بنية تحتية للطاقة موجهة نحو استخراج الموارد بدلًا من التنمية المحلية، وقد أنشأت بعض القوى الاستعمارية بنية تحتية للطاقة لدعم هذه العمليات وخاصة التعدين، مثل مناجم الفحم في جنوب إفريقيا أو استخراج المعادن في دول مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية التي يتم استخدام مواردها لتشغيل الآلات وأنظمة النقل الخاصة باستخراج الموارد وتصديرها إلى دول الاستعمار. ومن ثم لم تُصمم هذه البنى التحتية الاستعمارية بهدف توليد الكهرباء أو تنمية أوسع لتلك الدول الإفريقية.
ومع ذلك، لا تزال بعض هذه الدول تعتمد على هذه البنى التحتية في جهود التوسع في توليد الكهرباء دون وجود تخطيط متناسب، وهو ما يُبرز ويُكرس اختلال الأولويات. وقد ساهم هذا الاختلال فيما يتعلق بتراجع صيانة البنية التحتية لمنشآت الطاقة من حقبة الاستعمار في استمرار وجود أنظمة الطاقة الزومبي في إفريقيا.
وبعد نيل الاستقلال، ورثت بعضًا من الدول الإفريقية مثل زامبيا وزيمبابوي مجموعة من المشروعات الكهرومائية مثل السدود، لكنهما غالبًا ما واجها صعوبات في صيانته بسبب نقص الموارد، وقلة الخبرات الفنية، وتقادم التكنولوجيا، وضعف الإرادة السياسية. ونتيجة لذلك، تدهورت هذه الموارد مع مرور الوقت وأصبحت غير فعالة أو غير عملية، وهو ما أدى إلى خسائر اقتصادية جراء انقطاعات التيار الكهربائي على مستوى البلاد.
2. ضعف التخطيط والتنفيذ للعديد من مشاريع الطاقة في إفريقيا: إلى جانب قضايا الإرث الاستعماري، تعاني العديد من مشاريع الطاقة في إفريقيا من ضعف التخطيط والتنفيذ. ومثال نموذجي على أنظمة الطاقة الزومبي في إفريقيا الناجمة عن التخطيط والتنفيذ غير الكافيين هو نظام توليد ونقل الكهرباء في نيجيريا. فبالرغم من وجود قدرة توليد كهربائي مثبتة تقدر بحوالي 16 جيجاوات، فإن نظام النقل في نيجيريا يستطيع نقل حوالي 7.5 جيجاوات فقط بشكل فعال، كما تعكس الفجوة بين القدرة على التوليد والقدرة على النقل فشلًا في التخطيط والتنفيذ، وهو ما يؤدي إلى استخدام غير فعّال للموارد والبنية التحتية.
3. نقص الصيانة وتدابير الاستدامة لمشروعات الطاقة: يشير هذا العنصر إلى أنه عندما يتم تشييد مشاريع الطاقة بنجاح، فإن نقص أو غياب الصيانة وتدابير الاستدامة يحولها إلى مشاريع زومبي، وهو ما يؤدي إلى تراجع الكفاءة والموثوقية. فقد بُنيت العديد من شبكات نقل وتوزيع الكهرباء في إفريقيا منذ عدة عقود ولم تخضع لجهود إصلاح أو تحديث كبيرة. علاوة على ذلك، تم بناء بعضها باستخدام مكونات قديمة ومتقادمة لتقليل التكلفة. وهذه البنية التحتية المتقادمة تكون عرضة للأعطال، وعدم الكفاءة، ومشكلات في الموثوقية بما يسهم في انقطاعات متكررة للكهرباء وتعطيل مختلف الخدمات المقدمة.
ثالثًا: تحديات تحول الطاقة ونماذج الطاقة الزومبي في إفريقيا
هناك مجموعة من الأمثلة على التحديات التي تعيق تحول الطاقة في إفريقيا مثل البُنى التحتية القديمة والمتهالكة التي لا تزال تُستخدم رغم افتقارها لمعايير الكفاءة والاستدامة، بل وتُعدّ عبئًا بيئيًا واقتصاديًا على المدى القريب والبعيد.
1. محطات الكهرباء المعتمدة على الوقود الأحفوري: مثل الفحم، التي تُصدر كميات كبيرة من الانبعاثات الكربونية وتُعد من أقدم مصادر توليد الطاقة وأكثرها تلويثًا للبيئة.
2. السدود القديمة لتوليد الطاقة الكهرومائية: تعاني هذه القطاعات من ضعف الصيانة وتراجع القدرة التشغيلية، وهو ما يقلل كفاءتها ويزيد من مخاطرها البيئية.
3. شبكات الكهرباء وخطوط النقل المتقادمة: تفقد جزءً كبيرًا من الطاقة خلال النقل بسبب التهالك، كما أدت إلى ضعف التوزيع وارتفاع الفاقد.
4. الأجهزة المنزلية المستعملة والمستوردة من الدول الأخرى: لا تستهلك هذه الأجهزة الطاقة بكفاءة، وهو ما يؤدي إلى تحميل الشبكة الكهربائية فوق طاقتها التشغيلية ويزيد من الاستهلاك غير الضروري للطاقة.
ووفق هذه العوامل المؤثرة، فإن استمرار استخدام هذه المرافق بالوضع الحالي يُعد هدرًا للموارد من جهة، ومصدرًا مباشرًا للتلوث وتأخير تحقيق الأهداف المناخية من جهة أخرى، بالإضافة إلى أنها تعرقل الانتقال إلى أنظمة طاقة أكثر كفاءة ونظافة، كما تجعل من عملية التحول عبئًا ماليًا وبيئيًا إضافيًا على الدول الإفريقية. بجانب ذلك، تُظهر هذه الأمثلة وجود فجوة واضحة بين محاولات تلبية الطلب المتزايد على الطاقة، والالتزام بتحقيق الأهداف البيئية، وهذه الفجوة تتعمق في ظل ضعف القدرات المحلية على مستوى التخطيط، والتنفيذ، وإدارة الموارد، وهو ما يتطلب دعمًا مؤسسيًا وفنيًا كبيرًا، إلى جانب إعادة صياغة الأولويات على مستوى صنع السياسات البيئية. وامتدادًا لذلك، يمكن الحديث عن مشروعات كهرباء إفريقية تجسد ما يعرف بأنظمة “الزومبي” وذلك على النحو الآتي:
1. سد كاريبا
يُعد سد كاريبا واحدًا من أبرز مشروعات الطاقة الكهرومائية المشتركة في إفريقيا؛ حيث يقع على نهر زامبيزي ويُستخدم لتوليد الكهرباء لصالح كل من زامبيا وزيمبابوي، وقد ساهم المشروع لعقود في دعم شبكتي الكهرباء في البلدين، وهو ما جعله حجر زاوية في تأمين الطاقة للمنطقة. ومع ذلك، فإن اعتماد السد على تقنيات قديمة وعدم تطوير بنيته التحتية بشكل كافٍ جعله يواجه تحديات متكررة على الصعيدين الفني والبيئي.
وخلال السنوات الأخيرة، تراجعت فاعلية سد كاريبا بشكل ملحوظ، نتيجة أعطال فنية مستمرة وحاجة متزايدة للصيانة، فضلًا عن فشله في مواجهة موجات الجفاف التي ضربت المنطقة، وهو ما قلّل من مستويات المياه الضرورية لتوليد الطاقة. وقد سلط هذا التدهور الضوء على خطورة الاعتماد على بنية تحتية قديمة وحساسة للتغيرات المناخية، وهو ما أكده موقع “إي إس آي أفريكا”، مشيرًا إلى ضرورة التحول نحو حلول أكثر استدامة ومرونة في قطاع الطاقة الكهرومائية في إفريقيا.
2. شبكة الكهرباء النيجيرية
تُعد شبكة الكهرباء النيجيرية مثالًا بارزًا على تحديات البنية التحتية وسوء التخطيط في قطاع الطاقة، فعلى الرغم من امتلاك نيجيريا القدرة على توليد كهربائية تصل إلى16 جيجا واط، إلا أن قدرة خطوط النقل لا تتجاوز 7.5 جيجاواط،، وهذا الخلل بين عمليات التوليد والنقل يُظهر ضعف التنسيق بين مختلف مكونات المنظومة الكهربائية، ويُفضي إلى إهدار جزء كبير من الطاقة المنتجة، نظرًا لعجز الشبكة عن توصيلها إلى المستهلكين بكفاءة. ونتيجة لهذا الخلل، أصبحت الشبكة غير قادرة على استيعاب الإمدادات، وهو ما أدى إلى تكرار حالات الانهيار الكامل أو الجزئي للخدمات؛ حيث سجلت نيجيريا222 حالة انهيار للشبكة بين يناير 2010 ويونيو 2022. وتعكس هذه الأرقام واقعًا مقلقًا يُضعف الاقتصاد النيجيري، كما يقوّض الثقة في قدرة الدولة على توفير خدمات طاقة مستقرة. كما يُبرز الحاجة العاجلة لإصلاح شامل، لا يقتصر على زيادة عمليات التوليد، بل يشمل عمليات تعزيز وتحديث البنية التحتية للنقل والتوزيع، وتحسين الحوكمة والإدارة في القطاع الكهربائي.
3. محطات الفحم في جنوب إفريقيا
تواجه محطات توليد الكهرباء بالفحم في جنوب إفريقيا أزمة حادة نتيجة غياب الصيانة المنتظمة وتدهور البنية التحتية، وهو ما أدى إلى تصاعد حدة الانقطاعات الكهربائية وتفاقم أزمة تخفيف الأحمال. وفي عام 2023 وحده، شهدت البلاد انقطاعات يومية تراوحت بين ساعتين و12 ساعة، وهو ما أثّر سلبًا في نمو الاقتصاد، وتسبب في تعطيل الحياة اليومية والصناعات الحيوية. وتعكس هذه الانقطاعات ضعفًا بنيويًا في نظام الكهرباء القائم على الفحم، الذي يمثل العمود الفقري للطاقة في البلاد.
وقد أظهرت البيانات تراجعًا واضحًا في كفاءة مرفق الكهرباء الحكومي “إسكوم”؛ حيث انخفضت نسبة توفر الكهرباء من 75% في عام 2014 إلى 58% في عام 2023، ويعود ذلك إلى أن حوالي 85% من محطات الفحم في جنوب إفريقيا أصبحت قديمة ومتهالكة، وتعمل بكفاءة تشغيلية منخفضة، وهو ما يجعلها غير قادرة على تلبية الطلب المتزايد أو مواكبة التحولات العالمية نحو مصادر الطاقة النظيفة، كما أن استمرار الاعتماد على هذه المحطات دون تجديد أو بدائل مستدامة يُهدد أمن الطاقة ويؤكد ضرورة التحول السريع إلى مزيج من تعزيز بنية الطاقة القائمة على المرونة والكفاءة.
رابعًا: توصيات إنقاذ أنظمة الكهرباء الإفريقية
يمثل دعم مسيرة تحول الطاقة في إفريقيا من خلال معالجة أنظمة الكهرباء المتهالكة خطوة استراتيجية تساهم في تحقيق أهداف بيئية واقتصادية في آنٍ واحد. فالتعامل الجاد مع البنية التحتية المتقادمة لا يسهم فقط في تحسين كفاءة الخدمة وتوسيع التغطية، بل يؤدي أيضًا إلى توفير كبير في الاستثمارات المستقبلية، وتقليص ملحوظ في الانبعاثات الكربونية، وتُظهر التجارب أن تجاهل هذه الأنظمة القديمة يزيد من الهدر ويُبطئ وتيرة التحول نحو الطاقة النظيفة.
وفي ضوء ذلك، ثمة مجموعة من الملاحظات والإجراءات التي يمكن أن تقدم اتجاهات لإنقاذ أنظمة الكهرباء في إفريقيا، تقوم على معالجة جذور المشكلات البنيوية والمؤسسية، إلى جانب تعزيز التحول نحو الطاقة النظيفة، وذلك على النحو الآتي:
1. إصلاح الإطار التنظيمي وزيادة فعالية الرقابة: لضمان وجود محاسبة شفافة وكفاءة في تشغيل أنظمة الكهرباء. ويشمل ذلك إرساء قواعد واضحة تحكم أداء شركات الطاقة، وتمنع الفساد وسوء الإدارة، وتضمن استدامة الخدمة وجودتها للمواطنين.
2. تعزيز مبادرات كفاءة الطاقة والتطوير الصناعي: عبر استخدام تقنيات تقلل من هدر الإمدادات وتُحسّن من استهلاك الطاقة، بما يسهم في تخفيف الضغط على الشبكات الحالية.
3. توفير التمويل اللازم لتطوير وتحديث الشبكات الكهربائية: من خلال استخدام وسائل مبتكرة مثل السندات الخضراء، والشراكات بين القطاعين العام والخاص بما يتيح جذب الاستثمارات وتسريع إدماج مصادر الطاقة المتجددة في منظومة الكهرباء الإفريقية. وقد قدّمت غانا نموذجًا ناجحًا في هذا السياق؛ حيث قامت بتقسيم الأجهزة الكهربائية حسب كفاءتها واستهلاكها للطاقة، وهو ما ساعد على تجنّب خسائر تُقدّر بنحو 105 ملايين دولار نتيجة الضغط على شبكة الكهرباء، كما وفّرت أكثر من 120 ميغاواط من الطاقة، وساهمت في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 110 آلاف طن سنويًا، كما أوضحت خطة الإنقاذ المقترحة ضرورة تحقيق التوازن بين تحديث البنية التحتية وتحقيق أهداف التنمية، إلى جانب تبني حلول لامركزية مثل الشبكات الصغيرة التي تُستخدم في توصيل الكهرباء إلى المناطق الريفية (كما في كينيا)، فضلًا عن نشر الأجهزة الموفرة للطاقة كجزء من استراتيجية شاملة للتحول نحو الاستخدام العادل والمستدام للطاقة في القارة.
وفي ضوء ذلك، لا تكمن الإشكالية الأساسية في مجرد وجود بنية تحتية قديمة أو متدهورة، بل في غياب الاستراتيجيات الشاملة التي تعالج هذه المشكلة من جذورها. فالأنظمة الزومبي ليست مشكلة تقنية بحتة، بل هي انعكاس لقصور في صنع السياسات، وضعف الاستثمار في الصيانة والتحديث، ونقص في الكفاءات الفنية، إضافة إلى التعقيدات السياسية والاقتصادية التي تعرقل اتخاذ قرارات جريئة وحاسمة. كما أن التحديات التي تواجهها هذه الأنظمة تختلف من بلد إلى آخر، وهو ما يستدعي حلولًا مخصصة تراعي الخصوصيات الوطنية والإقليمية.
وعليه، فإن مواجهة تحديات أنظمة الطاقة الزومبي تتطلب تبني رؤية شاملة ومتعددة الأبعاد، تشمل إصلاح الأطر التنظيمية، وتعزيز حوكمة الطاقة، وضخ استثمارات نوعية في تحديث شبكات النقل والتوزيع، فضلًا عن تطوير الكفاءات الفنية الوطنية وتبني تقنيات متقدمة تتسم بالمرونة والكفاءة. كذلك يجب العمل على دمج مصادر الطاقة المتجددة بشكل فعّال في الشبكات القائمة، مع مراعاة الجوانب الاجتماعية لضمان انتقال عادل للطاقة يشمل جميع فئات المجتمع دون إقصاء.
في الختام: يمكن القول إن التقدم الحقيقي نحو انتقال الطاقة بصورة ناجحة ومستدامة في إفريقيا لا يمكن تحقيقه دون تصفية هذا الإرث من أنظمة الطاقة الزومبي الذي يعيق تطور دول القارة، كما أن العمل على الاستثمار في تحديث وإصلاح أنظمة الطاقة القائمة يمثل خطوة استراتيجية حيوية، ليس فقط لتأمين الطاقة بصورة مستدامة وفعّالة، بل أيضًا لتوفير بيئة مناسبة تمكن من الاستفادة القصوى من الفرص الاقتصادية والاجتماعية التي يتيحها العصر الحديث للطاقة النظيفة والمتجددة. لذلك، فإن توجيه الاهتمام والموارد نحو إعادة تقييم وإحياء هذه الأنظمة القديمة يجب أن يكون أولوية في سياسات الطاقة الإفريقية المستقبلية ضمانًا لمستقبل أكثر إشراقًا للقارة وشعوبها.

