محمد حسن النبوي
باحث في الشئون الإيرانية
تصاعدت في الأيام الأخيرة وتيرة الانتفاضة الشعبية في إيران مع ازدياد حدة الاحتجاجات الناجمة عن تفاقم الفوضى الاقتصادية. وقد أسفرت هذه الاضطرابات عن مقتل ما لا يقل عن 20 شخصًا واعتقال نحو ألف آخرين، إلا أن جذور الاحتجاجات تكمن في الضغوط الاقتصادية، بينما تتجاوز المظالم الشعبية هذا النطاق، معبرة عن مواجهة أعمق مع النظام السياسي للجمهورية الإسلامية نفسه. وعلى عكس موجات الاحتجاج السابقة، تتطور هذه الاضطرابات في ظل انهيار ركائز إيران الأساسية والمتمثلة في قدرتها الاقتصادية، وقوتها الأمنية الداخلية، وردعها الخارجي في آن واحد، وهو ما يخلق أزمة بنيوية لم يسبق للنظام أن واجهها، وقد لا ينجو منها، فعلى الرغم من غياب التنظيم والرؤية المستقبلية للتعامل مع هذه الأحداث، إلا إن الاحتجاجات التي تشهدها إيران تشير إلى أن الوقت ينفد أمام الجمهورية الإسلامية.
الأهم من ذلك، أن إخفاقات النظام تتجلى بوضوح في أزمة المياه المتفاقمة والتي تحولت من مشكلة بيئية إلى صدع سياسي. فالدولة التي يزيد عدد سكانها عن 90 مليون نسمة وتواجه أسوأ موجة جفاف منذ أكثر من نصف قرن، مع انهيار مخزون المياه الجوفية، وجفاف الأنهار، وانتشار تقنين المياه في المدن والمحافظات. وبدلاً من معالجة عقود من بناء السدود المتهور والسياسات الزراعية غير المستدامة، لجأ النظام بشكل متزايد إلى إلقاء اللوم على جهات خارجية. فقد اتهم مسئولون إيرانيون ووسائل إعلام موالية للدولة دولًا مجاورة مثل تركيا والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بتحويل مسار السحب الماطرة، وزعموا مؤخرًا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتلاعبان بالطقس.
علاوة على ذلك، تُساهم أزمة المياه في إيران بشكل مباشر في انقطاعات التيار الكهربائي التي تُفاقم الاضطرابات؛ حيث يعتمد توليد الطاقة في إيران بشكل كبير على بنية تحتية كثيفة الاستهلاك للمياه، وهو ما يجعل الشبكة عرضة للخطر مع انخفاض منسوب المياه في الخزانات. كما تُؤدي الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي إلى تعطيل الحياة اليومية، وتحويل فشل البنية التحتية إلى تصاعد الغضب السياسي، وإلى جانب نقص المياه، يُسرّع ذلك من وتيرة الاضطرابات الشعبية.
عوامل متداخلة
تُعد الإخفاقات في توفير في الموارد أعراضًا لقيود أعمق؛ حيث لا تكمن في مستوى كفاءة البنية التحتية، بل في مستوى التمويل وقدرات الدولة. وفي الواقع، فرضت إدارتا ترامب الأولى والثانية عقوبات غير مسبوقة من حيث النطاق والشدة. ففي ظل حملة “الضغط الأقصى” الأولى أدى تصنيف البنك المركزي الإيراني على أنه ممول للإرهاب إلى عزل البلاد عن النظام المالي العالمي. كما أجبر هذا الإجراء طهران على الاعتماد على هيكل مالي بديل يتمحور حول الاستعانة بعض الدول، وهو نظام تعمل إدارة ترامب خلال هذه المرحلة على تضييقه بشكل فعال من خلال توسيع نطاق العقوبات.
ومن ثم، يواجه النظام المالي الخفي للجمهورية الإسلامية والقائم على مبيعات النفط والتجارة الأساسية صعوبات في تنفيذ هذه الأعمال، كما إن الاستمرار في الاعتماد على هذا النظام يزيد من المخاطر على الاقتصاد، فمن خلال العمل عبر وسطاء غير معلنين، يُهدر النظام قيمة الموارد ويُسرع من هروب رؤوس الأموال. والأهم من ذلك، أنه يعزل البنك المركزي عن الوصول الموثوق إلى العملات الأجنبية، وهو ما يجعله عاجزًا هيكليًا عن تثبيت الريال أو كبح وإيقاف التضخم. من ناحية أخرى، تُفاقم العقوبات الأمريكية، هذا الوضع وتعمل على حصر إيران في قنوات غير رسمية تُعطي الأولوية لبقاء النظام على حساب استقرار الاقتصاد الكلي، وبما يسمح بإعادة توجيه الموارد نحو قوات الأمن خلال فترات الاضطرابات، بينما تنهار السياسة النقدية لتصبح رمزية، غير قادرة على استيعاب الصدمات أو استعادة الثقة.
وقد أدت العقوبات الأمريكية إلى تقييد قاعدة صادرات النفط الإيرانية، وهو ما قلص بصورة كبيرة عدد المشترين المحتملين، كما إن استحواذ الصين على ما يُقدر بنحو 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية، يضع طهران في وضع شبه اعتماد كامل عليها، وقد يسمح هذا التفاوت لبكين بفرض شروطها، والحصول على خصومات كبيرة، وتأخير المدفوعات، واللجوء في كثير من الأحيان إلى المقايضة بدلًا من الدفع النقدي، ولأن عائدات النفط لا تزال تُشكل ركيزة اقتصاد الدولة الإيرانية، فإن أي تقلبات في أسعار النفط أو سلوك المشترين تُقوّض بشكل مباشر القدرة المالية للنظام. كما إن الانخفاض المستمر في أسعار النفط العالمية، بما في ذلك سيناريوهات عودة فنزويلا إلى المشاركة في أسواق النفط العالمية، وهو ما سيُترجم إلى صدمة مالية كبيرة للنظام الإيراني.
وفي ضوء ذلك، أدت هذه القيود مجتمعة إلى تحول الاقتصاد الإيراني إلى هيكل مشوه؛ فالميزانية الوطنية الإيرانية منقسمة بين مخصصات مقومة بالريال الإيراني ومخصصات أخرى مقومة بسعر النفط الخام. ولأن إيران لا تستطيع بيع نفطها عبر القنوات المالية التقليدية، فإنها تستخدم النفط بشكل متزايد كبديل للنقد، لا سيما لتمويل القطاع الأمني. فعلى سبيل المثال، تتلقى وزارة الدفاع شحنات من النفط والريال، والتي يتعين عليها بيعها بشكل منفصل لتمويل الأسلحة والعمليات ودعم الوكلاء، وبالتالي يدفع هذا النظام النفط الإيراني نحو مجموعة صغيرة من المشترين مثل الصين ويجبر مؤسسات الدولة على التنافس لبيع النفط الخام، وهو ما يؤدي إلى انخفاض الأسعار من خلال الخصومات بصورة تخفض من الإيرادات الوطنية.
في الوقت نفسه، أجبر نقص العملات الأجنبية النظام على فرض قيود مشددة على الريال؛ حيث يبلغ سعر الصرف الرسمي في إيران حاليًا حوالي 42 ألف ريال للدولار، إلى جانب سعر صرف في السوق الموازية أعلى بكثير. وقد اندلعت الاحتجاجات الأخيرة عندما اقترب سعر الصرف في السوق الموازية من 1.45 مليون ريال للدولار.
المحددات الاقتصادية
امتدادًا لما سبق، فإن الفجوة بين اتجاهات بيع النفط واختلاف سعر الصرف ساهم في تشوه الحياة الاقتصادية اليومية بثلاث طرق مترابطة، على النحو الآتي:
أولًا: بلغ التضخم مستويات حرجة؛ حيث تشير البيانات الرسمية إلى معدل 42.2% في ديسمبر 2025، بزيادة قدرها 1.8% عن نوفمبر، في حين ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 72%، وزادت أسعار السلع الصحية والطبية بنسبة 50% على أساس سنوي. إلى جانب أزمة المياه التي لم تُدار بشكل جيد، ومن ثم تُؤدي هذه الضغوط إلى ارتفاع تكلفة الضروريات الأساسية.
ثانيًا: يؤدي تآكل المعاشات التقاعدية والمدخرات إلى إجبار الأسر على التخلي عن التخطيط طويل الأجل والتحول إلى وضع البقاء على قيد الحياة، وهو ما يسرع من هروب الأموال من الريال إلى الأصول المادية.
ثالثًا: يؤدي فقدان الثقة في العملة إلى تقويض قدرة الجمهورية الإسلامية على الحكم بشكل مباشر. فعندما لا يعود الريال يعمل كمخزن للقيمة، تفقد الضرائب والميزانية وضوابط الأسعار مصداقيتها.
لهذه الأسباب، أصبحت الإجراءات المالية الروتينية تثير ردود فعل غاضبة. فقد أشعلت التقارير التي تفيد بأن الحكومة تعتزم رفع الضرائب ابتداءً من 21 مارس 2026 غضبًا شعبيًا عارمًا، ليس فقط لأن الضرائب غير شعبية، بل لأن الزيادة المتوقعة تبلغ 63%، ومن المفهوم على نطاق واسع أنها ستُمول مخصصات متزايدة للمؤسسات العسكرية والأمنية والدينية، بما في ذلك زيادة سنوية في ميزانية الحرس الثوري الإسلامي بنسبة 24%. وفي ظل انهيار العملة وتآكل القوة الشرائية، فقد الجمهور ثقته في قدرة الدولة على إدارة الإيرادات بكفاءة أو توزيعها بشكل عادل.
كما إن هيكل الإنفاق الحكومي يعزز هذا التصور. فالدعم وإعادة التوزيع لا يعملان كحماية اجتماعية بقدر ما هما أداتان للإدارة السياسية. ويُعد دعم الوقود مثالًا واضحًا على هذه المشكلة؛ إذ تشجع الأسعار المنخفضة بشكل مصطنع على الهدر، وتفاقم التلوث، ودعم شبكات التهريب الواسعة، بينما تستنزف في الوقت نفسه المالية العامة. وتوجد ترتيبات مماثلة في قطاعات متعددة، تُفيد الوسطاء والجهات الفاعلة ذات النفوذ السياسي بدلًا من الشعب. وفي الوقت نفسه، لا تزال أجزاء كبيرة من الاقتصاد تحت سيطرة الحرس الثوري والمؤسسات المرتبطة بالمرشد الأعلى؛ حيث تفوق الولاءات والنفوذ الكفاءة، وهو ما يزيد من كبح الإنتاجية والاستثمار الخاص.
وفي ضوء ذلك، تؤدي أولويات النظام الخارجية إلى تفاقم هذه التشوهات الداخلية، فعلى الرغم من الانهيار الداخلي، تواصل طهران تخصيص موارد ضخمة لعملائها الإقليميين وقواتها الوكيلة في المنطقة على حساب الاستثمار المحلي. ويدرك الرأي العام هذه المقايضة على نطاق واسع، وهو ما جعلها قضية سياسية بارزة. وتعكس شعارات الاحتجاج الرافضة للتدخلات الخارجية إدراكًا متزايدًا بأن الموارد الوطنية تُخصص للنفوذ الإقليمي بينما تتدهور مستويات المعيشة داخل إيران باستمرار.
على مستوى أعمق، تكشف هذه الانهيارات عن نظام لا يعترف بالخطأ خاصة إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقوم على أساس أيديولوجي مفاده أن المرشد الأعلى والنظام الديني الذي يوجهه ليسا مجرد مسئولين بل على صواب مطلق. ووفق هذه الرؤية، لا يُعزى الفشل إلى قرارات النظام الخاطئة، بل يُلقى باللوم على الأعداء أو التخريب أو عدم كفاية الولاء. وهذه العقلية تجعل التصحيح شبه مستحيل. فعندما تفشل السياسات، لا يكون الرد هو التعديل، بل الإنكار والقمع، حتى مع ازدياد صعوبة الحياة اليومية وتصاعد الضغوط.
إن النظام الذي يصر على أنه لا يخطئ، لا يستطيع التكيف عندما تُكشف نقاط ضعفه، وعلى المستوى الاقتصادي، ينتج عن هذا المنطق نقص في الموارد يتم إدارته بأدوات غير اقتصادية بدلًا من حل هذه المشكلات، وعلى المستوى الاستراتيجي، يُعرض إيران لمزيد من الضغوط. وفي كلتا الحالتين، يُؤجل الفشل بدلًا من تصحيحه، وهو ما يسمح بتراكم التوتر حتى تتصاعد الاحتجاجات.
المحددات الاجتماعية
امتدادًا لتعقيدات المشهد الاقتصادي والسياسي، تتفاعل المحددات الاجتماعية داخل إيران بطريقة تُعمق هشاشة الاستقرار الداخلي وتُسهم في تسريع وتيرة الاحتجاجات. فعلى مدار السنوات الماضية، أدت الضغوط المعيشية إلى تفكيك أنماط التضامن الاجتماعي التقليدية، وخلقت حالة من الاستقطاب بين الأجيال والطبقات. فالشباب الذين يشكلون ما يزيد على 60% من السكان يجدون أنفسهم محاصرين بين بطالة مرتفعة، وصعوبة في الحصول على السكن، وتراجع في خدمات الرعاية الصحية والتعليم، وهو ما أوجد شعورًا واسعًا بفقدان الأمل في مستقبل داخل البلاد. وفي الوقت نفسه، تتفاقم أزمات الهوية والانقسام الثقافي بين جيل شبابي يتبنى أنماطًا اجتماعية حديثة ومنفتحًا على العالم الرقمي، ونظام سياسي يسعى لفرض رؤيته المحافظة على الفضاء العام.
إلى جانب ذلك، أدت التوترات المتزايدة بين الأقليات الإثنية والدينية والنظام إلى تعميق الانقسام الاجتماعي؛ إذ يشعر الأكراد والبلوش والعرب وغيرهم بأن الدولة تتعامل معهم بمنطق أمني وليس تنموي، وهو ما يجعل مناطقهم فقيرة ومهمشة، كما إنها الأكثر قابلية للاشتعال خلال فترات الاضطراب. وفي المدن الكبرى، تتسع الفجوة بين النخبة الاقتصادية المرتبطة بمراكز القوة من ناحية، وبين الطبقات العاملة والطبقات الوسطى التي تشهد تراجعات من ناحية أخرى، وهو ما خلق بيئة اجتماعية مضطربة تتفكك فيها شبكات الثقة الأفقية داخل المجتمع، والثقة بين المواطنين والدولة.
كما تتجلى أزمة اجتماعية أكثر عمقًا في انهيار الخدمات الأساسية. فالتدهور في مستوى جودة التعليم وتراجع كفاءته، وتكدس المرضى في المستشفيات ونقص الأدوية، وتراجع البنية التحتية الأساسية، ساهمت في تفاقم الشعور بالعجز والإحباط. وتتحول الاحتياجات اليومية بسبب نقص الخدمات مثل المياه والكهرباء والدواء إلى بؤر توتر سياسي واجتماعي، تعكس حدود قدرة الدولة على إدارة شئون مواطنيها. وقد أظهرت الاحتجاجات الأخيرة أن انهيار الخدمات لم يعد مجرد خلل إداري، بل أصبح محورًا رئيسيًا في الخطاب الشعبي؛ حيث بات المواطنون ينظرون إلى سوء الإدارة باعتباره نتاجًا مباشرًا لفساد واسع وإقصاء اجتماعي وسياسي ممنهج.
وعلى مستوى آخر، أدى التوسع في أدوات الرقابة الاجتماعية ومحاولة الحكومة التحكم في الفضاء الرقمي إلى إيجاد حالة من الخلافات بين الدولة والمجتمع. فمحاولات النظام الإيراني تقييد الإنترنت، ومنع استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي، وملاحقة الناشطين، أسهمت في تعزيز الوعي المجتمعي لمواجهة هذا النموذج، وهو ما ساهم في إيجاد نتائج عكسية؛ حيث يتطور الوعي الاجتماعي مع كل موجة احتجاجية كما تزداد قدرة المحتجين على التنظيم والتعبئة؛ بحيث أصبح الشعب أكثر وعيًا بحقوقه، وأكثر تشكيكًا في روايات الدولة وشرعية النظام السياسي.
وفي النهاية، تُظهر المحددات الاجتماعية أن الأزمة الإيرانية لم تعد أزمة اقتصادية فحسب، بل أزمة بنيوية تستهدف أسس العقد الاجتماعي ذاته. فالمجتمع الإيراني اليوم يواجه نظامًا لم يعد قادرًا على تلبية متطلبات مواطنيه المعيشية أو التعبير عن تطلعاتهم الثقافية والاجتماعية، وهو ما يجعل الاضطرابات ليست مجرد رد فعل لحظي، بل تعبيرًا عن تصدع عميق في العلاقة بين الدولة والمجتمع، قد يمتد ليتحول إلى تغيير جوهري في بنية النظام ذاته.
المحددات التكنولوجية
يمثل البعد التكنولوجي أحد أكثر المحددات تأثيرًا في صياغة مسار الاحتجاجات داخل إيران؛ إذ أصبحت التكنولوجيا الرقمية ساحة صراع مفتوحة بين الدولة والمجتمع. فمنذ أكثر من عقد، يدرك النظام أن الفضاء الإلكتروني يشكل تهديدًا مباشرًا لسلطته وإنه لم يعد المحتكر الوحيد للمعلومات، ولذلك كثف جهوده لبناء ما يُعرف بـ”الإنترنت الوطني”، وهو مشروع يستهدف عزل الإيرانيين عن الشبكة العالمية، والتحكم في تدفق البيانات، وتسهيل الرقابة الحكومية على الاتصالات. إلا أن هذا المشروع، بدلًا من تعزيز سيادة الدولة الرقمية كما أُريد له، كشف عن هشاشة البنية التحتية التكنولوجية، وعن الفجوة المتزايدة بين قدرات النظام ورغبات مجتمع شاب يعتمد بصورة متزايدة على أدوات الاتصال الحديثة.
وقد أدى توسع استخدام تطبيقات المراسلة المشفرة ومنصات التواصل الاجتماعي إلى إضعاف قدرة السلطات على السيطرة على المعلومات. فعلى الرغم من حجب تطبيقي “تليجرام” و”إنستجرام” ومحاولات تقييد الوصول إلى تطبيق “واتساب” وتخفيض سرعة الإنترنت خلال فترات الاضطراب وقطعه بصورة نهائية، إلا إن الإيرانيون تمكنوا في تجاوز تلك القيود عبر استخدام الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) وأدوات كسر الحجب. ومع كل موجة احتجاجية، تتطور مهارات المستخدمين في التحايل على الرقابة بوتيرة أسرع من قدرة الدولة على مواكبتها، وهو ما جعل التكنولوجيا عاملًا جوهريًا في تنظيم الحشود ونشر الوثائق المصورة، وكشف الانتهاكات، وتوحيد الخطاب عبر نطاقات جغرافية واسعة.
وعلى المستوى الاقتصادي، فقد أدى ضعف البنية التكنولوجية وغياب الاستثمار في قطاع الاتصالات إلى تعميق الأزمة. كما ساهم التعطيل المتكرر للإنترنت الذي تلجأ إليه السلطات باعتباره أداة أمنية في حدوث خسائر اقتصادية كبيرة، خاصة مع توسع التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية. وقد أصبحت هذه الإجراءات تُفسر على المستوى الشعبي بأنها عقاب جماعي يهدف لكتم الأصوات، لا لحماية الأمن، وهو ما يزيد من اتجاهات تآكل شرعية الدولة ويعمق الهوة بينها وبين المواطنين، خصوصًا الطبقة المتوسطة التي تشكل عماد الاقتصاد الحديث.
وفي السياق ذاته، تكشف المحددات التكنولوجية عن بُعد آخر للأزمة يتمثل في التناقض بين خطاب النظام حول التقدم العلمي وبين الواقع الفعلي للبنية الرقمية. فبينما تؤكد الدولة امتلاكها قدرات سيبرانية هجومية وإمكانات تقنية كبيرة، يواجه المواطنون بطئًا شديدًا في الإنترنت، وارتفاعًا في الأسعار، وضعفًا في جودة الخدمات. ويخلق هذا التناقض شعورًا عامًا بأن الموارد التقنية تُوجه نحو المراقبة الداخلية أو العمليات الخارجية بدلًا من تطوير اقتصاد رقمي حقيقي أو تحسين حياة الإيرانيين اليومية.
بالإضافة إلى ذلك، تبرز التكنولوجيا كذلك كعامل مؤسسي يكشف عن حدود الدولة. فعجز السلطات عن السيطرة الكاملة على الفضاء الإلكتروني أضعف روايتها الرسمية، وفتح المجال أمام مصادر بديلة للمعلومات تتحدى سردية النظام. ونتيجة لذلك، باتت التكنولوجيا أكبر من كونها وسيلة للاتصال، بل فضاءً سياسيًا يتيح للمجتمع إنتاج خطاب مستقل، وتشكيل وعي جماعي مناهض للسياسات الحكومية.
وبالتالي، تُظهر المحددات التكنولوجية أن الصراع بين الدولة والمجتمع في إيران لم يعد قائمًا فقط في الشوارع، بل انتقل إلى الفضاء الرقمي الذي أصبح عماد التنظيم والاحتجاج، وعنصرًا حاسمًا في إعادة تشكيل العلاقة بين السلطة والمواطنين. وقد بات من الواضح أن قدرة النظام على التحكم في التكنولوجيا تتراجع أمام تسارع التطور الرقمي، ما يجعل هذا البعد أحد أكثر العوامل إسهامًا في كشف الأزمة البنيوية التي تواجه الجمهورية الإسلامية.
في الختام: تُعد الاحتجاجات في إيران ظاهرة متكررة ومعقدة، تمتد جذورها من “الحركة الخضراء” في عام 2009 وصولًا إلى انتفاضات “جيل زد” الأخيرة، وتشير هذه الاحتجاجات إلى محددات الصراع الهيكلي بين تطلعات المجتمع الراغب في الانفتاح وبين المنظومة السياسية المحافظة، كما تتميز هذه الاحتجاجات بتنوع محركاتها ومصادرها بين مطالب معيشية ناتجة عن التضخم وانهيار العملة وسوء الإدارة الاقتصادية، وبين مطالب حقوقية واجتماعية جذرية تنادي بالحريات الفردية والكرامة الإنسانية، كما تجسد في شعار “امرأة، حياة، حرية”. ولعل ما يميز هذه التحركات هو قدرتها على التمدد جغرافيًا لتشمل المدن الكبرى والمناطق الطرفية على حد سواء، وتجاوزها للمطالب الإصلاحية الضيقة نحو نقد شمولي لبنية النظام، وهو ما يحول كل موجة احتجاجية إلى اختبار حقيقي لمدى مرونة الدولة وقدرتها على استيعاب الغضب الشعبي المتراكم عبر العقود.
على الجانب الآخر، فإذا كانت مشاكل النظام الحالي واضحة، فمن غير الواضح وجود رؤية بديلة يمكن أن يتوحد حولها المتظاهرون اليوم. بعبارة أخرى، يعرف الإيرانيون جيدًا ما يعارضونه، لكنهم أقل يقينًا بكثير بشأن ما يؤيدونه، بالإضافة إلى الافتقار إلى التنظيم؛ حيث اتسمت الاضطرابات بالتشتت واللامركزية إلى حد كبير، بدلًا من التنسيق الاستراتيجي ولعل الاستمرار في الحفاظ على الزخم في مواجهة ضغوط النظام المتزايدة سيتطلب هيكلة أقوى وتنسيقًا أوضح واستراتيجية تواصل سواء داخل إيران أو مع العالم الخارجي.
ولعل هذه الافتراضات لا تخفي المعطيات إن إيران على أعتاب التغيير. فقد أظهرت الجمهورية الإسلامية، عبر مؤشراتٍ عديدة عدم قدرتها على تحقيق الازدهار بحيث لا يمكن للإيرانيين تجاهلها أو قبولها. ولهذا السبب، شهدت السنوات الأخيرة تسارعًا في وتيرة الاحتجاجات، مع تزايد وتيرة التعبير عن الغضب الشعبي ضد النظام.
لذلك، وعلى عكس موجات الاحتجاجات السابقة، يواجه خامنئي الآن خيارات بلا مخرج مستقر. فالقمع مكلف وأقل فعالية والعقوبات والتضخم يُقيدان الموارد، كما إن النكسات الخارجية أسهمت في تقليل هامش مناورة النظام في الخارج. ويتطلب الحفاظ على السيطرة في ظل هذه الظروف استنزاف ما تبقى من قدرة الدولة الاقتصادية، وبرغم ذلك قد ينجو النظام من هذه المرحلة، ولكن فقط بتسريع انهيار طويل الأمد يتم العمل فيه على صيانة السلطة على حساب كفاءة الدولة وقدرتها على تقديم الخدمات.

