محمد حسن النبوي
باحث في الشئون الإيرانية
تُعد قضية فرض القيود الداخلية وتخفيفها في إيران من أكثر الملامح التي تعكس طبيعة النظام السياسي وتركيبته الأيديولوجية وارتباطه بالتاريخ الثوري من جهة، كما تعبر من جهة أخرى عن حجم التحولات الهيكلية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع الإيراني في العقود الأخيرة. ومن ثم لا تمثل القيود مجرد مجموعة من القوانين أو الإجراءات التنظيمية التي يمكن فهمها في إطار سياسي محدد، بل هي امتداد لبنية ثقافية وأمنية ودينية متجذرة تَشكّلت منذ انتصار الثورة الإسلامية في عام 1979، وتمثل تجسيدًا حيًا لنظرية ولاية الفقيه التي تمنح المؤسسة الدينية صلاحيات واسعة للتحكم في المجال العام والحفاظ على ما تراه من “هوية النظام الثورية”. ومع مرور الزمن وتوالي الأجيال، أصبحت هذه القيود إحدى أدوات الحكم الأساسية وأحد مكونات العلاقة المتوترة بين المواطن الإيراني والنظام السياسي، ثم تحولت تدريجيًا إلى موضوع أزمة بنيوية عميقة مع تصاعد التحولات المجتمعية، والضغوط الاقتصادية الخانقة، والاشتداد المستمر في الاحتكاك بين السلطة والجيل الجديد المُنفتح على العالم، وهو جيل يتطلع إلى معايير الحرية الفردية ويعتبر هذه القيود عائقًا أمام طموحاته.
إن الأزمة الإيرانية اليوم ليست أزمة قطاعية قاصرة على فئة محددة أو عابرة يمكن أن يتم احتوائها، بل هي أزمة بنيوية شاملة تتداخل فيها العوامل السياسية بالاقتصاد، ويتقاطع فيها الاجتماعي بالثقافي، ويتجسد فيها الصراع بين التيار المحافظ مع التحديث والانفتاح، وبين النظرة الثورية وبين متطلبات الدولة الحديثة، وبين الماضي والحاضر.
ويمكن الإشارة إلى أنه كلما اشتدت الأزمة الاقتصادية أو تصاعدت وتيرة الاحتجاجات الشعبية ازداد النقاش حدةً حول مسارات القيود واتجاهات تخفيفها، وأصبح ما كان يُعتبر ثابتًا غير قابل للتغيير جزءً من معركة يومية تتعلق بجودة الحياة، وتوفير فرص العمل، والحرية الشخصية، وهامش الحرية والتعبير عن الرأي وتطورات المجال العام، والاختيارات الفردية في الزي والسلوك، وتُبرهن الاحتجاجات الأخيرة (كاحتجاجات 2022 وما بعدها) أن المحرك الأساسي للاضطراب لم يعد اقتصاديًا بحتًا، بل اجتماعيًا ثقافيًا بامتياز، وهو ما يضع القيود المفروضة على الحريات الشخصية في صلب المعادلة الأمنية والسياسية للدولة.
أولًا: البعد التاريخي وتطور فرض القيود
لا يمكن فهم مسألة القيود السياسية والاجتماعية المفروضة داخل إيران بدون النظر إلى تطورها التاريخي الممتد منذ قيام الثورة الإسلامية، ففي الثمانينيات (فترة الثورة والحرب)، كانت القيود جزءً رئيسًا من بناء الدولة الجديدة في ظل حرب العراق والضغوط الخارجية، كما كانت هذه الفترة هي الأكثر تشددًا على الإطلاق من حيث السيطرة على المجتمع وفرض قيود على العملية السياسية ووسائل الإعلام؛ حيث تم تصفية العديد من الخصوم وتكريس الأيديولوجية الثورية كقانون أعلى استنادًا على حالة الطوارئ والحرب التي بررت فرض القيود.
ويمكن القول إنه خلال التسعينيات وبعد وفاة الخميني، بدأت الدولة تشعر بالحاجة الملحة إلى الانفتاح الاقتصادي لإعادة إعمار البلاد، فظهرت محاولة للانتقال من الدولة الثورية العقائدية إلى الدولة المؤسسية البراجماتية، ورغم هذا الانفتاح المحدود، إلا أن الجانب الاجتماعي والثقافي استمر تحت سيطرة قوية ومشددة من المؤسسات الدينية والأمنية، ومع وصول الرئيس الإيراني محمد خاتمي إلى الحكم في عام 1997، بدأت مرحلة جديدة حاولت خلالها الدولة تخفيف القيود بشكل ملموس والتوجه نحو حرية أكبر لحركة المجتمع المدني، إلا أن هذه التوجهات اصطدمت بمقاومة المؤسسات غير المنتخبة (ممثلة في مجلس صيانة الدستور والحرس الثوري) ونجحت في إجهاض الكثير من هذه الإصلاحات.
ويمكن القول إنه منذ عام 2005، تصاعد فرض القيود في فترات معينة وانخفضت في أخرى، لكن الاتجاه العام استمر في الارتباط الوثيق بالضغوط الاقتصادية والسياسية الخارجية، ومع صعود أجيال جديدة من الشباب وتطور استخدام التكنولوجيا والوصول إلى الإنترنت على نطاق واسع، أصبحت القيود الاجتماعية والثقافية موضع تحدٍ مباشر وغير تقليدي؛ إذ لم تعد قابلة للتطبيق بالأساليب القديمة التي كانت فعالة في فترة الثمانينيات، في حين تعيش إيران في الوقت الحالي مرحلة يتصاعد فيها النقاش حول معنى القيود، وشرعيتها، ومستقبلها، وارتباطها بهوية الدولة الثيوقراطية في ظل هذه التطورات؛ حيث أدت الأحداث الأخيرة إلى تراجع كبير في سلطة شرطة الأخلاق التقليدية، وهو ما يشير إلى أن التغيرات في السلوك الاجتماعي أصبحت تفرض نفسها على القانون الرسمي، حتى لو كان التراجع غير معلن أو مؤقت.
ثانيًا: الإطار السياسي لمسألة القيود في إيران
يُشكل النظام السياسي الإيراني حالة خاصة وفريدة بسبب تركيبته التي تجمع بين مؤسسات منتخبة (كالرئاسة والبرلمان) وبين مؤسسات غير منتخبة ذات سلطة مطلقة (كالمرشد ومجلس صيانة الدستور والحرس الثوري)، وهي بنية هجينة تُنشئ ما يُعرف بـتدافع السلطة؛ حيث تتنافس الأجهزة الثورية مع الأجهزة الحكومية على رسم السياسات وتطبيقها. وقد أصبحت هذه البنية المعقدة القيود جزءً أصيلًا من المشهد السياسي منذ السنوات الأولى للثورة، فمنذ تأسيس الجمهورية الإسلامية ارتبطت فكرة القيود ارتباطًا وثيقًا بـالحفاظ على الهوية الثورية ومواجهة الغزو الثقافي الغربي وفق تصور النظام؛ حيث ارتكزت رؤية القادة الأوائل على أن البلاد تواجه تهديدًا مزدوجًا من الداخل والخارج، وأن فرض القيود الصارمة هو الوسيلة الوحيدة الفعالة لحماية الثورة والحفاظ على مشروعها الأيديولوجي في وجه الحداثة المتسارعة.
1. دور المؤسسات غير المنتخبة في تكريس القيود
تزداد أهمية مسألة القيود في المشهد السياسي الإيراني بسبب الاحتجاجات المتكررة التي شهدتها البلاد خلال العقدين الأخيرين. فالاحتجاجات الكبرى في 2009 (الحركة الخضراء)، ثم 2017 و2019، وصولًا إلى احتجاجات 2022 (بعد وفاة مهسا أميني)، ساهمت في إجبار النظام الإيراني على إعادة النظر في كيفية إدارة القيود، ففي بعض الأحيان لجأت الدولة إلى تخفيف محدود للقيود بهدف امتصاص الغضب الشعبي واستعادة شرعيتها المفقودة، لكنها تعود للتشديد فور هدوء الشارع، وهو ما جعل المواطن يشعر بأن التخفيف مجرد إجراء تكتيكي مؤقت وليس تحولًا استراتيجيًا في السياسات. كما تتفاقم هذه الديناميكية المعقدة مع تصاعد الضغوط الدولية؛ إذ إن العقوبات الاقتصادية والتوترات الإقليمية تجعل النظام أكثر توجسًا وحساسية تجاه أي تغيير داخلي يُمكن أن يُفسر كضعف أو تنازل، ومن ثم يميل النظام إلى تشديد القيود بدعوى حماية الأمن القومي وتصدير الأزمة للخارج.
وضمن السياق ذاته، تمثل القيود السياسية أيضًا وسيلة أساسية للتحكم المجال العام؛ إذ يتم التحكم في الانتخابات عبر الاستبعاد الفردي أو الجماعي للمرشحين، بالإضافة إلى التحكم في الخطاب السياسي المسموح به، ومراقبة المؤسسات المدنية والجامعات. وفي ظل هذا الواقع يصبح تخفيف القيود قرارًا سياسيًا يحمل مخاطر داخلية جسيمة بالنسبة للمؤسسات الحاكمة، لذلك يتردد النظام في تقديم تنازلات واسعة لا تخدم بقاءه.
2. المجال العام كساحة للصراع بين الإصلاحيين والمحافظين
أصبحت قضية فرض القيود ساحة للصراع بين التيارات السياسية المختلفة، فالإصلاحيون (خلال فترات حكم مثل فترة محمد خاتمي وحسن روحاني) حاولوا تخفيف القيود، خصوصًا فيما يتعلق بالحريات الثقافية والإعلامية، معتبرين أن الانفتاح الاجتماعي هو الطريق الوحيد لاستعادة ثقة المجتمع والحفاظ على شرعية النظام عبر مفهوم التنمية السياسية. أما المحافظون المتشددون فقد ارتكزت رؤيتهم تجاه هذا الملف بأن إجراءات التخفيف تمثل تهديدًا وجوديًا لهوية الدولة الثورية وأنها ستفتح باب التأثير الخارجي والتبعية للغرب، لذلك اتجهوا إلى إعادة تشديد الرقابة وتطبيق القانون الأمني بصرامة وإعادة ضبط المجال العام وفق معايير دينية صارمة.
ويمكن القول إن هذا التذبذب بين التشدد والانفتاح خلق حالة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، وأدى إلى حالة من الترقب المستمر والغموض بين المواطنين الذين اعتادوا رؤية تغير السياسات بشكل جذري بمجرد تغير الحكومة المنتخبة، بينما تظل السلطة العليا للمرشد والمؤسسات الثورية ثابتة، وهكذا يتبين أن القيود ليست مجرد سياسة داخلية عادية، بل هي جزء عضوي من هوية النظام نفسه، وهي مرتبطة بتحولات كبرى في الأيديولوجيا، وليست مجرد تغير في الحكومة أو صعود تيار إصلاحي أو أصولي.
ثالثًا: الأزمة الاقتصادية وتأثيرها الهيكلي على مسألة القيود
تمثل الأزمة الاقتصادية في إيران أحد المحركات الأساسية وراء تصاعد الاتجاه نحو فرض القيود أو تخفيفها، خاصة في ظل نموذج رأسمالية المحسوبية الذي تتضخم فيه مؤسسات محددة على حساب معايير السوق الحر. فمنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018 وإعادة فرض العقوبات، تعرض الاقتصاد الإيراني لواحدة من أشد موجات الضغط القصوى، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم لأرقام قياسية، وانخفاض حاد في قيمة العملة الوطنية (الريال)، وتراجع للقدرة الشرائية للمواطنين، كما تسببت هذه الأزمة في خلق شعور عام بأن القيود الاقتصادية أصبحت عبئًا إضافيًا على الحياة اليومية للمواطنين، وليست مجرد أدوات حكومية لتنظيم الاقتصاد.
1. العقوبات ونمو اقتصاد الظل
فرضت العقوبات الدولية قيودًا حازمة على قطاع النفط، وهو المصدر الرئيسي للدخل القومي الإيراني، بالإضافة إلى تقييد التعاملات في البنوك والمعاملات الدولية ومنع الشركات الأجنبية الكبرى من الاستثمار في إيران. وقد أدى هذا الوضع إلى حالة من العزلة الاقتصادية الخانقة، بحيث أصبح المواطن يواجه القيود في كل خطوة تخص العمل أو السفر أو التجارة أو حتى شراء بعض السلع الأساسية المستوردة. وبسبب هذه الإجراءات ظهرت طبقات اقتصادية جديدة مرتبطة بالسوق الموازي واقتصاد الظل، الذي غالبًا ما تُديره مؤسسات مرتبطة بالحرس الثوري ومراكز القوة، بينما تآكلت الطبقة الوسطى وأصبحت أكثر عرضة للفقر. وتشير تقارير دولية إلى أن نسبة البطالة بين الشباب تجاوزت 20%، وهو ما يغذي الاحتقان الاجتماعي مباشرة ويحول الأزمة الاقتصادية إلى دافع للثورة الاجتماعية.
2. القيود الاقتصادية والعدالة الاجتماعية
يتفاعل البعد الاقتصادي مع البعدين الاجتماعي والسياسي بشكل مباشر؛ إذ يدرك النظام أن رفع القيود الاقتصادية قد يؤدي إلى تحسن نسبي في الوضع العام، لكنه يخشى في الوقت نفسه من أن يؤدي هذا التخفيف إلى توسع نفوذ القطاع الخاص والمجتمع المدني المستقل على حساب بعض المؤسسات التقليدية الحاكمة. وفي المقابل يرى المواطن أن استمرار القيود يؤدي إلى مزيد من البطالة وارتفاع الأسعار وصعوبة الحصول على الخدمات الأساسية، وهو ما يثير تساؤلات حول العدالة الاقتصادية وتوزيع الموارد وسياسات الدولة المالية التي تتعامل بصورة تفضيلية مع بعض المؤسسات على حساب عامة الشعب.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن الأزمة الاقتصادية لا تؤثر فقط على الأسعار أو العملة، بل تمتد تأثيراتها لتطال صميم الحياة الاجتماعية وتؤدي إلى فقدان الثقة في قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد بكفاءة ونزاهة. وهو ما يجعل أي نقاش حول القيود جزءً من معركة أكبر تتعلق بالشفافية ومحاربة الفساد المالي المتجذر بما يدفع النظام لإعادة تشديد السيطرة بدلًا من اتخاذ سياسات التخفيف لضمان عدم انفلات الأمور الأمنية. ويجب الإشارة إلى أن التخفيف الحقيقي للقيود الاقتصادية يتطلب إصلاحات عميقة تشمل إعادة هيكلة الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط وتوسيع الشفافية ومحاربة الفساد المستشري، وهي خطوات يراها النظام محفوفة بالمخاطر لأنها قد تقلل من سيطرة مؤسسات نافذة وتغيّر موازين القوى الداخلية بما يهدد تماسك النظام.
رابعًا: البعد الاجتماعي والثقافي في أزمة القيود
يُعد المجتمع الإيراني اليوم واحدًا من أكثر المجتمعات ديناميكية وتحوّلًا في المنطقة؛ حيث يشكل الشباب الذين تقل أعمارهم عن 35 عامًا نسبة كبيرة من السكان (تتجاوز 60% وفقًا لبعض التقديرات)، وهو جيل نشأ في عصر الإنترنت وتطور تكنولوجيا الاتصال. وهذا الجيل يجد نفسه في مواجهة منظومة من القيود الاجتماعية والثقافية التي تعود جذورها إلى حقبة الثورة، وهي منظومة لم تعد تتناسب مع الواقع المعاصر المتغير، ومن هنا تتولد أزمة اجتماعية وثقافية عميقة الجذور بين مجتمع يتغير بوتيرة عالية فائقة ودولة تحاول بشتى الوسائل الحفاظ على نمط محدد من الهوية الأيديولوجية.
1. صدام الأجيال والفضاء الرقمي
هناك فجوة كبيرة بين الأجيال داخل إيران، فالجيل الأكبر ينظر إلى القيود باعتبارها جزءً من حماية الانسجام الاجتماعي والقيم التقليدية، بينما يرى الشباب أنها تعيق طموحاتهم وتحد من حرياتهم الشخصية وحقوقهم وفرصهم المهنية والاجتماعية في عالم متصل، وهذا الصدام يظهر بوضوح في قضايا مثل الزي الإلزامي، والفنون، والموسيقى، والفضاء الرقمي (السوشيال ميديا)، والعلاقات الاجتماعية، والتعامل الصارم للدولة مع المرأة، وفي ضوء هذا الخلاف أصبحت قضية المرأة والحجاب الإلزامي رمزًا للصراع بين تقاليد الدولة الثيوقراطية وطموحات المجتمع الحديث؛ حيث ينظر الشباب إلى كثير من القيود بوصفها أدوات رقابية على الجسد والحرية الفردية أكثر منها أدوات تنظيمية أو دينية، بجانب ذلك أدى حجب الإنترنت والتضييق على وسائل التواصل إلى تصعيد مستوى الغضب الشعبي؛ إذ تُعد هذه الوسائل المتنفس الوحيد للجيل الشاب للتعبير والتواصل مع العالم، وبالتالي يصبح أي قيد على الإنترنت قيدًا على الحياة نفسها.
2. تعميق الانقسام بين المركز والأطراف
لا تقتصر التحولات الاجتماعية والثقافية على المدن الكبرى (كطهران وأصفهان)، بل تشمل أيضًا القوميات والأقليات المختلفة مثل الأكراد والعرب والبلوش والآذريين، الذين يعانون من قيود إضافية تتعلق بالهوية واللغة والفرص الاقتصادية والتهميش التنموي، وهو ما يرفع من حدة التوتر الاجتماعي ويجعل مسألة القيود جزءً من علاقة مركبة بين المركز والأطراف؛ حيث يتم اتهام النظام بـالمركزية الفارسية على حساب الهويات الأخرى.
من ناحية أخرى، أصبح المجتمع المدني رغم القيود والتشدد الأمني، أكثر حضورًا وتأثيرًا من أي وقت مضى، فقد ظهرت مجموعات طلابية ومنظمات غير رسمية ومبادرات وحملات ثقافية وفنية على الإنترنت تهدف إلى التأثير في السياسة العامة أو الدفاع عن قضايا اجتماعية محددة. وعلى الرغم من القيود المفروضة على هذه المؤسسات وقادتها، فإن قدرتها على التواصل والانتشار تعززت بشكل كبير عبر الإنترنت وشبكات التواصل، وهو ما أوجد حالة من التفاعل اليومي بين السلطة والمجتمع؛ حيث يسعى كل طرف لفرض روايته أو الدفاع عن مساحته الحيوية المتبقية.
خامسًا: البعد الأمني ودور المؤسسات في تشكيل مسألة القيود
يُعد البعد الأمني أحد أكثر العوامل المؤثرة في مسألة فرض القيود داخل إيران، بل إنه يُشكل المبرر الأيديولوجي الأساسي لأعمال التشديد والرقابة، فالنظام يرى أن مشروع الثورة يواجه تحديات داخلية تتمثل في تهديد الهوية وخارجية تتعلق بتهديد الغرب وإسرائيل المستمرة، وبالتالي ينظر إلى المؤسسات الأمنية ليس لكونها مجرد حماية للمواطنين من الجريمة، بل هو بالدرجة الأولى حماية لمشروع الدولة وهويتها الأيديولوجية. ولذلك توسعت المؤسسات الأمنية لتشمل أجهزة متعددة تتداخل بشكل مباشر مع الحياة اليومية للمواطنين.
1. هيمنة الحرس الثوري و”أمننة” المجال العام
يعتبر الحرس الثوري الإيراني (IRGC) والباسيج (قوات التعبئة الشعبية) وجهاز الاستخبارات من أبرز المؤسسات التي تلعب دورًا مباشرًا ومحوريًا في تحديد طبيعة القيود وتطبيقها بصرامة. فهذه المؤسسات التي تمتلك أيضًا نفوذًا اقتصاديًا هائلًا، ترى في أي إجراءات لتخفيف القيود احتمالًا لفتح مجال أمام المعارضة المنظمة أو التدخل الخارجي أو تحركات قد تهدد استقرار النظام بشكل مباشر. ولهذا يصبح الأمن في كثير من الأحيان مبررًا شاملًا لفرض قيود إضافية، سواء في الفضاء الرقمي (كحظر تطبيقات التواصل الاجتماعي) أو النشاط السياسي (كحظر الأحزاب) أو التجمعات العامة (كحظر المظاهرات غير المرخصة)، وقد كشفت الاحتجاجات المتكررة عن علاقة معقدة ومضطربة بين المواطن والأجهزة الأمنية. ففي كل موجة احتجاج، تلجأ الدولة إلى إجراءات مشددة تشمل قطع الإنترنت بشكل شبه كامل، وتقييد التنقل، واعتقال النشطاء والصحفيين، والتحكم في الفضاء الإعلامي والجامعات، وهو ما عزز الشعور بأن القيود ليست وسيلة تنظيم أو حماية، بل وسيلة لإحكام السيطرة الدائمة ومنع التعبير عن الرأي.
2. التحديات الأمنية للتكنولوجيا الحديثة
تواجه الأدوات المستخدمة داخل إيران المتعلقة لفرض القيود على المجال العام تحديًا كبيرًا وغير مسبوق في عصر التكنولوجيا والاتصالات؛ حيث لم تعد الرقابة القادرة على منع تداول المعلومات كما في السابق، وهو ما يجعل التشدد الأمني أقل فعالية وأكثر تكلفة سياسيًا على المدى الطويل، كما يمتد البعد الأمني أيضًا إلى قضايا الأقليات القومية والدينية؛ إذ تتعامل الدولة بحساسية شديدة مع أي نشاط يُنظر إليه على أنه انفصالي أو أي تهديدات لوحدة الدولة وسلامة أراضيها. وهذا يؤدي إلى مزيد من القيود في مناطق معينة، خاصة في الأطراف الحدودية؛ حيث تتداخل القضايا الاقتصادية والاجتماعية مع الهويات المحلية، ويُضاف إلى ذلك البعد الأمني الخارجي؛ إذ أن انخراط إيران في صراعات إقليمية (كاليمن، لبنان، سوريا) أدى إلى تحويل جزء كبير من الموارد نحو المشاريع الأمنية الخارجية، وهو ما يزيد من الضغط الاقتصادي الداخلي ويدفع النظام إلى تعزيز إجراءات الأمن الداخلي كتعويض عن الشرعية المفقودة.
سادسًا: الامتدادات الإقليمية والدولية لمسألة القيود
إن دراسة مسألة القيود في إيران لا تكتمل بمعزل عن سياقها الإقليمي والدولي المعقد؛ إذ تُعد القرارات المتعلقة بالتشدد والتخفيف في طهران انعكاسًا مباشرًا للتفاعلات الخارجية ومجريات التهديدات الأمنية، فالنظام الإيراني ينظر إلى نفسه كـقوة إقليمية مُحاصَرة، وهذا التصور يغذي بشكل مستمر الميل نحو “أمننة” المجال العام؛ حيث يتم تبرير أي قيد داخلي بأنه ضرورة لحماية البلاد من المؤامرات الخارجية وعمليات الاختراق الثقافي والسياسي، ولعل هذا البعد الخارجي يربط بشكل عضوي بين السياسة الخارجية العدوانية وبين السياسة الداخلية المتشددة والقائمة على تفعيل الرقابة، وهو ما يجعل أي تحول داخلي مرهون بشكل غير مباشر بتهدئة التوترات الإقليمية.
1. دور الأطراف الخارجية في تغذية التشدد
تلعب الأطراف الخارجية وخاصة الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الخصوم الإقليميين، دورًا مزدوجًا في تغذية أزمة القيود، فمن جهة تُعد العقوبات الاقتصادية المفروضة من واشنطن المحرك الأقوى للأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تُجبر المواطنين على الاحتجاج والمطالبة بالتغيير، والتي تعمل على رفع مستوى الغضب الشعبي ضد هذه القيود، ومن جهة أخرى، فإن الضغوط القصوى والتهديدات العسكرية والاستخباراتية تُقدم للمؤسسات الأمنية الإيرانية (الحرس الثوري تحديداً) المبرر الأيديولوجي والأمني اللازم لإحكام القبضة الداخلية وزيادة القيود على الإعلام ووسائل الإنترنت والنشاط السياسي، خاصة أن هذه المؤسسات تستثمر الخطاب الذي يربط بين أي احتجاج داخلي وبين أجندة العدو الخارجي، وهو ما يسهل عملية قمع أي تحرك أو مطالب شعبية بدعوى حماية الأمن القومي. كما أن دعم بعض الأصوات المعارضة الإيرانية في الخارج من قبل دول أجنبية، يُفهم داخل طهران على أنه محاولة لتغيير النظام، وهو ما يدفع المؤسسة الحاكمة إلى مزيد من التصلب والتشدد في اتخاذ سياسات فرض القيود.
2. النفوذ الإقليمي واستنزاف الموارد
إن تركيز النظام الإيراني على توسيع نفوذه الإقليمي (المحور الإيراني) عبر دعم وكلاء وحلفاء في دول مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن، يؤثر بشكل مباشر على مسألة القيود الداخلية عبر قناتين رئيسيتين. أولًا، يستنزف هذا النفوذ جزءً كبيرًا من الموارد المالية للدولة، خاصة في ظل العزلة الاقتصادية. وهو ما يُفاقم الأزمة الاقتصادية الداخلية ويزيد من الفجوة بين الدولة والمواطن، الذي يرى أن الأولوية تُمنح للمشاريع الخارجية على حساب تحسين مستوى معيشته وتخفيف القيود الاقتصادية. وثانيًا تُعد هذه السياسة الإقليمية سببًا مباشرًا للعقوبات الدولية، التي بدورها تُقيد الحركة الاقتصادية وتُقلص الخيارات أمام أي حكومة منتخبة تسعى لتخفيف القيود. وبالتالي يصبح تخفيف القيود الداخلية مرهونًا بشكل غير مباشر بمدى قدرة النظام على تعديل أو تقليص طموحاته الإقليمية، وهو ما يراه التيار المتشدد تنازلًا غير مقبول عن الأيديولوجية الثورية.
3. اتجاهات التوازن بين الدبلوماسية والتشدد
أظهرت العلاقة بين إيران والمجتمع الدولي، خاصة في سياق المفاوضات النووية (الاتفاق النووي) أن النظام قادر على التخفيف المؤقت والمحدود للقيود عندما تكون هناك مصلحة جيوسياسية عليا، فخلال فترات التفاوض التي قادها الرئيس حسن روحاني، شهد المجتمع الإيراني انفتاحًا ثقافيًا واجتماعيًا محدودًا، يهدف إلى إظهار وجه أكثر اعتدالًا للمجتمع الدولي والحصول على تخفيف للعقوبات الاقتصادية. لكن بمجرد انهيار الدبلوماسية أو انسحاب طرف (كانسحاب الولايات المتحدة عام 2018)، يعود التيار المتشدد لفرض أجندته الأمنية ويقوم بتشديد القيود، معتبرًا أن الدبلوماسية قد فشلت وأن الطريق الوحيد للحماية هو التشدد الداخلي والعزلة، وهذا التوازن الدقيق يثبت أن قرار التخفيف أو التشدد في مسألة القيود هو أداة تخضع لمتغيرات سياسية وجيوسياسية، وليس مجرد استجابة طبيعية للمطالب الشعبية الداخلية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويفاقم من هذه الأزمات.
في الختام: لاتعد مسألة فرض القيود وتخفيفها في إيران قضية قانونية أو سياسية عابرة، بل هي امتداد لبنية هيكلية كاملة تشهدها إيران منذ الثورة، وهي تُمثل جوهر الأيديولوجية الثورية في مواجهة متطلبات الدولة الحديثة، كما أن هذه القيود ترتبط بالتاريخ الثوري والأيديولوجيا الدينية والاقتصاد المتضخم بفعل العقوبات والأمن القومي، وتتفاعل مع مجتمع سريع التغيير وعالم منفتح يطالب بمساحة أكبر للحرية والحركة والتعبير. وفي مواجهة هذا المجتمع المتطلع، يقف نظام يرى في التغيير السريع تهديدًا وجوديًا لاستقراره وشرعيته المستمدة من الأصول الثورية، ومن هذا نشأ هذا الصراع غير المتكافئ.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن مستقبل القيود في إيران يعتمد بشكل حاسم على قدرة الدولة على إعادة تعريف علاقتها بالمجتمع والتعامل مع الأجيال الجديدة، وعلى مدى استعدادها لفهم التحولات العميقة التي يمر بها، ومدى قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية دون اللجوء الدائم إلى التشدد الأمني كآلية وحيدة للبقاء، فالتخفيف الحقيقي للقيود يحتاج إلى رؤية شاملة من خلال مجموعة من الإجراءات مثل الإصلاحات الدستورية والسياسية العميقة، وتوازنات اقتصادية تعزز الشفافية، وإعادة هيكلة للمؤسسات الأمنية والاقتصادية، وإدراكًا بأن العالم قد تغيّر وأن الأساليب القديمة لم تعد قادرة على التحكم في المجتمع الإيراني الذي يتطلع إلى مستقبل مختلف يتجاوز خطاب الثورة ومبررات الحرب القديمة. كما أن الأزمات التي تشهدها إيران نتيجة التشدد في فرض القيود ينظر إليها على أنها أزمة شرعية بامتياز، في حين يجب النظر إلى تخفيف القيود باعتباره تنازلًا أو ضعفًا للدولة، بل هو الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى من شرعية النظام وبناء جسر ثقة مع جيل لم يعش الثورة ولكنه يعيش نتائجها، وأن السبيل هو الاحتواء عوضًا عن تكبد انفجار مجتمعي محتمل.

