كوثر مبارك
نائب مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
جاءت الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية التي استضفتها واشنطن في يومي 14 و15 مايو 2026 في سياق إقليمي ودولي معقد؛ حيث يتداخل فيه التصعيد العسكري على الجبهة اللبنانية الجنوبية مع التحولات الأوسع في الشرق الأوسط، ولا سيما المفاوضات الأميركية–الإيرانية، وزيارة الرئيس الأمريكي إلى الصين ولذلك، فإن هذه الجولة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد محاولة تقنية لتثبيت وقف إطلاق النار، بل باعتبارها جزءًا من مسار سياسي وأمني تسعى الولايات المتحدة من خلاله إلى تسوية الأزمة بين لبنان وإسرائيل، وربما إعادة صياغة طبيعة العلاقة بين الطرفين على المدى البعيد من خلال الاتفاقيات الإبراهيمية.
وقد ساهمت تطورت الظروف التي قادت إلى هذه المفاوضات بصورة متسارعة منذ اندلاع المواجهة العسكرية الواسعة بين إسرائيل وحزب الله في مارس 2026، بعد تبادل الهجمات المرتبطة بالحرب الإقليمية الأوسع بين إسرائيل وإيران، ومع توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل جنوب لبنان، وارتفاع أعداد الضحايا والنازحين، تحول الجنوب اللبناني أحد الجبهات العسكرية، خصوصًا مع المخاوف الأميركية من انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة يصعب احتواؤها.
أولًا: رؤية الأطراف المختلفة
كشفت المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية التي شهدتها في واشنطن عن الاختلاف العميق في أولويات الأطراف المشاركة، ليس فقط بين لبنان وإسرائيل، بل أيضًا بين مختلف القوى المؤثرة في الملف، سواء داخل لبنان أو على المستوى الإقليمي والدولي، فكل طرف يدخل المفاوضات انطلاقًا من تصور مختلف لطبيعة الأزمة وللنتائج التي ينبغي أن تنتهي إليها، وهو ما يفسر اتساع الفجوة السياسية والأمنية رغم الأجواء التي وُصفت بأنها هادئة أو إيجابية. ويمكن القول إن مطالب الأطراف تنقسم بين أهداف مباشرة مرتبطة بوقف الحرب والحدود، وأهداف استراتيجية بعيدة المدى تتعلق بإعادة تشكيل موازين القوى في لبنان والمنطقة.
1. الرؤية اللبنانية
برزت المبادرة اللبنانية التي طرحها الرئيس اللبناني جوزيف عون في مارس 2026، والتي قامت على وقف شامل لإطلاق النار، والانسحاب الكامل القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وإعادة انتشار الجيش اللبناني جنوبًا، ثم الانتقال لاحقًا إلى ترتيبات أمنية طويلة الأمد برعاية دولية، وقد مثّلت هذه المبادرة أول محاولة رسمية لبنانية لتقديم إطار سياسي شامل يوازن بين ضرورات وقف الحرب والحفاظ على السيادة اللبنانية، من دون الانخراط المباشر في مسار تطبيع سياسي مع إسرائيل.
كما دخل الوفد اللبناني المفاوض إلى واشنطن بسقف سياسي وأمني يركز أساسًا على إنهاء الحرب واحتواء تداعياتها الإنسانية والسيادية، مع محاولة تجنب الانزلاق إلى مسار تطبيع سياسي مباشر مع إسرائيل. وقد تمحورت المطالب اللبنانية حول خمس نقاط رئيسية:
- وقف شامل ونهائي لإطلاق النار: يشكل وقف إطلاق النار المطلب اللبناني الأكثر إلحاحًا؛ إذ تعتبر بيروت أن أي تقدم سياسي أو أمني لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، ولذلك، تصر الدولة اللبنانية على أن يكون تثبيت الهدنة وتحويلها إلى وقف دائم للنار هو المدخل الأساسي لأي تفاوض لاحق، ويرتبط هذا المطلب بحجم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها لبنان منذ توسع الحرب في مارس 2026، إضافة إلى الضغوط الداخلية الناتجة عن النزوح الواسع وتدمير القرى الجنوبية.
- انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية: تطالب بيروت بانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من المناطق التي توغلت فيها داخل الجنوب اللبناني، ووقف ما تعتبره “احتلالًا فعليًا” لمناطق حدودية، خصوصًا في محيط “الخط الأصفر” والمناطق الواقعة جنوب الليطاني، ويُعد هذا المطلب أساسيًا بالنسبة للقيادة اللبنانية، لأنه يرتبط مباشرة بمفهوم السيادة الوطنية، كما أن استمرار الوجود الإسرائيلي يعزز موقف القوى الرافضة للتفاوض داخل لبنان.
- الإفراج عن الأسرى والمحتجزين: تطرح الدولة اللبنانية ملف الأسرى باعتباره جزءًا من أي تسوية شاملة، سواء ما يتعلق بالموقوفين اللبنانيين لدى إسرائيل أو بقضايا الأشخاص الذين فُقدوا خلال المواجهات الأخيرة، ويمثل هذا الملف بعدًا سياسيًا وشعبيًا مهمًا داخل لبنان، خصوصًا في البيئة الجنوبية المتضررة من الحرب.
- عودة النازحين وإعادة الإعمار: تسعى بيروت إلى تأمين عودة مئات الآلاف من النازحين إلى قراهم وبلداتهم في الجنوب، وهو مطلب يرتبط بوقف العمليات العسكرية وضمان عدم تحول الجنوب إلى منطقة عسكرية مغلقة أو “حزام أمني” دائم، وتطالب الحكومة اللبنانية بالحصول على دعم دولي لإعادة إعمار المناطق المدمرة، خصوصًا في ظل الانهيار الاقتصادي الحاد الذي يعانيه لبنان.
- تعزيز دور الجيش اللبناني: يشدد لبنان على انتشار الجيش اللبناني في الجنوب بوصفه المؤسسة الشرعية الوحيدة المخولة بحفظ الأمن على الحدود، ويهدف هذا الطرح إلى:
- تثبيت سلطة الدولة.
- تخفيف الضغوط الدولية المتعلقة بسلاح حزب الله.
- تقديم الجيش اللبناني كبديل عن أي وجود عسكري غير نظامي.
لكن بيروت تحاول في الوقت نفسه تجنب تحويل الجيش إلى أداة مواجهة داخلية مع حزب الله، لما قد يحمله ذلك من مخاطر انفجار داخلي.
2. الرؤية الإسرائيلية
غير أن المقاربة الإسرائيلية اتخذت منحى مختلفًا، فالحكومة الإسرائيلية، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، رأت أن أي تسوية حقيقية يجب أن تبدأ بمعالجة المصدر الأمني للتهديد، أي البنية العسكرية لحزب الله وتمركزه في جنوب لبنان، وليس فقط تثبيت وقف إطلاق النار، ومن هنا سعت إسرائيل إلى ربط أي انسحاب أو تهدئة دائمة بمجموعة من الضمانات الأمنية تشمل إبعاد الحزب عن الحدود، وتفكيك قدراته العسكرية، وتعزيز سيطرة الدولة اللبنانية والجيش اللبناني على الجنوب.
تتعامل إسرائيل مع المفاوضات باعتبارها فرصة لإعادة صياغة البيئة الأمنية على حدودها الشمالية بصورة جذرية، وليس فقط لتثبيت تهدئة مؤقتة. ومن ثم فإن المطالب الإسرائيلية تتجاوز وقف إطلاق النار إلى أهداف استراتيجية طويلة الأمد.
نزع سلاح حزب الله أو تقليص قدراته العسكرية: يُعد هذا المطلب جوهر المقاربة الإسرائيلية للمفاوضات، فإسرائيل ترى أن أي اتفاق لا يتضمن معالجة مباشرة لسلاح حزب الله سيعيد إنتاج الوضع السابق الذي تعتبره تهديدًا دائمًا لأمنها. وقد برزت المطالب الإسرائيلية في الأهداف الآتية:
- فرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد في الجنوب اللبناني.
- تقليص القدرات العسكرية لحزب الله.
- الحصول على ضمانات أميركية ولبنانية بشأن منع أي تهديد مستقبلي على الحدود الشمالية.
- دفع لبنان تدريجيًا نحو مسار تفاهمات سياسية أوسع قد تتطور مستقبلًا إلى شكل من أشكال التطبيع أو السلام.
- تنظر إسرائيل إلى هذه المفاوضات باعتبارها اختبارًا لمدى قدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها الأمنية في الجنوب، ومنع عودة الوضع الذي كان قائمًا قبل التصعيد الأخير.
- إبعاد قوات الحزب عن الحدود.
- تفكيك البنية العسكرية جنوب الليطاني.
- وقف تهريب السلاح وتطوير القدرات الصاروخية.
- منع إعادة بناء المواقع العسكرية والبنية التحتية للحزب.
- تسعى إسرائيل إلى الحصول على ضمانات أميركية ودولية تتيح لها التدخل عسكريًا إذا رأت أن الحزب يعيد بناء قدراته. وترى القيادة الإسرائيلية أن اتفاق ما بعد حرب 2006 أثبت فشله لأنه لم يمنع حزب الله من تعزيز نفوذه العسكري جنوبًا.
- ترتيبات أمنية دائمة في الجنوب اللبناني: تريد إسرائيل إنشاء واقع أمني جديد يمنع تكرار المواجهات الحدودية، سواء عبر تعزيز دور الجيش اللبناني أو من خلال ترتيبات رقابية دولية أكثر تشددًا.
- ضمان أمن المستوطنات الشمالية: يشكل ملف أمن الجبهة الشمالية أولوية داخلية إسرائيلية، خصوصًا بعد النزوح الكبير من المستوطنات الحدودية خلال الحرب. كما تطالب إسرائيل بضمانات تحول دون عودة تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى المناطق الشمالية.
- فتح الباب أمام اتفاق سياسي أوسع: رغم أن إسرائيل تدرك حساسية ملف التطبيع داخل لبنان، فإنها تسعى تدريجيًا إلى تحويل التفاوض الأمني إلى مدخل لمسار سياسي أوسع، قد يشمل لاحقًا:
- ترسيم الحدود البرية بصورة نهائية.
- تفاهمات أمنية دائمة وربما تطبيعًا جزئيًا أو غير مباشر على المدى الطويل ويحظى هذا التوجه بدعم واضح من الإدارة الأميركية الحالية.
3. الرؤية الأمريكية
وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقع الوسيط الرئيسي بين هذين التصورين المتعارضين، فمن جهة تدرك واشنطن أن استمرار الحرب يهدد الاستقرار الإقليمي، ويؤثر سلبًا على مسار التفاهمات الأميركية مع إيران، ومن جهة أخرى ترى الإدارة الأميركية أن الوضع القائم في جنوب لبنان لم يعد قابلًا للاستمرار وفق الصيغة السابقة التي أعقبت حرب 2006، والتي سمحت باستمرار وجود حزب الله العسكري على مقربة من الحدود مع إسرائيل رغم انتشار الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل.
وعلى هذا الأساس، رعت واشنطن جولتين سابقتين من المحادثات في أبريل 2026، جرتا على مستوى السفراء، وأسفرتا عن هدنة مؤقتة تم تمديدها لاحقًا لثلاثة أسابيع بقرار من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلا أن هذه الهدنة لم تستمر، بسبب استمرار الغارات الإسرائيلية والعمليات العسكرية المتبادلة، وهو ما جعل المفاوضات تجري تحت النار.
وعلى الرغم من محدودية نتائج الجولتين السابقتين، فإنهما مهدتا لرفع مستوى التفاوض في الجولة الحالية، وقد عكست الإجراءات التنظيمية التي اتخذتها وزارة الخارجية الأميركية – من تخصيص يومين كاملين للمباحثات، وعقد اجتماعات تمهيدية، ورفع مستوى التمثيل السياسي والأمني – إدراك واشنطن لحساسية المرحلة، ورغبتها في تحويل الهدنة المؤقتة إلى مسار تفاوضي دائم. ويمكن القول إن أهداف الولايات المتحدة لا تقتصر على إدارة الأزمة الحالية، بل ترتبط باستراتيجية إقليمية أوسع تسعى من خلالها واشنطن إلى إعادة ترتيب التوازنات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط.
- منع توسع الحرب إقليميًا، تسعى واشنطن إلى منع تحول الجبهة اللبنانية إلى حرب شاملة قد تؤثر على المفاوضات الأميركية – الإيرانية والحفاظ على أمن إسرائيل. وتحقيق الاستقرار الإقليمي، وحماية مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
- تعزيز سلطة الدولة اللبنانية: تدفع واشنطن باتجاه تقوية الجيش اللبناني والمؤسسات الرسمية، بهدف تقليص نفوذ حزب الله العسكري والأمني تدريجيًا، وطُرحت أفكار تتعلق بتطوير وحدات خاصة داخل الجيش اللبناني تتلقى تدريبًا ودعمًا أميركيًا مباشرًا.
- تقليص نفوذ إيران في لبنان: تنظر الولايات المتحدة إلى حزب الله باعتباره الامتداد الأبرز للنفوذ الإيراني في شرق المتوسط، ولذلك تسعى إلى إضعاف دوره ضمن ترتيبات ما بعد الحرب.
- إدماج لبنان في النظام الإقليمي الجديد: ترى الإدارة الأميركية أن التوصل إلى تفاهمات لبنانية–إسرائيلية قد يفتح المجال مستقبلًا أمام إدماج لبنان، ولو بصورة تدريجية وغير مباشرة، في البيئة الإقليمية التي تشكلت بعد “الاتفاقات الإبراهيمية”
ثانيًا: التمثيل اللبناني والإسرائيلي
على المستوى اللبناني، ترأس الوفد السفير السابق سيمون كرم، المعروف بخبرته في الملفات التفاوضية والعلاقات الأميركية – اللبنانية، وشاركت إلى جانبه سفيرة لبنان لدى واشنطن ندى حمادة معوض، إضافة إلى ممثلين عسكريين وأمنيين، ويعكس تشكيل الوفد محاولة لبنانية لتحقيق التوازن بين البعد الدبلوماسي والبعد الأمني، مع التأكيد على أن الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخولة بإدارة هذا الملف.
ويستند الوفد اللبناني إلى موقف رسمي أعلنه الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، يقوم على أولوية تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وعودة النازحين، وانتشار الجيش اللبناني جنوبًا باعتباره الجهة الشرعية الوحيدة المخولة بحفظ الأمن على الحدود.
من ناحية أخرى، يتحرك الوفد اللبناني ضمن بيئة داخلية منقسمة سياسيًا، وهو ما يفرض عليه هامشًا محدودًا في التفاوض، فهناك تباين واضح بين موقف الرئاسة اللبنانية التي تُبدي انفتاحًا على التفاوض المباشر برعاية أميركية، وبين موقف قوى سياسية رئيسية، خصوصًا حركة أمل وحزب الله، التي تتحفظ على طبيعة المسار التفاوضي وتتخوف من تحوله إلى مدخل لتطبيع سياسي مع إسرائيل أو إلى آلية دولية لنزع سلاح المقاومة.
في حين أعاد رئيس مجلس النواب نبيه بري تكرار موقفه الرافض للتفاوض المباشر للتوصل أولًا إلى اتفاق حقيقي لوقف إطلاق النار، والتساؤل حول هل هناك وقف لإطلاق النار حاليًا، لافتًا إلى عدم التزام إسرائيل بأي اتفاق منذ أكتوبر 2024.
من ناحية أخرى، أشارت بعض المصادر إلى إن هناك مؤشرين إيجابيين بالنسبة للبنان في هذه الجولة، أولهما يتمثل في الاعتراف الضمني بأن حدود لبنان ليست موضع تفاوض، أما الثاني فهو بداية الإدراك الدولي لضرورة دعم الجيش اللبناني، وأن الحل القادم سيقوم على التسوية التدريجية للأوضاع، ضمن جدول زمني واضح وبرعاية دولية داعمة للجيش.
وعلى الرغم من غياب حزب الله عن طاولة المفاوضات رسميًا، إلا إنه يُعد أحد أبرز الأطراف الفعلية المؤثرة في مسار المحادثات ونتائجها، نظرًا لأن جوهر التفاوض يرتبط مباشرة بمستقبل دوره العسكري في جنوب لبنان. كما يتعامل الحزب مع المفاوضات من موقع الطرف غير المباشر؛ إذ يرفض التفاوض المباشر مع إسرائيل، لكنه يراقب ما يجري في المفاوضات، وقد أعلن الأمين العام للحزب نعيم قاسم أن الحزب يقبل التعاون مع الدولة اللبنانية لتحقيق أهداف سيادية، مثل وقف الهجمات الإسرائيلية، وانسحاب إسرائيل، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، لكنه يرفض أي صيغة تؤدي إلى نزع سلاحه تحت الضغط الإسرائيلي أو الأميركي.
ومن هنا فإن أي اتفاق يتم التوصل إليه في واشنطن يبقى عمليًا مرتبطًا بمدى قبول حزب الله به أو قدرته على التعايش معه ميدانيًا وسياسيًا، وهو ما يجعل الحزب طرفًا حاضرًا في خلفية كل النقاشات، حتى وإن لم يكن ممثلًا بصورة مباشرة داخل المفاوضات.
أما الوفد الإسرائيلي، فقد ضم السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل لايتر ومسؤولين أمنيين وعسكريين، في إشارة واضحة إلى أن إسرائيل تنظر إلى المفاوضات من منظور أمني استراتيجي يتجاوز مجرد ترتيبات وقف إطلاق النار المؤقت. كما يعكس تكوين الوفد الإسرائيلي طبيعة المقاربة الإسرائيلية للمفاوضات، والتي تركز على البعد الأمني والعسكري، وليس فقط على ترتيبات التهدئة المؤقتة، فإسرائيل تنظر إلى هذه الجولة باعتبارها فرصة لإعادة صياغة الوضع الأمني في جنوب لبنان بصورة تمنع حزب الله من استعادة قدراته العسكرية أو التواجد قرب الحدود.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن قيام إسرائيل باغتيال أحمد بلوط قائد قوة الرضوان التابعة لحزب الله في بيروت شكل منعطفًا خطيرًا دفع نحو توسيع العمليات العسكرية في جنوب لبنان في محاولة إسرائيلية لفرض وقائع ميدانية قبل انطلاق جولة المفاوضات في واشنطن. كما إن إسرائيل تخشى من توصل الولايات المتحدة إلى اتفاق مع إيران قد يقيد العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتخوف من انعكاسات إنهاء الحرب من دون نزع سلاح حزب الله على مستقبله السياسي وإمكانية نجاحه في الانتخابات المقبلة.
وضمن هذا السياق، اتجه الجيش الإسرائيلي إلى توسيع نطاق عملياته العسكرية في جنوب لبنان لتتجاوز خط نهر الليطاني نحو العمق اللبناني تحسبًا من هجوم انتقامي محتمل لحزب الله على خلفية اغتيال قائد قوة الرضوان. من ناحية أخرى، هناك تصاعد لانتقادات الداخلية من شركاء الائتلاف اليميني في إسرائيل ومن سكان البلدات الحدودية، بسبب إخفاق نتنياهو في تحقيق الهدف المُعلن لحربه وهو نزع سلاح حزب الله، على غرار ما جرى في غزة؛ حيث لم تُنزع أسلحة حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
وفي الاتجاه نفسه، يتصاعد القلق الإسرائيلي من أن تنتهي المفاوضات مع إيران دون تفكيك كامل للمشروع النووي الإيراني أو إنهاء تخصيب اليورانيوم، مما يعني تكرار سيناريو غزة مرة أخرى، ويضع نتنياهو أمام فاتورة سياسية باهظة على أكثر من جبهة.
وفيما يتعلق بالولايات المتحدة الأميركية، فإنها تُعد الطرف الأكثر تأثيرًا في هذه المفاوضات؛ إذ لا يقتصر دورها على الوساطة التقليدية، بل تمارس دورًا مركبًا يجمع بين الوساطة والضغط والرعاية السياسية والأمنية. وتقود وزارة الخارجية الأميركية المفاوضات، بدعم مباشر من الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو، اللذين ينظران إلى الملف اللبناني باعتباره جزءًا من استراتيجية أميركية أوسع لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية بعد الحرب مع إيران؛ حيث تتمثل الأهداف الأميركية الرئيسية في:
- منع توسع الحرب إقليميًا.
- تثبيت ترتيبات أمنية مستقرة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية.
- تعزيز دور الجيش اللبناني كمؤسسة أمنية مركزية.
- إضعاف نفوذ حزب الله العسكري.
- إدماج لبنان تدريجيًا في بيئة إقليمية أكثر ارتباطًا بالترتيبات الأميركية في الشرق الأوسط.
- تحدثت تقارير عن مقترحات أميركية تتعلق بتطوير وحدات داخل الجيش اللبناني، تتلقى تدريبًا ودعمًا أميركيًا خاصًا لتعزيز قدرتها على ضبط الحدود ومواجهة أي نشاط عسكري خارج سلطة الدولة.
- مارست واشنطن ضغوطًا سياسية كبيرة لدفع لبنان نحو رفع مستوى التفاوض، بما في ذلك طرح فكرة عقد لقاء مباشر بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، وهي فكرة لا تزال تواجه رفضًا لبنانيًا واسعًا في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية.
ثالثًا: اختلاف الأولويات في المفاوضات
برزت أهمية هذه الجولة أيضًا من خلال طبيعة القضايا المطروحة على جدول الأعمال، فبينما يتمسك لبنان بأولوية تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، وعودة النازحين، والإفراج عن الأسرى، تدفع إسرائيل باتجاه إدراج ملف سلاح حزب الله والترتيبات الأمنية الدائمة في صلب التفاوض منذ البداية، وهنا يكمن جوهر التباعد بين الطرفين؛ حيث تسعى لبنان إلى توقيع اتفاق أمني محدود يوقف الحرب ويحفظ السيادة، بينما تسعى إسرائيل –بدعم أميركي– إلى استثمار الحرب لإحداث تغيير استراتيجي طويل الأمد في معادلة القوة داخل لبنان.
كما لا يمكن فصل هذه المفاوضات عن الحسابات السياسية الداخلية لكل من الأطراف المعنية، ففي إسرائيل، يواجه بنيامين نتنياهو ضغوطًا داخلية تدفعه إلى السعي لتحقيق إنجاز استراتيجي على الجبهة الشمالية يتمثل في إضعاف حزب الله أو إبعاده عن الحدود، خصوصًا في ظل الانتقادات المتعلقة بإدارة الحرب، وفي المقابل يواجه الرئيس اللبناني جوزيف عون واقعًا داخليًا شديد الانقسام؛ حيث تعارض قوى سياسية لبنانية، وفي مقدمتها حزب الله وحركة أمل، أي مسار تفاوضي قد يتحول إلى مدخل لتطبيع سياسي أو لشراكة لبنانية في نزع سلاح المقاومة تحت الضغط الإسرائيلي والأميركي.
أما الولايات المتحدة، فتسعى إلى تقديم هذه المفاوضات باعتبارها جزءًا من رؤية أوسع لإعادة ترتيب المنطقة بعد سنوات من الحروب والتوترات، وربما لضم لبنان مستقبلًا إلى مسارات التفاهم الإقليمي التي رعتها الاتفاقات الإبراهيمية، ولو بصورة غير مباشرة في المرحلة الحالية.
وعليه، فإن الجولة الحالية من مفاوضات واشنطن لم تمثل مجرد محطة تفاوضية عابرة، بل تشكل اختبارًا حقيقيًا لمستقبل التوازنات الأمنية والسياسية في لبنان، ولمدى قدرة الأطراف المختلفة على الانتقال من منطق المواجهة العسكرية المفتوحة إلى محاولة إيجاد تفاهمات طويلة الأمد، في ظل بيئة إقليمية لا تزال تتسم بالتوتر.
رابعًا: المشكلات العالقة
- إن إسرائيل وليس حزب الله هي التي تحتل أراضي لبنانية ذات سيادة، وتقتل المدنيين، وتعتدي على مواقع التراث الثقافي، وتدمر البنية التحتية، بهدف تكرار “نموذج غزة”. ويواصل الجيش الإسرائيلي هدم قرى بأكملها في جنوب لبنان، ضمن استراتيجية قائمة على تنفيذ احتلال غير محدد المدة وتهجير المجتمعات الشيعية قسرًا وبشكل ممنهج، وهو ما يشكل انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك جرائم الحرب المتمثلة في التهجير القسري والتطهير العرقي والعقاب الجماعي.
- إن النموذج الذي تصدّره إسرائيل إلى لبنان من غزة هو نموذج حرب شاملة. وفي قطاع غزة، وصف بأنه إبادة جماعية، وبينما تدّعي إسرائيل أنها تحارب حزب الله، فإنها تختار محاربة قاعدته الشعبية بأكملها، ومعظم المواطنين اللبنانيين بشكل مباشر أو غير مباشر. ولا يشارك معظم هؤلاء في القتال، وهو ما يعني أن التهجير المتعمد واستهداف هؤلاء المدنيين يشكلان انتهاكات للقانون الدولي الإنساني.
- إن سرد هذه الممارسات لا يُعدّ بأي حال من الأحوال دفاعًا عن حزب الله أو إيران. فقد عانت الدولة اللبنانية، لفترة طويلة جدًا، من تضارب مصالح أمراء الحرب الذين حازوا على السلطة وحافظوا عليها خلال الحرب الأهلية التي استمرت 15 عامًا بين عامي 1975 و1990، وبعدها. وشهد ذلك الصراع صعود حزب الله وميليشيات أخرى غير حكومية، إلى جانب سلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان من جانب جميع الأطراف. ولم يتصالح لبنان قط مع هذا الماضي، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن قادة هذه الفصائل ما زالوا يديرون شؤون البلاد منذ انتهاء الحرب.
- يُظهر الواقع في لبنان أن حزب الله ينظر إليه باعتباره فاعلًا سياسيًا رئيسيًا؛ إذ يمتلك 14 مقعدًا في البرلمان، بالإضافة إلى ائتلاف يضمّ ما يصل إلى 61 مقعدًا. ويستطيع تحالفه السياسي فرض سياساته على البلاد. ورغم خسارته الأغلبية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في عام 2022، فقد حصد الحزب وحلفاؤه السياسيون أكثر من 600 ألف صوت من خلال قوائم انتخابية مشتركة وأخرى خاصة بحزب الله وحده. هؤلاء الناخبون جزء لا يتجزأ من الشعب اللبناني، وهي حقيقة لا يمكن تجاهلها أو طمسها.
- يكمن الخلل الرئيسي في المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في إن جزء كبير من الشعب اللبناني يدعم حزب الله والمقاومة المسلحة بشكل مباشر. ولن تنجح أي مفاوضات تتجاهل هذه الحقيقة. بل إن الحملة العسكرية الإسرائيلية المستمرة التي تستهدف حزب الله وأنصاره فقط، من المرجح أن تعزز مبررات المقاومة لدى الحزب، بينما تُلحق الضرر ببلد لم يتعافَ بعد من حربه الأهلية التي اندلعت قبل ثلاثة عقود.
- يفسر هذا الواقع التباين الواضح في مصالح الدول التي تُبنى عليها المحادثات. فبالنسبة للبنان، انصبّ التركيز بشكل شبه كامل على تحقيق وقف إطلاق النار. وبينما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقفًا لإطلاق النار لمدة عشرة أيام في 16 أبريل، فإن تركيز إسرائيل على القضاء على حزب الله – بأي طريقة كانت – سيؤدي في نهاية المطاف إلى سقوطها. وفي الوقت نفسه، تأمل واشنطن في توسيع اتفاقيات أبراهام، وهو انتصارٌ يحتاج إليه ترامب.
- إن الصفقة الهشة بين إسرائيل ولبنان تقوم على أساس متقلب؛ حيث يمكن لعدة مسارات أن تعرقلها وتغرق لبنان مجددًا في أزمة، وهناك ثلاثة سيناريوهات تلوح في الأفق تتضمن انفجار داخلي يشعله حزب الله باسم “الدفاع عن السيادة”، محولًا المفاوضات إلى حرب أهلية، والسيناريو الثاني يتمثل في النزعة الإسرائيلية المتطرفة سياسيًا والتي تسعى لفرض شروط مهينة على بيروت، دافعةً الرئيس اللبناني عون إلى الانسحاب حفاظًا على شرعيته الداخلية؛ واتفاق أمريكي إيراني في إسلام آباد يرضي بنفوذ طهران في لبنان مقابل تنازلات نووية، في تكرار لنموذج عام 2015. ولعل السيناريو الثالث هو الأخطر لأنه سيكون الأقل وضوحًا للجهات الخارجية. والضمانة الوحيدة ضده هي إصرار إدارة ترامب على استبعاد لبنان نهائيًا من سلة إيران، وهو موقف تكتيكي لم يُختبر مدى صموده أمام إمكانية عقد صفقة نووية شاملة.
ويمكن القول إن لبنان يقف اليوم عند مفترق طرق تُتيح له فرصة إعادة تعريف نفسه، كما إنها ليست فرصة لتحقيق “نصر” بالمعنى الحرفي، ولا حتى فرصة للتسوية. بل تُشير إلى نهاية وجود لبنان كدولة رهينة. على الجانب الآخر قد تنتهي المفاوضات بالفشل، أو قد تُسفر عن اتفاق هجين لا يُلبي تطلعات اللبنانيين ويتجاوز ما يُمكن لحزب الله قبوله. لكن الإعلان نفسه أهم من نتيجته. فلأول مرة منذ عقود، تُعبّر بيروت عن نفسها. وهذا وحده كافٍ لإعادة تشكيل مسار البلاد المستقبلي.
خامسًا: معيار الأخطاء الحاكمة للمفاوضات
- الخطأ الأول: يتمثل في المبالغة. فالتوصل إلى تسوية سلمية شاملة ليس بالأمر الوارد لذا فإن ربط النجاح بهذا المفهوم يُنذر بانهيار هذه المحادثات قبل أن تبدأ، إلا إن المفاوضات قد تسير في اتجاه يتعلق بالحفاظ على وقف إطلاق النار، ومنع التصعيد، وبناء الحد الأدنى من التنسيق اللازم للاستمرار في المفاوضات.
- الخطأ الثاني: يتمثل في اختزال المشكلة في تسليح حزب الله دون معالجة الظروف التي تدعمه باعتبار إن نزع السلاح ليس مجرد هدف تقني، بل هو وظيفة لمدى قدرة الدولة. فبدون جهود موازية لتقوية الدولة اللبنانية وجيشها، من غير المرجح أن تنجح محاولات فرض هذا الأمر.
- الخطأ الثالث: إضعاف سيطرة حزب الله؛ حيث لا يمكن التعامل مع نشر الأمن وتحقيق الاستقرار الاقتصادي كمسارات منفصلة، بل يجب أن تسير جميعها جنبًا إلى جنب؛ حيث إن تراجع دور حزب الله الاجتماعي والاقتصادي في بعض مناطق سيطرته يخلق فرصًا ومخاطر في آنٍ واحد. فإذا ما تأخرت جهود التعافي، فإن هذه المساحة ستُستغل من قِبل القوى التي يُفترض أن تُقيدها هذه العملية.
- الخطأ الرابع: غياب غاية نهائية محددة، قد لا يكون التوصل إلى اتفاق سلام شامل احتمالًا واردًا على المدى القريب نظرًا للحساسيات الداخلية المحيطة بالتطبيع، لكن هذا لا يعني أن تبقى العملية مفتوحة النهاية. ومن ثم هناك مجال لخطوة أخرى وسيطة تُشير إلى التحول من الصراع المباشر دون فرض تسوية نهائية، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام اتفاق سلام نهائي. ويمكن لإعلان مبادئ أو إطار عمل لإنهاء الصراع أن يخدم هذا الغرض. ورغم أنه قد لا يحل النزاعات الجوهرية، إلا أنه سيحدد المسار، كما إنه يوفر غطاءً سياسيًا للقيادة اللبنانية، ويمنح إسرائيل والولايات المتحدة الأساس للاستمرار في المفاوضات. ويمكن الإشارة هنا إلى إن هذا ليس نهجًا جديدًا. ففي الممارسات السابقة بالنسبة لحالتي مصر والأردن، فقد كانت الترتيبات المؤقتة السبب الرئيسي في إنهاء الحرب ومهدت الطريق لإبرام اتفاقيات السلام.
- لن ينجح أي من هذا دون مشاركة أمريكية مستدامة. فواشنطن هي الجهة الوحيدة القادرة على تنسيق الجهود المختلفة، من خلال الحد من التصعيد، ودعم المؤسسات اللبنانية، ولا سيما الجيش، والحفاظ على المسار الدبلوماسي، وهو دور يتطلب ضغطًا متواصلًا، وتنسيقًا مع الشركاء، واستعدادًا لربط الدعم بتقدم ملموس. وقد استغل الرئيس دونالد ترامب منصبه للإشارة إلى دعم رفيع المستوى وعزم على دفع المحادثات قدمًا. وستتطلب المرحلة التالية استمرار المشاركة لوضع استراتيجية متسلسلة ذات نتائج واضحة تدفع الأطراف نحو التوصل إلى حل دائم.
بالنسبة للبنان، يختلف العبء ولكنه لا يقل أهمية، فبينما لا يتعين على الحكومة حل جميع المشاكل الهيكلية دفعة واحدة، إلا أنه يجب عليها إظهار نية جادة في العمل على تحقيق ذلك؛ إذ إن اتخاذ خطوات ملموسة لتعزيز سلطة الدولة، وتوسيع دور القوات المسلحة اللبنانية، وتنفيذ إجراءات محدودة لبناء الثقة بما في ذلك خطوات تشير إلى مسار موثوق به لمعالجة أسلحة حزب الله والذي من شأنه أن يساعد في الحفاظ على الدعم الدولي وتعزيز المصداقية.
وبالنسبة لإسرائيل فإن بها دور لا يقل أهمية. فاستمرار العمليات العسكرية، لا سيما في المناطق المدنية، يُهدد بتقويض الجهود الدبلوماسية الرامية إلى معالجة مخاوفها الأمنية. وسيكون ضبط النفس ضروريًا للحفاظ على جدوى المفاوضات وتهيئة الظروف لتحقيق نتائج أكثر استدامة. وفي الوقت نفسه، ينبغي لإسرائيل النظر في تدابير بناء الثقة التي تدعم العملية، بما في ذلك توضيح عدم وجود أي مطامع إقليمية دائمة لها في لبنان، والمضي قدمًا في خطوات مثل تبادل الأسرى والانسحاب التدريجي من المناطق التي تسيطر عليها. من ناحية أخرى، قد يتجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لإطالة أمد الحرب نظرًا لمحاكمات الفساد التي يواجهها في الداخل، وللدعم الشعبي الواسع النطاق في المجتمع الإسرائيلي لمحاربة حزب الله. وهو ما يخالف الاتجاهات المتعلقة بالاستقرار.
بجانب ذلك، لا يمكن إغفال البُعد الاقتصادي. فلبنان على وشك الدخول في أزمة اقتصادية واجتماعية معقدة مع تفاقم انعدام الأمن الغذائي وانتشار حركة النزوح على نطاق واسع، وعلى الرغم من الجهود الدولية لتقديم المساعدات إلا إنها لا تلبي احتياجات إعادة الإعمار، كما إنه بدون جهود اقتصادية مستدامة، سيواجه المسار السياسي صعوبة في الصمود.
وبالنسبة لواشنطن، فقد ساهمت في إيجاد هذه اللحظة، وما سيحدث بعدها سيتوقف على مدى التزم كل من لبنان وإسرائيل بالمسئولية باعتبار إن البديل عن التعاون يتمثل في عودة التصعيد وضعف الدولة اللبنانية وهي أزمات يصعب احتوائها.
سادسًا: رؤية حزب الله واتجاهات التعامل
من المرجح أن يحاول حزب الله التأثير على العملية أو التلاعب بها. ويمكنه القيام بذلك من خلال مجموعة من المسارات. وذلك على النحو الآتي:
أولًا: قد يحاول حزب الله إثارة العنف الطائفي أو إحداث اضطرابات أمنية أوسع نطاقًا لتحدي الحكومة والجيش اللبناني وعرقلة عملية السلام. وقد لجأ حزب الله بالفعل إلى الإعلان عن خطاب تهديدي على سبيل المثال، الإعلان بإن الحزب قادر على قلب البلاد رأسًا على عقب، بعد أن حظرت الحكومة اللبنانية رسميًا جناحه العسكري. وبالمثل، علّق المسؤول في حزب الله، نواف الموسوي، في مقابلة صحفية بأن عون قد يلقى المصير نفسه الذي لاقاه الرئيس المصري الراحل أنور السادات، الذي اغتيل على يد متطرفين إسلاميين بعد توقيعه معاهدة سلام مع إسرائيل في عام 1979.
ثانيًا: قد يدخل حزب الله في مفاوضات ويوافق على نزع سلاح جناحه العسكري بشكل مشروط، ولو جزئيًا. وفي هذه الحالة، من المرجح أن يتخلى عن أجزاء من ترسانته الثقيلة مع الاحتفاظ سرًا بما يكفي من الأسلحة لمواصلة نفوذه. في المقابل، سيطالب الحزب بتنازلات كبيرة من بيروت، على الأرجح دمج بعض قواته في الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية، وتعيين أعضاء من جناحه السياسي في مناصب رئيسية في مؤسسات الدولة اللبنانية. إلا إن هذا السيناريو يتطلب توافقًا سياسيًا لبنانيًا واسعًا وإصلاحًا دستوريًا. كما سيواجه معارضة سياسية شديدة؛ إذ يكره معظم اللبنانيين نفوذ حزب الله الحالي على مؤسسات الدولة اللبنانية، ولا يرون مبررًا يُذكر لمساعدة الحزب في مزيد من التغلغل. ولهذه الأسباب، ينبغي اعتبار هذا السيناريو الأقل ترجيحًا على المدى القريب.
ثالثًا: قد يُبادر حزب الله من جانب واحد إلى استئناف القتال ضد إسرائيل، لا سيما إذا استأنفت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية “الغضب الملحمي” ضد إيران. وفي هذا السياق، وربما كجزء من رسالتهما، أشار محلل لبناني مؤيد لحزب الله في مقابلة حديثة إلى أن الحزب قد يستأنف هجماته على القوات الإسرائيلية عبر المقذوفات أو نشر القناصة والعبوات الناسفة في الأراضي المحتلة جنوب لبنان في حال تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، مستغلًا تركيز إسرائيل المتجدد على طهران. وفي الواقع، أطلق حزب الله عدة صواريخ على القوات الإسرائيلية المتمركزة في جنوب البلاد.
ومع ذلك، ثمة سبب رئيسي قد يدفع حزب الله لتجنب هذه النتيجة؛ إذ يرجح أن تكون انتحارية بالنسبة له، نظرًا للخسائر الفادحة التي تكبّدها خلال الحملة العسكرية الإسرائيلية في الفترة 2023-2024، وفي التصعيد الأخير عام 2026. وفي حال تجدد الصراع، ستكون قاعدته الشعبية وهي الطائفة الشيعية الأوسع في لبنان، والتي تتركز في الغالب في الجنوب الأكثر تضررًا.
رابعًا: قد يتمثل هذا السيناريو في ممارسة حزب الله نفوذه على المحادثات بهدف تخريبها. وإدراكًا منه أن مفاوضات السلام الإسرائيلية اللبنانية طويلة بطبيعتها وستستغرق فترات ممتدة، وبالتالي قد يلجأ حزب الله إلى المحادثات لكسب الوقت، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، وإعادة بناء نفوذه السياسي، وتعطيل العملية في نهاية المطاف. ويمكنه تحقيق ذلك عبر آليات مختلفة، لا سيما من خلال محاولة إشراك ممثلين شيعة موالين له في المفاوضات، أو إعادة ابتكار آليات تأخير شبيهة بصيغة “المفاوضات غير المباشرة” التي فرضها سابقًا. وقد يستغل أيضًا شبكات المحسوبية القائمة داخل مؤسسات الدولة، ويواصل ترهيب معارضيه السياسيين والدولة اللبنانية، ويعيد صياغة خطابه حول “المقاومة” و”النصر” في سياق الدفاع عن الوطن، والتخلي عما يُسمى “وحدة الجبهات”، لإعادة حشد قاعدته الشعبية. بل إنه قد يلجأ إلى التظاهر بنزع السلاح، كما فعل خلال مرحلة جنوب نهر الليطاني.
ومع ذلك، يبدو هذا السيناريو غير مرجح أيضًا، بالنظر إلى الإرادة السياسية التي أظهرتها الحكومة اللبنانية في هذه اللحظة المحورية والدعم الدولي القوي الذي تتمتع به حاليًا، بقيادة الولايات المتحدة.
خامسًا: قد تتجاوز إسرائيل حدودها عبر غزوها البري، لكنها تصطدم في نهاية المطاف بمقاومة حقيقية من حزب الله، ومن ثم قد يصبح تصدير نموذج غزة كابوسًا دوليًا لإسرائيل، لكنه لا يوقف عملياتها العسكرية أو احتلالها للأراضي اللبنانية. وهو ما قد يؤدي إلى استمرار الجمود، على المدى القصير إلى المتوسط، حيث تعجز الحكومة اللبنانية عن كبح جماح حزب الله.
وفي ضوء ذلك، يتزايد خطر احتلال طويل الأمد للأراضي الواقعة جنوب نهر الليطاني، وما يتبعه من تهجير طويل الأمد لسكان هذه المنطقة. ويبلغ الاستياء الشعبي من حزب الله ذروته، لكنه يتحول تدريجيًا نحو إسرائيل بسبب عملياتها العسكرية واحتلالها للأراضي اللبنانية، الأمر الذي يبرر في نهاية المطاف وجود حزب الله في المقاومة.
سادسًا: يقوم هذا المسار على احتمالية تراجع الدعم الشعبي لحزب الله، وهو ما قد يجبره على تغيير موقفه من أسلحته، لكن دون التخلي عنها بالكامل، كما ستعمل الحكومة اللبنانية على الضغط في اتجاه محادثات التطبيع مع إسرائيل وحملتها على أنشطة حزب الله العسكرية، خاصة عقب قرارها الأخير بحظر تلك الأنشطة، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كانت إسرائيل ستُجبر على وقف قصف البلاد، ولكن في ظل هذه التحركات، قد تكون واشنطن قد بدأت بالفعل في الضغط على إسرائيل للتفاوض بحسن نية من أجل تحقيق مكاسب أكبر، وهي المكاسب التي يسعى إليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علنًا. كما تتضمن هذه المسألة اتجاه واشنطن إلى إنهاء هجومها على إيران لإعادة توجيه تركيزها نحو لبنان. وإذا فعلت ذلك، فمن المرجح أن تظل إسرائيل تحتل بعض الأراضي اللبنانية على المدى الطويل، بينما تعمل الدولتان على تسوية حدودهما المتنازع عليها بصيغة من المرجح أن تصب في مصلحة إسرائيل، كما هو الحال في اتفاقية الحدود البحرية لعام 2022.
الخلاصة التنفيذية
تكشف المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية الجارية في واشنطن عن لحظة سياسية وأمنية مفصلية في تاريخ الصراع على الجبهة اللبنانية، إذ لم تعد المحادثات تقتصر على إدارة هدنة مؤقتة أو احتواء تصعيد عسكري عابر، بل باتت تعكس محاولة لإعادة صياغة التوازنات الأمنية والسياسية في جنوب لبنان والمنطقة ككل، فهذه الجولة تُعقد في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، تتداخل فيها الحرب المفتوحة بين إسرائيل وحزب الله مع الحسابات الأميركية المرتبطة بإيران، ومع التحولات الأوسع التي تشهدها المنطقة منذ الحرب في غزة وتصاعد مشاريع إعادة ترتيب الشرق الأوسط أمنيًا وسياسيًا.
ورغم إن المفاوضات تم وصفها بالإيجابية، إلا إن هذا التوصيف يعكس بالدرجة الأولى نجاح الأطراف في إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة ومنع انهيار المسار السياسي منذ بدايته، أكثر مما يعكس وجود تقارب حقيقي في المواقف، فجوهر الخلاف بين الطرفين لا يزال عميقًا ويتعلق بطبيعة التسوية نفسها، وبالترتيب الذي يجب أن تُعالج وفقه الملفات الأمنية والسياسية.
فالجانب اللبناني يدخل المفاوضات من منطلق دفاعي يركز على أولوية وقف إطلاق النار، ووقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وعودة النازحين، وإعادة تثبيت سلطة الدولة اللبنانية عبر انتشار الجيش في الجنوب، ويعكس هذا الموقف محاولة لبنانية لاحتواء تداعيات الحرب والحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الداخلي، في ظل الانقسام السياسي الحاد داخل البلاد، ورفض شريحة واسعة من القوى اللبنانية لأي مسار قد يُفسَّر باعتباره تطبيعًا سياسيًا مع إسرائيل أو تنازلًا مجانيًا تحت الضغط العسكري.
على الجانب الآخر، تنظر إسرائيل إلى المفاوضات باعتبارها فرصة استراتيجية لإحداث تغيير جذري في البيئة الأمنية، مستفيدة من الظروف الإقليمية الحالية ومن الدعم الأميركي الواضح لمطلبها الرئيسي المتمثل في تحجيم القدرات العسكرية لحزب الله، ولذلك لا تكتفي تل أبيب بالسعي إلى تثبيت وقف إطلاق النار، بل تحاول ربط أي تسوية طويلة الأمد بترتيبات أمنية صارمة تشمل إبعاد الحزب عن الحدود، ومنع إعادة بناء بنيته العسكرية، وخلق واقع أمني جديد يمنع تكرار المواجهة الحالية مستقبلًا.
تؤدي الولايات المتحدة دورًا يتجاوز الوساطة التقليدية؛ إذ تحاول إدارة الرئيس دونالد ترامب استثمار هذه المفاوضات ضمن رؤية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، واحتواء التصعيد على الجبهة اللبنانية، وتقليص النفوذ الإيراني في لبنان، وربما الدفع تدريجيًا نحو إدماج لبنان في بيئة التفاهمات الإقليمية الجديدة التي نشأت بعد “الاتفاقات الإبراهيمية”، ومن هنا، فإن الضغط الأميركي لا يقتصر على تثبيت الهدنة، بل يمتد إلى محاولة إنتاج إطار أمني وسياسي طويل الأمد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله، وبين لبنان وإسرائيل.
غير أن العقبة الأساسية أمام أي اختراق حقيقي تتمثل في التناقض بين أهداف الأطراف، فبينما يريد لبنان وقف الحرب أولًا ثم الانتقال إلى معالجة القضايا السياسية والأمنية، تصر إسرائيل على أن معالجة ملف حزب الله يجب أن تكون نقطة الانطلاق لأي اتفاق، كما أن حزب الله، رغم غيابه الرسمي عن المفاوضات، يبقى الطرف الأكثر تأثيرًا في مستقبل أي تفاهم، نظرًا لأن معظم المطالب الإسرائيلية والأميركية تتمحور حول دوره العسكري وسلاحه ونفوذه في الجنوب.
تبدو فرص التوصل إلى اتفاق شامل وسريع محدودة في المرحلة الحالية، خصوصًا مع استمرار العمليات العسكرية وتبادل الضربات على الأرض، وغياب الثقة المتبادلة، والانقسام الداخلي اللبناني، إضافة إلى تشابك الملف اللبناني مع الصراعات الإقليمية الأوسع، ومع ذلك إن أهمية هذه الجولة لا تكمن فقط في احتمالات نجاحها أو فشلها المباشر، بل في كونها تؤسس لمسار تفاوضي جديد قد يمتد لفترة طويلة، ويعيد رسم قواعد الاشتباك والعلاقة الأمنية بين لبنان وإسرائيل خلال السنوات المقبلة.
وعليه فإن مفاوضات واشنطن تمثل اختبارًا مزدوجًا يتعلق بمدى قدرة الولايات المتحدة على فرض مقاربة جديدة للاستقرار في جنوب لبنان، واختبارًا لقدرة الدولة اللبنانية على المناورة بين الضغوط الأميركية والإسرائيلية من جهة، والتوازنات الداخلية المعقدة من جهة أخرى، أما إسرائيل، فتسعى إلى استثمار الحرب لتحويل الإنجاز العسكري إلى ترتيبات سياسية وأمنية دائمة، في حين يحاول لبنان تجنب الانزلاق إلى اتفاق يُنظر إليه داخليًا باعتباره اتفاق استسلام أو تطبيع تحت النار.
فإن مستقبل هذه المفاوضات سيظل مرتبطًا بثلاثة عوامل رئيسية: تطورات الميدان العسكري، وحدود الضغط الأميركي على الطرفين، ومدى قدرة القوى اللبنانية الداخلية على إنتاج موقف موحد يوازن بين متطلبات وقف الحرب والحفاظ على الاستقرار والسيادة الوطنية.

