محمد حسن النبوي
باحث في وحدة الدراسات بمركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية ومتخصص في الشئون الإيرانية
يُعد التفاعل بين التيارين الإصلاحي البراجماتي والثوري أحد أبرز السمات التي ميزت النظام السياسي الإيراني منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية في عام 1979، فعلى الرغم من أن النظام يستند إلى مرجعية أيديولوجية واحدة تتمثل في مبادئ الثورة الإسلامية وولاية الفقيه، إلا إن عملية صنع القرار لم تكن يومًا نتاج هذه الرؤية، بل تشكلت من خلال الاتجاهات المختلفة لتحديد أولويات ومصالح الدولة وأدوات حماية مصالحها، وقد أفرز هذا الواقع نمطًا خاصًا من إدارة الحكم يجمع بين الالتزام بالثوابت العقائدية من جهة، والقدرة على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية من جهة أخرى.
وينطلق المنهج الثوري في هذا التفاعل من أولوية الحفاظ على هوية الثورة وتعزيز قدراتها على الردع باعتبارها الضامن الأساسي لاستقلال القرار الإيراني؛ إذ يرى أصحاب هذا التوجه أن البيئة الدولية تتسم بالصراع، وأن الاعتماد على التفاهمات الخارجية دون امتلاك أدوات القوة العسكرية قد يعرض أمن البلاد القومي للمخاطر، وهو ما يتطلب التمسك بالثوابت العقائدية وانتهاج استراتيجية للاعتماد على الذات.
وفي المقابل يرى التيار الإصلاحي أو البراجماتي أن تحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة يقتضي قدرًا أعلى من المرونة السياسية والدبلوماسية، والانفتاح الاقتصادي، واستثمار العلاقات الخارجية بما يخدم المصالح الوطنية ومواجهة الصراعات؛ حيث يركز هذا التيار على أهمية تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاندماج في المنظومة الإقليمية والدولية لتقليل أثر العقوبات وتجنب العزلة، وبين هذين المنهجين تشكلت معادلة سياسية حافظت على تماسك النظام، وأوجدت حالة من التنافس المستمر حول كيفية إدارة الملفات المختلفة. وقد ازدادت أهمية هذه العلاقة في السنوات الأخيرة مع تصاعد الضغوط الاقتصادية، وتعثر مسار الاتفاق النووي، والمواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل، واتساع نطاق الصراع في المنطقة.
وقد أفرزت هذه العلاقة مجموعة من التساؤلات حول حدود تأثير كل من التيارين في توجيه السياسة الإيرانية، وما إذا كانت التحولات الراهنة ستؤدي إلى ترجيح كفة أحدهما، أم أن النظام سيواصل الاعتماد على معادلة التوازن بين التيارين باعتبارها إحدى أدواته للحفاظ على الاستقرار وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات المتغيرة؟
أولًا: اتجاهات العلاقة بين التيارين
تُعد الديناميكية القائمة بين التيارين الثوري والإصلاحي إحدى أهم الركائز لتحليل السلوك الإيراني وتطور النظام السياسي منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية منذ عام 1979؛ حيث قامت النواة الأولى لهذا النظام على رؤية أيديولوجية تقوم على شعار الاستقلال عن القطبين الغربي والشرقي، وتأسيس نظام سياسي يستند إلى مبدأ ولاية الفقيه، وفي هذا السياق تبلور التيار الثوري بوصفه الحارس العقائدي لمبادئ الثورة، واستحوذ على الدعم المؤسسي مع تأسيس “حرس الثورة الإسلامية” (سپاه پاسداران)، ومع تصاعد التهديد الأمني الداخلي واندلاع الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988)، تزايد دور هذا التيار ليتحول من مجرد تنظيم دفاعي إلى أحد صانعي السياسة الإيرانية، كما لم تقتصر مهام الحرس الثوري على إدارة الجبهات بل امتدت تدريجيًا لتشمل التأثير الاستراتيجي وتعزيز قدرته على التأثير في مؤسسات الدولة المختلفة، وهو ما جعل الفكر الثوري الركيزة الأساسية لحماية النظام وضمان استمراريته في العقود الأولى.
وعقب انتهاء الحرب في عام 1988، وجدت الدولة الإيرانية نفسها أمام أزمات بنيوية تمثلت في التراجع الاقتصادي، وانهيار البنية التحتية، واستنزاف الموارد البشرية والمالية، وهو ما دفع في اتجاه إعادة التفكير في أدوات إدارة الدولة وظهور التيار الإصلاحي أو التيار التنموي الذي اقترن بالرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني خلال حقبة “الإعمار” (1989–1997)؛ حيث لم يهدف هذا التيار إلى الانقلاب على الثوابت الثورية أو تقويض أركان الجمهورية الإسلامية، بل سعى إلى تقديم استراتيجية جديدة لتحديد الأولويات والمصالح وأدوات تحقيقها. وتجسد ذلك في تأسيس حزب “كوادر البناء”، والانفتاح التدريجي على دول الجوار والدول الأخرى، وتحرير بعض القطاعات الاقتصادية لجذب الاستثمارات وتخفيف تداعيات العزلة الدولية.
ومع دخول القرن الحادي والعشرين استمر التيار الإصلاحي في تطوره واتخذ أشكالًا متعددة؛ حيث شهدت فترة محمد خاتمي (1997–2005) تركيزًا على الحوار الدبلوماسي والمجتمع المدني تحت شعار “حوار الحضارات” لتقليل التوتر الدولي، كما عادت البرجماتية لتبرز مجددًا وبقوة أكبر مع انتخاب الرئيس حسن روحاني (2013–2021)؛ حيث تمكن هذا التيار خلال هذه المرحلة من قيادة المسار الدبلوماسي المعقد الذي أثمر عن الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، ولعل هذا الاتفاق كان الأوضح لمسار هذا التيار؛ إذ اعتُبر مناورة استراتيجية لرفع العقوبات وإنعاش الاقتصاد، وحظي حينها بموافقة مشروطة من مرشد الثورة تحت ما أطلق عليه “المرونة الشجاعة”. في مقابل ذلك نظر التيار الثوري بحذر شديد لهذه المقاربة، معتبرًا أن الرهان على الانفتاح مع الولايات المتحدة والغرب ينطوي على سياسة اختراق ناعم تستهدف إضعاف مكامن القوة الإيرانية وتغيير سلوك النظام من الداخل، وهو ما فرض من وجهة نظرهم ضرورة التوازن بين سياسة الانفتاح وتطوير القدرات الصاروخية والمسيرة، وتعزيز “محور المقاومة” كعناصر ردع حيوية لحماية الأمن القومي.
توضح هذه التطورات التاريخية أن العلاقة بين التيارين الإصلاحي والثوري لا يمكن اختزالها في اتجاه الصراع، بل هي عملية تنافس على تحديد أدوات حماية المصالح الإيرانية تحت سقف النظام السياسي، فكلا التيارين يدين بالولاء الكامل لمؤسسة ولاية الفقيه ولشرعية الجمهورية الإسلامية، ويعملان على تحقيق هدف أسمى واحد وهو بقاء الدولة وتعزيز قدراتها، إلا أن الخلاف الجوهري يكمن في الوسائل والآليات؛ فالتيار الإصلاحي يرى أن حماية الدولة تتحقق بخفض مستوى التوتر الخارجية عبر الدبلوماسية المرنة، والاندماج الاقتصادي، وتحسين مستويات المعيشة للداخل. بينما يعتقد التيار الثوري أن الاعتماد على الذات، والحفاظ على التفوق العسكري، والتمسك بالخطاب العقائدي يمثل الرادع الوحيد والضامن الفعلي لمنع التدخلات الخارجية وحماية استقلال القرار الإيراني.
ويمكن الإشارة هنا إلى دور المرشد الأعلى وبعض المؤسسات مثل مجلس الأمن القومي الأعلى على إدارة هذه العلاقة وتحقيق التوازن بين الاتجاهين الثوري والإصلاحي؛ حيث يستثمر النظام السياسي هذا التنافس كأداة لتوزيع الأدوار، ففي بعض الحالات يتم استخدام التيار الإصلاحي لتفادي الأزمات وتخفيف الضغوط الشديدة عبر التفاوض عندما تقتضي الحاجة، بينما يُستدعى التيار الثوري لبناء القدرات العسكرية والردع وإظهار الصمود في أوقات التصعيد. ومن ثم، فإن تطور العلاقة بين التيارين على مدى الأربعة عقود الماضية يعكس اتجاهات المرونة المؤسسية التي مكنت إيران من الاستجابة للتحولات الإقليمية والدولية المعقدة والعمل على التكيف مع الضغوط الخارجيّة والداخلية دون أن يترتب على ذلك تغيير في البنية الأساسية للنظام السياسي للدولة.
ثانيًا: محددات العلاقة بين التيارين الإصلاحي والثوري وأثرها في صنع القرار السياسي
تُشكل العلاقة بين التيار الإصلاحي الذي يهدف إلى انتهاج استراتيجية الواقعية والمؤسسية، والتيار الثوري المستند إلى الأيديولوجيا والعقيدة، الديناميكية المحركة للنظام السياسي الإيراني، كما إن هذه العلاقة ليست مجرد تنافس شخصي على المناصب، بل في طريقة إدارة الدولة؛ حيث إن هناك رؤيتين مختلفتين، فالأولى تتعلق بمفهوم الدولة كشعار وبنية عقائدية يجب حمايتها، والثانية تتعلق بمفهوم الدولة ككيان وظيفي يحتاج إلى إدارة الموارد وتحقيق الاستقرار في ظل الواقع الداخلي والخارجي.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن هذا التدافع يظهر في المحدد الأيديولوجي والسياسي من خلال اختلاف رؤية كل تيار؛ حيث ينظر الثوريون إلى المبادئ والأسس التي قام عليها النظام باعتبارها عنصرًا لا يقبل المساومة وإن المرونة السياسية ماهي إلا مسار للتنازل أو التفريط في الشرعية التاريخية. في المقابل، يرى أنصار التيار الآخر إن الحفاظ على الأهداف الكبرى للنظام يقتضي بالضرورة مرونة في استخدام الوسائل والأدوات، وأن جمود الأفكار أمام تغير الظروف يؤدي إلى الفشل الهيكلي. كما يظهر هذا الاختلاف بوضوح عند التعامل مع القضايا المتعلقة بهوية النظام أو علاقاته الخارجية، حيث يرفض الثوريون التسويات التي قد تُفهم كتراجع عن الثوابت، بينما يسعى البرجماتيون للفصل بين المبادئ العامة والتطبيق العملي، وهو ما يتيح هامشًا للمناورة والتفاوض دون تهديد ركائز الدولة.
وفي ضوء ذلك، تتأثر هذه العملية بالمحددين الاقتصادي والأمني؛ إذ يلعب التهديد الخارجي والضغط الاقتصادي دورًا مفصليًا في إعادة توزيع النفوذ بين التيارين، ففي المراحل الأولى للأزمات أو عند تصاعد التهديدات العسكرية يمسك التيار الثوري بالمبادرة باعتباره القادر على التعبئة الجماهيرية وحشد القواعد الشعبية لحماية الدولة. غير أن إطالة أمد الأزمات وما يرافقها من استنزاف اقتصادي، وانخفاض في مستويات المعيشة، وتصاعد إمكانية المواجهة العسكرية، يؤدي تدريجيًا إلى التحول في اتجاه التيار البراجماتي لتخفيف التوتر وتنويع الخيارات وإدارة الموارد باعتبارها ضرورة لبقاء النظام نفسه، لتصبح التكلفة الاقتصادية والنتائج العملية للسياسات العامل الأساسي في إعادة توزيع الأوزان السياسية داخل إيران.
كما يلعب المحدد المؤسسي والقيادي دورًا في تحديد اتجاهات هذه العلاقة؛ حيث يتمركز التيار الثوري عادة في المؤسسات ذات الطابع الأيديولوجي والعسكري والأمني التي تعتمد على التعبئة والردع، بينما ينتشر البرجماتيون في الوزارات الخدمية والمؤسسات الاقتصادية والدبلوماسية. كما يتيح هذا الانقسام المؤسسي للقيادة السياسية العليا الفرصة لإدارة ميزان القوى بين الجانبين، بحيث تستخدم التيار الثوري كدرع حماية داخلي وللحفاظ على الخطاب التأسيسي للشرعية وكرادع للخصوم الخارجيين، بينما تمنح البراجماتيين المساحة لإدارة الملفات المعقدة والتفاوض وتجاوز العقوبات الاقتصادية. وبذلك يتحول الاختلاف من مبعث للصراع الدائم إلى آلية لتوزيع الأدوار تضمن استمرارية النظام وتكيفه مع الظروف الداخلية والإقليمية والدولية.
بالإضافة إلى ذلك، يأتي العامل الخارجي ليضيف تأثيراته في هذه المعادلة حيث تفرض البيئة الإقليمية والدولية ضغوطًا لا يمكن التغاضي عنها؛ حيث إن تصاعد العزلة الدولية أو فرض العقوبات يدفع النظام نحو تبني مقاربات برجماتية لتفكيك الضغوط وتحقيق مكاسب عملية، في حين أن التصعيد الخارجي المباشر يُعيد إنتاج الخطاب الثوري، وعلى المستوى الاجتماعي يؤدي تغير أولويات الشارع وإرهاقه من الشعارات إلى تحول مطالبه نحو الاستقرار الاقتصادي والخدمات الأساسية، وهو ما يمارس ضغطًا متواصلًا على صانع القرار لتبني سياسات أكثر واقعية ومرونة لتقليل الفجوة بين السلطة والمجتمع.
بجانب ذلك، ينعكس هذا التفاعل الهيكلي على مخرجات صنع القرار السياسي بأشكال متعددة، فقد ينتج عنه ما يُعرف بالازدواجية الاستراتيجية؛ حيث تُصدر الدولة قرارًا يتضمن خطابًا أيديولوجيًا يتوافق مع التيار الثوري والقواعد الشعبية، بالتوازي مع ممارسة سياسية مرنة وتفاوضية يخوضها البراجماتيون. وفي حالات أخرى، قد يتسبب التنافس بينهما إلى حدوث حالة من الانسداد السياسي وتضارب الرسائل السياسية الصادرة عن مؤسسات الدولة في حال غياب القيادة المرجعية.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن نجاح الأنظمة السياسية في هذا السياق يتوقف على مدى قدرة صانع القرار على الجمع بين ثبات الأهداف ومرونة الأدوات المستخدمة، ليصبح الاختلاف بين البرجماتيين والثوريين مصدرًا للتكيف والتوازن بدلًا من أن يكون سببًا للاستقطاب والجمود.
ثالثًا: انعكاسات العلاقة بين البرجماتيين والثوريين على السياسة الخارجية الإيرانية
تُمثّل السياسة الخارجية الإيرانية ساحة الاختبار الأكثر وضوحًا لقياس المحصلة النهائية للعلاقة بين التيارين؛ فهي لا تعبر عن موقف سياسي فقط، بل تشير إلى اتجاهات إدارة العلاقة بين التيارين يُديرها المرشد الأعلى ومجلس الأمن القومي الأعلى للموازنة بين الدبلوماسية وتخفيف العقوبات والثورة والردع العسكري وتعزيز النفوذ الإقليمي. فالتيار البراجماتي بدئًا من حقبة أكبر هاشمي رفسنجاني وصولًا إلى محمد جواد ظريف وحسن روحاني ينطلق من قناعة مفادها أن الاستقرار الاقتصادي والاندماج في السوق العالمي يُشكلان حجر الزاوية لبقاء النظام وتجنب العزلة. في المقابل يرى التيار الثوري بقيادة مؤسسات حرس الثورة الإسلامية أن المنظومة الدولية لا تحترم إلا لغة القوة العسكرية، وأن الرهان على التفاهمات مع الغرب مجرد أوهام لا تُوفر الأمن.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن هذا الانقسام بين الرؤيتين ظهر بوضوح في طريقة التعامل مع الملف النووي الإيراني؛ ففي حين قاد حسن روحاني عندما كان أمينًا لمجلس الأمن القومي الإيراني (1989–2005) مفاوضات سعد آباد في عام 2003 مع الثلاثي الأوروبي (فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة) ووافق على التجميد الطوعي لليورانيوم لدرء خطر التدخل الأمريكي بعد احتلال العراق، في حين اعتبر المحافظون والثوريون تلك الخطوة تراجعًا غير مقبول، وعقب ذلك استغل محمود أحمدي نجاد وسعيد جليلي (أمين مجلس الأمن القومي الأسبق وأحد أبرز رموز التيار الثوري) لرفع السقف النووي وتثبيت آلاف أجهزة الطرد المركزي. إلا أن الضغوط الاقتصادية الناجمة عن عقوبات نظام كريس وباراك أوباما عملت على إفساح المجال مجددًا للبرجماتيين؛ فقاد وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف مفاوضات انتهت بالتوقيع على “خطة العمل الشاملة المشتركة” (JCPOA) في عام 2015. ومع ذلك نظر التيار الثوري للاتفاق كهدنة مؤقتة؛ حيث استمر في تطوير البرنامج الصاروخي تحت إشراف أمير علي حاجي زاده، وتجلى ذلك في إجراء تجارب على صواريخ باليستية كُتب عليها باللغة العبرية أثناء نشاط الدبلوماسية البراجماتية، وهو ما عكس ازدواجية تجمع بين التفاوض وبناء قوة الردع العسكرية.
كما لم تقتصر هذه الاتجاهات على الملف النووي بل امتدت لتعريف النفوذ الإقليمي وإدارة العلاقات الخارجية، فبالنسبة للتيار البراجماتي يُمثل النفوذ الإقليمي ورقة ضغط وتفاوض جيو-سياسية تُستخدم على طاولة الدبلوماسية لتحسين الأوضاع الاقتصادية. بينما ينظر الثوريون و”فيلق القدس” إلى هذا النفوذ بوصفه “عقيدة الردع المتقدم” وعمقًا استراتيجيًا غير قابل للمساومة أو التجزئة، يهدف لنقل الجبهة خارج الحدود الإيرانية، وتجلت هذه الفجوة الهيكلية في التسريب الصوتي الشهير لوزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف عام 2021، حين تحدث عن فوز جناح “الميدان” (الذي يمثله قاسم سليماني) على اتجاه “الدبلوماسية”، مؤكدًا أن القرارات الخارجية الإقليمية في سوريا والعراق واليمن كانت تُصاغ أولوياتها في أروقة الحرس الثوري، بينما يُطلب من الخارجية التغطية الدبلوماسية لتلك السياسات فقط.
ومع تصاعد التوترات العسكرية الحادة والمواجهات المباشرة وغير المباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة بما في ذلك استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق عام 2024 ورد طهران المباشر عبر عمليات “الوعد الصادق” بإطلاق مئات الصواريخ والمسيرات، واغتيال إسماعيل هنية في قلب طهران وحسن نصر الله في بيروت، تغير ميزان صنع القرار بشكل كبير لصالح التيار الثوري؛ حيث أدت هذه الأزمات المتلاحقة إلى تعزيز الخطاب الثوري لتسريع بناء الردع الصاروخي والطائرات المسيرة، وتوسيع خيارات الرد المباشر، وتراجع المراهنة على الغرب، وهو ما أفسح المجال لرموز مثل محمد باقر قاليباف رئيس مجلس الشورى للعب دور مهم في صياغة المعادلة الأمنية، وعلى الرغم من حصر المساحة التنفيذية للبرجماتيين في أحداث التصعيد، إلا أن رؤيتهم لم تختفِ كليًا؛ إذ يظل صوتهم حاضرًا عبر التحذير من استنزاف موارد الدولة الاقتصادية، والدفع بنهج احتواء التصعيد من خلال بعض المسارات الدبلوماسية، واستثمار علاقات طهران مع بكين وموسكو وتفعيل اتفاقية الشراكة الاستراتيجية لمدة 25 عامًا مع الصين التي نسقها علي لاريجاني.
وتؤكد هذه التحولات المتسارعة أن السياسة الخارجية الإيرانية ليست نتاج هيمنة مطلقة ومستمرة لأحد التيارين، بل هي عملية توازن في إدارة الأزمات من خلال الجمع بين منطق القوة ومنطق المصلحة.
ويمكن القول إن نفوذ التيار الثوري ومؤسساته العسكرية يزداد كلما ارتفع مستوى التهديدات الأمنية والعسكرية الخارجية، في حين يتزايد احتياج النظام للبرجماتيين للتفاوض وكسر العزلة وتخفيف وطأة العقوبات المالية عندما تصبح الأزمات الاقتصادية تهديدًا للاستقرار الداخلي. وهذا التدافع المستمر بين “الميدان” و”الدبلوماسية”، هو ما يمنح السياسة الخارجية الإيرانية قدرتها الفريدة على الجمع بين التكتيكات التفاوضية المرنة والاستراتيجية العسكرية.
رابعًا: مستقبل العلاقة بين التيار البراجماتي والثوريين في ظل التحولات الإقليمية والدولية
تتجه العلاقة بين التيارين البراجماتي والثوري في إيران نحو إعادة التشكيل والتي لا يمكن قراءتها بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية المضطربة التي باتت تتسم بالسيولة الجيوسياسية والضغوط الأمنية والاقتصادية المتصاعدة، فقد أفضت عقود من العقوبات الغربية والتصعيد العسكري المباشر وغير المباشر مع إسرائيل والولايات المتحدة إلى إحداث تغيرات هيكلية في مركز ثقل السلطة لصالح التيار الثوري، ورغم أن هذا الصعود يمنح المؤسسات الأمنية والعسكرية نفوذًا غير مسبوق في رسم الاتجاهات الاستراتيجية، إلا أن تعقيدات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في الداخل تشكل القوة المعاكسة التي تمنع التيار البراجماتي من الاندثار، وهو ما يبقي الديناميكية التنافسية بينهما لا تزال قائمة.
ويمكن فهم هذه العملية من خلال القياس التحليلي بـ “البندول المؤسسي”؛ حيث يتحرك نظام الحكم في طهران بين القوة الصلبة والقوة الناعمة وفقًا لمستوى التهديدات الخارجية. فعندما ترتفع مؤشرات الخطر المباشر، يتأرجح البندول باتجاه التيار الثوري والمؤسسات الدفاعية وعلى رأسها حرس الثورة الإسلامية لتعزيز عقيدة الردع العسكري. وفي المقابل عندما تبلغ الضغوط الاقتصادية والتضخم المالي نقطة تهدد الاستقرار الاجتماعي والشرعية الداخلية يتأرجح البندول نحو البراجماتيين والتكنوقراط لتفعيل أدوات الدبلوماسية وتخفيف آثار العقوبات. كما إن هذا التذبذب البندولي لا يعبر عن اضطراب في الرؤية، بل يمثل آلية توازن ذاتية التوجيه تديرها مؤسسة المرشد الأعلى لضمان عدم وصول النظام إلى مرحلة الانكسار الهيكلي تحت أي من الضغطين الخارجي أو الداخلي.
كما تسلط قراءة الواقع السياسي في طهران الضوء على تزايد عسكرة البيئة السياسية وتضييق المساحات أمام المدنيين والتكنوقراط، ففي مواجهة سيناريوهات العزلة وضغوط الردع بالإنهاك اقتنع التيار الثوري بأن تقديم أية تنازلات بنيوية في الملفات السيادية، كالبرنامج النووي أو تطوير القدرات الصاروخية والمسيرة لن يقابل بحسن نية غربية بل سيُستغل لإضعاف الدولة من الداخل، وبناءً على ذلك رُسّخ مفهوم الاقتصاد المقاوم والمبادرة العسكرية المباشرة كخيارات لحماية بقاء الجمهورية الإسلامية، وتجسدت هذه الظاهرة في تصاعد حضور القيادات ذات الخلفية العسكرية والأمنية في أجهزة صنع القرار، بدءًا من مجلس الشورى الإسلامي برئاسة محمد باقر قاليباف، وصولًا إلى الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي الأعلى والوزارات الخدمية. وهذا الاندماج المؤسسي جعل خيارات المواجهة العسكرية هي المسار التلقائي في التعامل مع الأزمات الدولية؛ حيث أظهرت التطورات العسكرية الأخيرة أن التيار الثوري لم يعد يكتفي باستراتيجية الدفاع المتقدم عبر الحلفاء الإقليميين فحسب، بل دمجها بتكتيك المواجهة المباشرة من أرض الوطن لإعادة رسم الخطوط الحمراء الإقليمية وفرض قواعد اشتباك جديدة.
وعلى الرغم من الاتجاه الواضح نحو انتهاج الخطاب الثوري، تُظهر الظواهر الاقتصادية والاجتماعية الحالية أن النظام الإيراني لا يملك رفاهية تهميش الفكر البراجماتي؛ فمعدلات التضخم المرتفعة وتراجع القوة الشرائية للعملة الوطنية وازدياد المظالم الاجتماعية كلها عوامل تجعل إدارة الاقتصاد بمنطق الثورة أمرًا مهددًا للاستقرار الداخلي. ونتيجة لذلك لم تتغير البراجماتية بل شهدت تحولًا مفاهيميًا جادًا نحو ما يمكن تسميته بـ “البراجماتية الشرقية”. فقد أدركت النخبة أن مسار التفاهم الاستراتيجي الشامل مع واشنطن والدول الأوروبية بات معقدًا وشديد التكلفة، ولذلك تشكلت استراتيجية براجماتية جديدة تقوم على تعزيز الشراكات مع القوى الكبرى غير الغربية، وخاصة الصين عبر اتفاقية التعاون الاستراتيجي لـ 25 عامًا وروسيا. وتجسد هذا التوجه في انضمام إيران الرسمي إلى منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس لتحقيق هدفين متضادين ظاهريًا لتوفير منافذ مالية وتجارية لتنمية الاقتصاد من جهة، والحفاظ على ثوابت الخطاب المناهض للهيمنة الغربية دون تقديم تنازلات أيديولوجية، كما تجلت هذه الاستراتيجية في اتفاق إعادة العلاقات مع المملكة العربية السعودية برعاية صينية، وهو ما يعكس قدرة صانع القرار الإيراني على تحييد الجبهات الإقليمية وتخفيف حدة التوتر الجيوسياسي المحيط بالبلاد عندما تستدعي المصلحة الوطنية ذلك.
ولتفكيك المسار المستقبلي للعلاقة بين التيارين، يمكن استخدام قياس “التكافل البيولوجي”، حيث لا يستطيع أي من التيارين الاستغناء عن الآخر دون أن يعرض الكائن الأساسي المتمثل في الدولة للخطر، وبناءً عليه لن يتحول التنافس بين الثوريين والبراجماتيين إلى انقسام صفري أو صراع، لأن نقطة الارتكاز الأيديولوجية والمؤسسية للمؤسستين ثابتة ولا تتغير وستظل الاستراتيجية الإيرانية العليا تُبنى على مبدأ توزيع المهام؛ حيث يُمنح التيار الثوري القيادة الصريحة في أوقات المواجهة العسكرية والتهديدات الأمنية المباشرة لردع الخصوم، بينما يُستدعى التيار البراجماتي والتكنوقراطي للتدخل في إدارة المفاوضات وإيجاد الحلول الاقتصادية والتجارية لتجنب التداعيات السلبية. وهو ما يعني أن مستقبل السياسة الإيرانية يتجه نحو صياغة استراتيجية هجينة بين التيارين.
في الختام: إن مستقبل السياسة الإيرانية لن تتحدد ملامحه بهيمنة أحد التيارين على حساب الآخر، بل من خلال نموذج التعاون بين القوة والمنفعة، ومن ثم ستظل القرارات الاستراتيجية الكبرى في طهران من خلال الجمع بين متطلبات الأمن القومي والردع العسكري من جهة، وحسابات النمو الاقتصادي وتعزيز الاستقرار الاجتماعي من جهة أخرى. وبناءً عليه، يظل تحليل هذا التدافع والتوازن بين البراجماتية والثورية المرتكز الأساسي لتفكيك السلوك الإيراني وقراءة اتجاهاته المستقبلية في أوقات السلم والتصعيد على حد سواء.
كما تكشف العلاقة بين التيارين البراجماتي والثوري عن الخصوصية الهيكلية التي يتميز بها النظام السياسي في إيران؛ فهو نظام يمتلك قدرة فريدة على استيعاب الاختلافات في أساليب إدارة الدولة دون أن يترتب على ذلك تغيير المرتكزات العقائدية أو الهوية المؤسسية للجمهورية الإسلامية. فالتنافس الممتد بين التيارين لا يمثل صراعًا على شرعية النظام، بل يظل سجالًا حول الوسائل والآليات الأكثر فاعلية، بين من يرى في تعزيز الردع والمواجهة الميدانية الضمان الوحيد لحماية السيادة، ومن يعتقد أن الدبلوماسية والانفتاح الاقتصادي هما السبيل الأفضل لخفض الضغوط الخارجية وصيانة الاستقرار الداخلي.
وقد أثبتت العقود الأربعة الماضية أن ميزان التأثير والنفوذ بين البراجماتيين والثوريين يتشكل من خلال اتجاهات الاستجابة للبيئة الأمنية والاقتصادية. فكلما تصاعدت التهديدات العسكرية وسادت حالة الاستقطاب الإقليمي، اتسعت مساحة تأثير التيار الثوري والمؤسسات الدفاعية؛ بينما تستعيد البراجماتية دورها عندما تبلغ الأزمات المعيشية أو الضغوط الاقتصادية نقطة تتطلب حلولًا مرنة وتفاهمات دبلوماسية.
ومع ذلك، فإن صعود أحد التيارين لا يفضي في النموذج الإيراني إلى إلغاء الآخر أو إقصائه الكلي، بل يقود دائمًا إلى إعادة توزيع التكليفات والأدوار تحت مظلة للمرشد الأعلى ومؤسسات اتخاذ القرار. وتكفل عملية إعادة التوزيع هذه للحكم قدرة عالية على المناورة التكتيكية؛ إذ تُستغل القوة الصلبة لبناء أوراق الضغط والردع العسكري، في حين تُستثمر الدبلوماسية المرنة لتفادي المواجهات الصفرية المباشرة والحصول على المكاسب السياسية والاقتصادية متى دعت الحاجة.
وفي ظل البيئة الجيوسياسية الراهنة المعقدة والمتسارعة، يُرجح أن تظل السياسة الإيرانية مرهونة بهذا التفاعل التكاملي والتنافسي في آن واحد؛ حيث إن الفهم الأعمق لسلوك إيران، سواء في مساراتها التفاوضية أو تحركاتها العسكرية يكون من خلال تحليل المنظومة التي تدير استراتيجيتها العليا عبر التوازن بين الرؤيتين، وهو ما يمنحها القدرة على الاستمرار والتكيف مع التحولات الداخلية والإقليمية والدولية.

