عمرو رشاد إسماعيل
باحث في الشئون الإفريقية
تشهد الساحة السودانية تطورات متسارعة مع استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في ظل متغيرات ميدانية وسياسية تعيد تشكيل خريطة الصراع. ولعل أحدث هذه التطورات يتمثل في إعلان قوات الدعم السريع نيتها تشكيل حكومة موازية في المناطق التي تسيطر عليها، وهو ما يعكس سعيها إلى إضفاء طابع الشرعية على وجودها العسكري والسياسي.
وقد جاء هذا الإعلان في وقت تشهد فيه قوات الدعم السريع تراجعًا ميدانيًا في عدة مناطق، بعد سلسلة من الهزائم التي ألحقتها بها قوات الجيش، وهو ما دفعها إلى البحث عن بدائل تعزز من موقفها التفاوضي أو تخلق واقعًا جديدًا على الأرض. ورغم أن فكرة الحكومة الموازية تظل غير مؤكدة التنفيذ في ظل غياب وحدة الفصائل المكونة لها، إلا أن مجرد طرحها يضيف بُعدًا جديدًا إلى الصراع، ويعكس سعي هذه القوات إلى ترسيخ نفوذها كقوة سياسية، وليس فقط كطرف عسكري في المعادلة السودانية.
بجانب ذلك، جاءت هذه الخطوة وسط اتهامات دولية بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين، وهو ما يزيد من تعقيد موقفها على الساحة الدولية. فبالتزامن مع هذا الإعلان، شهدت مناطق في دارفور والنيل الأبيض مجازر مروعة؛ حيث قُتل المئات في هجمات نسبت إلى قوات الدعم السريع، وهو ما دفع المجتمع الدولي إلى إصدار إدانات واسعة، خاصة من الولايات المتحدة التي فرضت عقوبات على قادة بارزين في المجموعة.
في المقابل، يرى قادة الدعم السريع أن تشكيل حكومة موازية أن خطوة ضرورية لمواجهة ما يصفونه بـ”انفراد الجيش بالسلطة” ومحاولته إعادة إنتاج النظام العسكري، وهو خطاب يحاول استمالة قوى المعارضة المدنية وكسب تأييدها. ومع ذلك، يواجه هذا المشروع عقبات كبيرة، منها عدم الاعتراف الدولي بأي كيان سياسي ينبثق عن فصيل عسكري، إضافة إلى انقسامات داخلية بين قادة المعارضة السودانية حول دعم هذه الخطوة أو رفضها.
من الناحية الميدانية، فإن التحركات السياسية لقوات الدعم السريع لا يمكن فصلها عن التطورات العسكرية الأخيرة بعدما تمكن الجيش السوداني من تحقيق تقدم ملموس في عدة جبهات، أبرزها السيطرة على ود مدني وأم روابة وأجزاء واسعة من الخرطوم بحري. وهذه الانتصارات جعلت الجيش في موقع أكثر قوة، وأضعفت قدرة الدعم السريع على فرض واقع سياسي جديد عبر الحكومة الموازية. في الوقت ذاته، يستمر الدعم الإقليمي لقوات الدعم السريع، خصوصًا من بعض الدول التي ترى في استمرار الحرب وسيلة لحماية مصالحها الاستراتيجية في السودان. ويبقى التساؤل حول مدى قدرة الدعم السريع على تنفيذ مشروعه السياسي وسط خسائره الميدانية، خاصة أن سيطرته العسكرية تظل هشة في ظل الضربات الجوية المستمرة من الجيش السوداني.
على الجانب الآخر، يدرك الجيش السوداني أن الحسم العسكري وحده قد لا يكون كافيًا لإنهاء الأزمة، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات متعددة، أبرزها استمرار المعارك أو الدخول في مفاوضات سياسية بشروط جديدة يفرضها ميزان القوى على الأرض. وفي كل الأحوال، يظل الشعب السوداني هو الضحية الأكبر لهذا الصراع المستمر، في ظل كارثة إنسانية متفاقمة، تستدعي تدخلًا دوليًا أكثر فعالية لإيقاف الحرب ووضع أسس لحل سياسي شامل.
وفي ضوء هذه التطورات تهدف الدراسة إلى تسليط الضوء على تطورات المشهد السوداني في ضوء الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، فبعد إعلان الدعم السريع تشكيل حكومة موازية يتجه المشهد السوداني نحو مزيد من التعقيد؛ حيث يتداخل العامل العسكري مع السياسي في تحديد مستقبل الصراع، كما إن إعلان الحكومة الموازية قد يكون خطوة رمزية أكثر من كونه مشروعًا قابلًا للتنفيذ، ولكنه في الوقت نفسه يعكس إدراك قوات الدعم السريع لحجم التحديات التي تواجهها في ظل تراجعها العسكري، وهو ما يمكن تناوله في المحاور الآتية:
أولًا: الحرب السودانية أولوية قمة الاتحاد الإفريقي الـ38
شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، يومي 15 و16 فبراير 2025، انعقاد القمة الثامنة والثلاثين للاتحاد الإفريقي، وسط تحديات وفرص لإعادة رسم مستقبل القارة السمراء، وقد جاءت القمة في توقيت بالغ الأهمية؛ حيث تواجه إفريقيا ملفات شائكة تتراوح بين الأمن الإقليمي، والتغيرات المناخية، والتحولات الاقتصادية، وهو ما جعل هذه القمة محط أنظار العالم، بحثًا عن حلول إفريقية خالصة لمشكلات طال انتظار معالجتها بعدما اجتمع قادة الدول الأعضاء، جنبًا إلى جنب مع شخصيات دولية بارزة، لمناقشة قضايا التنمية المستدامة، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وحل النزاعات، ودفع عجلة التحول الرقمي في القارة.
ويأتي توقيت انعقاد القمة الإفريقية في إطار مشهد إفريقي عام يواجه العديد من التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي تضفي مزيدًا من التعقيد على السياق الإفريقي، لا سيما تطورات الأوضاع في الحرب السودانية؛ حيث ناقشت القمة الإفريقية مجموعة من القضايا البارزة التي طُرحت أمام القادة الأفارقة المشاركين.
وقد حذر زعماء أفارقة ومسئولون دوليون من استمرار القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، داعين إلى وقف العدائيات وإيصال المساعدات الإنسانية. وأكد رئيس الاتحاد الأفريقي، محمد الشيخ الغزواني، أنه بحث مع رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان ضرورة وقف الحرب، فيما شدد رئيس الاتحاد للعام 2025، جواو لورينسو، على أهمية تعزيز التعاون الأفريقي لإيجاد حلول سلمية للصراعات في القارة، كما أشار مفوض الاتحاد الأفريقي المنتهية ولايته، موسى فكي، إلى أن الحرب في السودان تساهم في تفاقم النزاعات الإقليمية وتوسع الإرهاب والجريمة المنظمة، وهو ما يزيد من حركة النزوح وعدم الاستقرار.
وضمن السياق ذاته، أكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن السودان يشهد أكبر موجة نزوح ومجاعة، مطالبًا المجتمع الدولي بالتحرك لوقف تدفق الأسلحة وإنهاء سفك الدماء، فيما رحبت وزارة الخارجية السودانية بتقدم دول أعضاء في الاتحاد الإفريقي بمقترح لإدانة تمرد الدعم السريع على الدولة ووقوفها مع الشرعية والحكومة السودانية والقوات المسلحة ودعم خارطة الطريق لتشكيل حكومة مدنية انتقالية. كما رحبت قوى سودانية بانعقاد المؤتمر الإنساني رفيع المستوى لدعم الشعب السوداني، وعبرت عن الامتنان للتبرعات التي أعلنت عنها بعض الدول لدعم المساعدات الإنسانية في السودان.
ثانيًا: أهداف ومنطلقات تشكيل الحكومة الموازية في السودان
في مطلع عام 2025 سعت قوات الدعم السريع، التي تخوض صراعًا دمويًا ضد الجيش السوداني منذ أبريل 2023، إلى تعزيز موقفها السياسي والعسكري عبر الإعلان عن مساعٍ لتشكيل حكومة موازية في المناطق الخاضعة لسيطرتها. وقد تجلّت هذه المساعي في فعالية سياسية بارزة نُظّمت في العاصمة الكينية نيروبي؛ حيث حضر قادة بارزون من قوات الدعم السريع، يتقدمهم عبد الرحيم دقلو، في محاولة لإضفاء طابع الشرعية على سلطتهم. رغم عدم التوقيع الفوري على الميثاق التأسيسي للحكومة الموازية، إلا أن الحدث كان بمثابة خطوة رمزية تعكس نية قوات الدعم السريع على تكريس سيطرتها السياسية، متجاوزة بذلك كونها مجرد قوة عسكرية متمردة. كما أن اختيار نيروبي، عاصمة إحدى الدول الإقليمية الفاعلة، يعكس الأبعاد الخارجية لهذه الخطوة، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى الدعم الإقليمي والدولي لهذه المبادرة، خاصة في ظل الاتهامات الموجهة لقوات الدعم السريع بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
ويمكن القول إنه في ظل المكاسب العسكرية التي حققها الجيش السوداني مؤخرًا، يبدو أن قوات الدعم السريع تسعى إلى تعويض خسائرها الميدانية عبر هذا المسار السياسي ضمن أهدافها المتعلقة بإضفاء الشرعية على سلطتها في المناطق التي تسيطر عليها. وهو ما يعكس محاولتها ترسيخ نفوذها ليس فقط كقوة عسكرية، بل ككيان سياسي قادر على التفاوض وفرض رؤيته لمستقبل السودان. ويعدّ استقطاب عبد العزيز الحلو، زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، إلى هذا المسار خطوة تكتيكية تهدف إلى تعزيز الجبهة السياسية لقوات الدعم السريع، وإضفاء طابع تعددي على مشروعها السياسي. إلا أن هذه المحاولة تواجه عقبات كبيرة، أبرزها عدم الاعتراف الدولي بهذه الخطوة، فضلًا عن التحديات الداخلية الناجمة عن الصراع المستمر؛ حيث لا يزال الجيش السوداني يمضي قدمًا في استعادة المدن الكبرى وتعزيز سيطرته، وهو ما يضع قوات الدعم السريع في موقف دفاعي، كما يجعل من مشروعها السياسي أكثر هشاشة.
بجانب ذلك، تكشف التحركات الأخيرة لقوات الدعم السريع في كينيا تكشف عن أبعاد إقليمية أوسع للصراع السوداني؛ حيث تتزايد المؤشرات على وجود بعض الأطراف الإقليمية قد تكون داعمة لهذه المبادرة، أو على الأقل تسمح بحدوثها لتحقيق مصالحها الخاصة؛ حيث أثارت استضافة كينيا لهذا الحدث جدلًا واسعًا، خاصة في الأوساط السودانية التي رأت فيه انحيازًا محتملًا لصالح قوات الدعم السريع، وهو ما يعكس تعقيد المشهد الإقليمي المحيط بالأزمة السودانية. كما أن استمرار الدعم العسكري والمالي من بعض الدول لقوات الدعم السريع يمنحها القدرة على الصمود رغم الانتكاسات الميدانية، وهو ما يعزز من احتمالات استمرار الصراع لفترة أطول.
ومع ذلك، فإن خطوة تشكيل حكومة موازية قد تكرس الانقسام في السودان، على غرار ما حدث في دول أخرى شهدت نزاعات مماثلة، وهو ما ينذر بمزيد من التعقيد في الحلول السياسية المستقبلية.
ورغم أن قوات الدعم السريع تحاول فرض أمر واقع سياسي جديد عبر مشروع الحكومة الموازية، إلا أن نجاح هذا المسعى يظل موضع شك كبير في ظل غياب الاعتراف الدولي، والتحديات العسكرية التي تواجهها على الأرض. فالجيش السوداني، الذي يحقق تقدمًا متسارعًا في عدة جبهات، قد يسعى إلى تقويض هذه المبادرة عبر استمرار العمليات العسكرية في مواجهة قوات الدعم السريع، وإضعاف نفوذها في المناطق التي تسيطر عليها. كما أن الانقسامات الداخلية داخل السودان، سواء بين القوى السياسية أو داخل قوات الدعم السريع نفسها، قد تعيق تحقيق أي استقرار سياسي طويل الأمد. وفي ظل هذا الوضع، فإن مستقبل السودان يظل رهينًا بمجموعة من العوامل منها التطورات العسكرية الميدانية، ومدى قدرة الأطراف المتحاربة على الوصول إلى تسوية سياسية حقيقية تنهي دوامة العنف المستمرة منذ ما يقارب العامين.
على الجانب الآخر، حددت قوات الدعم السريع مجموعة من الأهداف من وراء تشكيل هذه الحكومة على النحو الآتي:
1. تحقيق الأمن والخدمات الأساسية: تسعى قوات الدعم السريع من خلال الإعلان عن تشكيل حكومة موازية في مناطق سيطرتها إلى فرض نفسها كطرف رئيسي في المشهد السياسي السوداني، في ظل استمرار الحرب مع الجيش منذ أبريل 2024. ووفقًا لما صرح به مستشار الدعم السريع، مصطفى محمد إبراهيم، فإن الهدف الأساسي لهذه الحكومة هو توفير الأمن والخدمات الأساسية للمواطنين الذين يعانون من تداعيات النزاع المسلح. ومع تزايد الفوضى الأمنية، والانهيار الاقتصادي، وتدهور الأوضاع الإنسانية.
بجانب ذلك، تسعى الحكومة إلى تقديم بديل يمكنه تحسين أوضاع السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، وهو ما يعكس رغبتها في تعزيز نفوذها محليًا ودوليًا. كما أن هذه الخطوة تمثل محاولة لإضفاء الشرعية على وجود الدعم السريع ككيان سياسي مستقل قادر على إدارة شئون المناطق التي يسيطر عليها، خاصة بعد أن فقدت الحكومة المركزية في الخرطوم قدرتها على فرض سيادتها الكاملة على كل أراضي السودان.
2. تثبيت النفوذ السياسي والعسكري في السودان: يمثل تشكيل الحكومة الموازية خطوة استراتيجية لقوات الدعم السريع لترسيخ وجودها ليس فقط كقوة عسكرية، بل أيضًا كفاعل سياسي يسعى إلى إدارة شئون البلاد في ظل انقسام التحالفات المدنية والسياسية. فمن خلال هذه الحكومة، تسعى قوات الدعم السريع إلى تقديم نفسها كبديل عملي وفعال للحكومة التي يقودها الجيش في بورتسودان، خاصة أن الحرب المستمرة أضعفت سلطة الدولة المركزية، وهو ما أتاح الفرصة لهذه الجماعة لإثبات قدرتها على الحكم. إضافة إلى ذلك، فإن تشكيل الحكومة يأتي في سياق انقسامات داخل التحالفات المدنية؛ حيث تباينت المواقف بين مؤيد لتشكيل حكومة موازية وبين رافض يرى أن ذلك سيزيد من تعقيد الأزمة السودانية. ورغم الانتقادات الواسعة لهذه الخطوة، فإن الدعم السريع يراهن على أن السيطرة على مناطق استراتيجية وتقديم خدمات فعلية للمواطنين سيجعل الحكومة الموازية خيارًا مقبولًا لكثيرين في ظل غياب بدائل أخرى أكثر فاعلية.
3. تعزيز موقف الدعم السريع في أي تسوية سياسية قادمة: من منظور استراتيجي، تسعى قوات الدعم السريع عبر تشكيل الحكومة الموازية إلى تحسين موقعها التفاوضي في أي محادثات سلام مستقبلية. فإعلان حكومة في مناطق سيطرتها يمنحها ميزة في فرض شروطها خلال أي مفاوضات دولية حول إنهاء الحرب أو تشكيل حكومة انتقالية جديدة. كما أن هذه الخطوة قد تساعد في استقطاب قوى سياسية وحركات مسلحة تسعى إلى دور أكبر في المشهد السياسي السوداني. ومن خلال هذا التحرك، يسعى الدعم السريع إلى إيصال رسالة للمجتمع الدولي مفادها أنه يمتلك القدرة على إدارة شئون البلاد، وليس مجرد ميليشيا مسلحة، بل طرف سياسي يجب الاعتراف به في أي ترتيبات مستقبلية. وعلى الرغم من المخاوف من أن يؤدي هذا التحرك إلى مزيد من تقسيم السودان، فإن قوات الدعم السريع تبدو مصممة على المضي قدمًا، مستغلة الوضع الميداني لصالحها، وساعية إلى تحقيق مكاسب على الأرض تترجم إلى نفوذ سياسي في المستقبل.
ثالثًا: خلاف حول رئاسة الحكومة الموازية
يشهد مشروع تشكيل الحكومة الموازية في السودان خلافات حادة بين مكوناته، خاصة حول رئاسة مجلس السيادة، وهو ما أدى إلى تأجيل التوقيع على الميثاق السياسي التأسيسي دون تحديد موعد جديد. ويتمحور الخلاف بين قوات الدعم السريع، التي ترى نفسها صاحبة المبادرة، وبين الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، الذي يتمسك برئاسة المجلس، مبررًا ذلك برفض الجيش الشعبي أن يقوده جيش آخر.
وفي ظل هذا النزاع، تتداول الأطراف عدة مقترحات لحل الأزمة، من بينها توزيع الصلاحيات بين المجلس والرئيس، فيما طُرحت كاودا في جنوب كردفان كخيار محتمل لمقر الحكومة الموازية، وسط مساعٍ لتأمين المقر بدعم خارجي. كما شهدت نيروبي مؤخرًا إعلان تحالف “السودان التأسيسي – تأسيس”، الذي يضم قوى سياسية وحركات مسلحة وزعامات محلية، بهدف تشكيل سلطة موازية للحكومة في بورتسودان. ومع استمرار الخلافات، تكثف قوات الدعم السريع جهودها لإقناع فصائل أخرى، مثل حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، بالانضمام إلى التحالف لتعزيز موقفها. ومع ذلك، فإن غياب التوافق الداخلي واشتداد النزاع حول السلطة يهددان بعرقلة المشروع، وهو ما يعكس الانقسامات العميقة داخل القوى المعارضة للحكومة الحالية.
ومن خلال التعاون مع بعض الجماعات المتحالفة معها وقّعت قوات الدعم السريع ميثاقًا سياسيًا في العاصمة الكينية نيروبي في 22 فبراير 2025، بهدف تشكيل حكومة “سلام انتقالية” موازية لتلك التي يمثلها مجلس السيادة السوداني، فيما سارعت السلطات السودانية إلى التنديد بها، واعتبرتها “استهجانًا بالغًا”، كما استنكرت الخارجية السودانية استضافة كينيا لهذه الاجتماعات ووصفتها بأنها دعم “لميليشيا متمردة”.
كما غاب قائد قوات الدعم السريع “حميدتي” عن مراسم التوقيع، بينما حضر قائدها الثاني “عبد الرحيم دقلو” إلى جانب قائد الحركة الشعبية بقيادة “عبد العزيز الحلو”، ويشير ذلك إلى أن قوات الدعم السريع تسعى إلى تشكيل حكومة تشمل قوى سياسية وحركات مسلحة في مناطق سيطرتها، لتكون “موازية” لحكومة مجلس السيادة السوداني، التي تعمل حاليًا من بورتسودان.
وقدنصّ “الميثاق السياسي” على مبادئ أساسية، أبرزها “علمانية وفيدرالية الدولة”، ووحدة السودان الطوعية، مع حق الشعوب في تقرير المصير إذا تعذرت الوحدة، بالإضافة إلى تأسيس “جيش وطني بعقيدة جديدة”، كما استخدم الميثاق تعبير “الشعوب السودانية” بدلًا من “الشعب السوداني”، مشددًا على الهوية السودانية، تستند إلى التنوع التاريخي والمعاصر، وعلى ضرورة إقامة دولة قائمة على مبادئ الحرية والعدل والمساواة، كما تضمن الميثاق 32 بندًا، شملت حظر تأسيس أي حزب أو تنظيم سياسي على أساس ديني، وإنشاء جيش جديد يعكس تنوع الأقاليم السودانية، وإخضاعه للرقابة المدنية، إضافة إلى تأسيس جهاز مخابرات مستقل غير خاضع لأي ولاءات سياسية. كما أكد على أهمية تحقيق العدالة والمحاسبة التاريخية، وإنهاء الإفلات من العقاب، وتجريم التطرف والانقلابات العسكرية، مع التأكيد على ضرورة بناء نظام حكم ديمقراطي تعددي يتيح للأقاليم إدارة شئونها السياسية والاقتصادية.
ثالثًا: المواقف الداخلية والإقليمية والدولية من تشكيل الحكومة الموازية
ثمة مجموعة من الاتجاهات التي أوضحت المواقف المختلفة للكثير من القوى والفواعل الداخلية والخارجية، ومن أهمها:
1. موقف الحكومة السودانية: تبنت حكومة عبد الفتاح البرهان موقفًا مناهضًا ضد محاولات تشكيل حكومة موازية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، معتبرةً هذه الخطوة تهديدًا مباشرًا لوحدة السودان وسيادته. وأكدت الحكومة، التي تتخذ من بورتسودان مقرًا لها، رفضها القاطع لأي كيان بديل، مشددة على أن مجلس السيادة هو السلطة الشرعية المعترف بها دوليًا. وفي هذا السياق، استدعت وزارة الخارجية السودانية سفيرها لدى كينيا للتشاور، ردًا على استضافة نيروبي لاجتماعات تشكيل الحكومة الموازية، متوعدة باتخاذ “إجراءات لصون أمن السودان وحماية سيادته ووحدة أراضيه”. وقد جاء هذا التصعيد في وقت تمكن فيه الجيش السوداني من استعادة عدد من المدن الرئيسية التي كانت تحت سيطرة الدعم السريع، لا سيما في الخرطوم وولاية الجزيرة، وهو ما عزز من موقفه العسكري والسياسي.
ومع تصاعد التحركات الداعمة لتشكيل حكومة بديلة، أعلن مجلس السيادة السوداني تشكيل حكومة انتقالية برئاسة شخصية تكنوقراطية، في خطوة تهدف إلى قطع الطريق أمام أي محاولات لإضفاء شرعية على الكيان الموازي. ويعكس هذا التحرك رغبة الحكومة السودانية في تثبيت سلطتها ومواجهة الانقسامات الداخلية المتنامية، خاصة في ظل تفاعل القوى السياسية السودانية مع انتصارات الجيش، ومن ثم فإن تشكيل حكومة موازية قد يؤدي إلى تعميق الأزمة السياسية وإطالة أمد النزاع، وهو ما يدفع حكومة البرهان إلى اتخاذ مواقف أكثر حزمًا للحفاظ على استقرار البلاد ومنع تفككها في ظل الصراع المستمر.
2. موقف القوى المدنية في السودان: انقسمت القوى المدنية في السودان حول خطوة تشكيل حكومة موازية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، وهو ما أدى إلى تفكك تحالف “تقدم” المؤيد لوقف الحرب، وانبثاق تحالف جديد باسم “صمود” بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، الذي أعلن تبنيه موقف الحياد. ويرى تحالف “صمود” أن تشكيل حكومة جديدة سيؤدي إلى تعقيد الأوضاع في البلاد، ويزيد من خطر تفتيتها، مؤكدًا التزامه بالنضال المدني الديمقراطي دون الانخراط في أي ترتيبات حكومية. وأعلنت نحو 60 جهة سياسية ومهنية وأهلية منضوية تحت “صمود” رفضها القاطع للحكومة الموازية، معتبرة أنها ستؤدي إلى تفاقم الأزمة، وتعزز استمرار الحرب التي ألحقت بالسودانيين أكبر كارثة إنسانية في العالم. كما حذّر التحالف من أن هذه الخطوة تمنح فرصة لعناصر النظام السابق للعودة إلى المشهد السياسي، وإعادة إنتاج نظام سلطوي أكثر قسوة. في المقابل، تدافع مجموعة أخرى داخل التحالف المدني عن خيار تشكيل حكومة كأداة ضرورية لمواجهة الأزمة، وتشارك في المشاورات الجارية في نيروبي. ووسط هذا الانقسام، تتزايد المخاوف من أن يؤدي تأسيس حكومة موازية إلى تعميق الانقسام السياسي والميداني في السودان، خصوصًا مع استمرار سيطرة كل من الجيش والدعم السريع على أجزاء من العاصمة الخرطوم ومناطق أخرى.
الموقف المصري: تبدي مصر موقفًا واضحًا في دعم مؤسسات الدولة السودانية الرسمية؛ حيث تتعامل مع مجلس السيادة السوداني باعتباره السلطة الشرعية المعترف بها دوليًا، ورفض أي محاولات لتشكيل حكومة موازية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع؛ حيث تعكس السياسة الخارجية المصرية تجاه الأزمة السودانية موقفًا ثابتًا يتمثل في دعم وحدة السودان واستقراره، مع رفض أي خطوات قد تؤدي إلى تعميق الانقسام الداخلي.
ويعزز هذا التوجه إعلان وزير الخارجية المصرية بدر عبد العاطي خلال لقائه نظيره السوداني في مؤتمر ميونيخ للأمن؛ حيث أكد دعم مصر لوحدة السودان وسيادته، وحرصها على تعزيز استقراره السياسي. ويرى مراقبون أن التحركات الرامية إلى تشكيل حكومة بديلة تأتي كرد فعل على الانتصارات التي حققها الجيش السوداني مؤخرًا، وهو ما يدفع بعض الأطراف إلى البحث عن دور سياسي مستقبلي بعد انتهاء الحرب، كما تتعارض هذه الخطوة مع المساعي المصرية لحل الأزمة السودانية عبر الحوار السياسي؛ إذ سبق للقاهرة أن استضافت مؤتمرًا للقوى السياسية والمدنية السودانية تحت شعار “معًا لوقف الحرب”، بهدف توحيد الجهود لإيجاد حل سلمي للأزمة. وبالتالي، فإن تشكيل حكومة موازية لا يتماشى مع الرؤية المصرية القائمة على دعم استقرار السودان من خلال عملية سياسية شاملة يشارك فيها جميع الأطراف دون تدخلات خارجية.
3. الموقف الكيني: تبنّت كينيا موقفًا داعمًا لتشكيل الحكومة الموازية في السودان، وهو ما ظهر من خلال استضافتها اجتماعات توقيع “وثيقة إعلان سياسي” ودستور مؤقت لتأسيس هذه الحكومة، بمشاركة ممثلين عن قوات الدعم السريع وأحزاب سودانية، من بينها حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي (الأصل)، بالإضافة إلى شخصيات بارزة مثل عبد العزيز الحلو، قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال، وعضوي مجلس السيادة السابقين الهادي إدريس والطاهر حجر. وقد أثار هذا الموقف الكيني استياء الحكومة السودانية في بورتسودان، التي استدعت سفيرها لدى كينيا للتشاور، في خطوة تعكس رفضها القاطع لهذا التحرك واعتبارها له تدخلًا في الشئون الداخلية السودانية.
4. الأمم المتحدة: أعربت الأمم المتحدة عن قلقها البالغ إزاء إعلان قوات الدعم السريع نيتها تشكيل حكومة موازية في السودان، محذرة من أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة المستمرة في البلاد. وأكد المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن أي تحرك من شأنه تعميق الانقسام في السودان سيزيد من تعقيد الأزمة، مشددًا على أهمية الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها. كما أوضح أن الأمم المتحدة تتابع الوضع عن كثب، محذرة من أن تشكيل حكومة بديلة قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد في النزاع القائم بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وهو ما قد يعرقل أي جهود تسوية سياسية. يأتي هذا التحذير في ظل استعداد قوات الدعم السريع للإعلان عن “ميثاق تأسيسي” لحكومة جديدة، في خطوة أثارت انقسامات حتى داخل القوى المتحالفة معها. وتؤكد الأمم المتحدة أن أي حل مستدام للأزمة السودانية يجب أن يكون قائمًا على الحوار الشامل والتوافق بين الأطراف المتنازعة، بدلًا من الخطوات الأحادية التي تهدد بمزيد من العنف وعدم الاستقرار. وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة إنسانية وسياسية متفاقمة، ما يضع المجتمع الدولي أمام تحديات متزايدة في جهوده لإحلال السلام في السودان والمنطقة.
المحور الرابع: السيناريوهات المستقبلية
مع تصاعد الأزمة السودانية وتعقيد المشهد السياسي والعسكري، تتعدد السيناريوهات المحتملة لمستقبل البلاد. بين استمرار الحرب، وانتصار أحد الأطراف، أو الوصول إلى تسوية سياسية، يبقى مصير السودان رهينًا بموازين القوى والتدخلات الإقليمية والدولية، وفي ضوء ذلك يمكن وضع مجموعة من السيناريوهات على النحو الآتي:
1. السيناريو الأول: تصاعد الحرب الأهلية وتقسيم السودان
إذا استمرت قوات الدعم السريع في تشكيل حكومة موازية وحصلت على دعم سياسي وعسكري من قوى إقليمية ودولية، فقد يؤدي ذلك إلى ترسيخ سلطتها في المناطق التي تسيطر عليها، وهو ما قد يؤدي إلى حالة التناحر الداخلي. وقد يصبح الصراع مشابهًا للنموذج الليبي؛ حيث توجد حكومتان متنافستان لكل منهما حلفاؤها الإقليميون، بما يطيل أمد الحرب الأهلية ويجعل التوصل إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة. في هذه الحالة، سيزداد العنف، وستكون هناك محاولات للتطهير العرقي وإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للبلاد، وهو ما يفتح المجال لتدخلات خارجية أوسع.
2. السيناريو الثاني: انتصار الجيش السوداني وإنهاء الدعم السريع سياسيًا وعسكريًا
في حال استمرار تقدم الجيش السوداني واستعادته السيطرة على المزيد من المناطق الحيوية، قد يتمكن من تقويض الدعم اللوجستي والسياسي لقوات الدعم السريع، وهو ما سيؤدي إلى تراجع الأخيرة إلى جيوب معزولة. إذا تم فرض عزلة إقليمية ودولية على “الحكومة الموازية”، فستضعف فرص بقائها على المدى الطويل. في حين قد تشهد هذه المرحلة استقطابًا داخليًا داخل الدعم السريع؛ حيث تنقسم قياداته بين من يريدون استمرار القتال ومن يسعون للبحث عن مخرج تفاوضي. وفي النهاية، سيؤدي انهيار الدعم السريع إلى عودة السيطرة الكاملة للجيش وإن كان ذلك لا يعني نهاية الأزمة.
3. السيناريو الثالث: تسوية سياسية وتقاسم للسلطة
في ظل الضغوط الإقليمية والدولية، قد يضطر الطرفان إلى الدخول في مفاوضات تؤدي إلى تسوية سياسية، ربما تشمل تقاسم السلطة لفترة انتقالية، يتبعها إصلاح سياسي شامل. ويتطلب هذا السيناريو تقديم تنازلات كبيرة من الطرفين، أبرزها قبول الدعم السريع بدمج قواته في الجيش، مع منح ضمانات لمكوناته السياسية والاجتماعية. كما يتطلب الأمر اتفاقًا دوليًا وإقليميًا لمنع أي طرف من استغلال النزاع لمصالحه الخاصة. ومع ذلك، فإن احتمالية نجاح هذا السيناريو ضئيلة بسبب حالة انعدام الثقة بين الطرفين.
4. السيناريو الرابع: التدخل الدولي تحت مظلة الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي
مع استمرار تفاقم الأزمة الإنسانية والفراغ الأمني، قد تتحرك القوى الدولية والإقليمية لفرض حل عبر تدخل عسكري مباشر أو من خلال نشر قوات حفظ سلام تحت مظلة الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي. قد يشمل هذا السيناريو فرض منطقة منزوعة السلاح، وإجبار الأطراف على وقف إطلاق النار، وفرض مسار سياسي جديد. غير أن مثل هذا التدخل قد يواجه معارضة شديدة من الأطراف السودانية، خاصة الجيش الذي يرفض أي وصاية دولية، كما أن نجاحه سيكون مرهونًا بتوافق دولي وإقليمي حول مستقبل السودان، وهو أمر غير مضمون في ظل تنافس المصالح.
5. السيناريو الخامس: انهيار الدولة وتحول السودان إلى “دولة فاشلة“
في حال استمرار الصراع دون أي حلول جذرية، قد ينهار السودان كدولة موحدة، ويتحول إلى تجمع من الميليشيات والمناطق المتحاربة، على غرار ما حدث في الصومال أو اليمن. وسيؤدي حدوث هذا السيناريو إلى تفكك مؤسسات الدولة بالكامل، وانهيار الاقتصاد، وتفاقم الأوضاع الإنسانية، وهو ما قد يدفع بملايين السودانيين للنزوح والهجرة. كما أنه سيخلق بيئة مناسبة لظهور جماعات مسلحة جديدة، قد تكون أكثر تطرفًا من الأطراف الحالية. وإذا فقد السودان القدرة على إدارة مناطقه المختلفة، فقد تدخل البلاد في دوامة من الفوضى والعنف دون أفق واضح للحل.
6. السيناريو السادس: انهيار مشروع الحكومة الموازية بسبب الانقسامات الداخلية
في ظل تصاعد الخلافات بين مكونات التحالف الجديد، قد يتجه مشروع الحكومة الموازية نحو الانهيار التدريجي قبل أن يرى النور فعليًا، فالاختلافات حول رئاسة المجلس والسيطرة على القرار السياسي والعسكري ستؤدي إلى تفكك الصفوف، خاصة إذا لم يتم التوصل إلى حل وسط يرضي الأطراف الفاعلة مثل قوات الدعم السريع والحركة الشعبية، مع مرور الوقت، قد تشهد بعض القوى انسحابات تدريجية، خاصة إذا وجدت أن مصالحها غير مضمونة، أو شعرت بأن المشروع يسير في اتجاه يخدم طرفًا معينًا دون غيره. في ظل هذا التفكك، قد تستغل الحكومة في بورتسودان هذه الخلافات لتأليب بعض المجموعات على بعضها، أو تقديم عروض لاستقطاب بعض القيادات المعارضة، كما أن أي تأخير إضافي في حسم القيادة وتشكيل الحكومة قد يؤدي إلى فقدان الدعم السياسي والميداني، سواء من الداخل أو من الجهات الخارجية التي قد تكون مترددة في دعم كيان يعاني من خلافات حادة.
في الختام: في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها المشهد السوداني، يظل تشكيل حكومة موازية خطوة مثيرة للجدل، تحمل في طياتها تداعيات سياسية وعسكرية عميقة. ففي حين تسعى قوات الدعم السريع إلى فرض أمر واقع جديد يعزز نفوذها السياسي، يواجه هذا المشروع تحديات داخلية وإقليمية ودولية قد تعرقل نجاحه. ومع استمرار القتال وتفاقم الأوضاع الإنسانية، يبدو أن السودان يقف على مفترق طرق بين سيناريوهات عدة، تتراوح بين استمرار الحرب، أو تسوية سياسية هشة، أو حتى انهيار الدولة بالكامل. وبغض النظر عن المسار الذي ستتخذه الأزمة، فإن الشعب السوداني يظل الضحية الأكبر لهذا الصراع، وهو ما يستدعي تكثيف الجهود الدولية والإقليمية لإيجاد حل مستدام ينهي دوامة العنف ويؤسس لسلام شامل يحقق تطلعات السودانيين في الاستقرار والديمقراطية والتنمية.

