كوثر مبارك
نائب مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
اكتسبت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة الأمريكية في التاسع والعشرين من ديسمبر 2025 أهمية سياسية واستراتيجية كبيرة، سواء من حيث توقيتها ودلالاتها، والتي جاءت ضمن سلسلة لقاءات متكررة بين الجانبين خلال العام نفسه ويعد هذا اللقاء الخامس الذي يجمعهما في عام واحد، وهو ما يعكس مستوى التواصل السياسي والتنسيق الاستراتيجي بين الجانبين.
وضمن السياق ذاته، جاءت هذه الزيارة في ظل ظروف إقليمية معقدة وخاصة بعد تعثر تنفيذ اتفاق غزة الذي تم إقراره في أكتوبر 2025، والذي يهدف لإنهاء الحرب المستمرة منذ عامين بين إسرائيل وحركة حماس، لكنه في الوقت ذاته لم يُنهِ حالة عدم اليقين المرتبطة بمستقبل القطاع، ولا سيما ما يتعلق بتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، وآليات إدارة المرحلة الانتقالية سياسيًا وأمنيًا، وترتيبات ما بعد الحرب، وإلى جانب ملف غزة، تزامنت الزيارة مع تصاعد التوترات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وتنامي القدرات الصاروخية لطهران، فضلًا عن المخاوف الإسرائيلية والأمريكية المشتركة من اتساع رقعة المواجهة الإقليمية لتشمل ساحات أخرى، مثل الجبهة اللبنانية في ظل عدم الوصول إلى اتفاق حول الانسحاب الإسرائيلي من لبنان وحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية والاستهداف العسكري الإسرائيلي لحزب الله، أو فيما يتعلق بالساحة اليمنية ذات الارتباط غير المباشر بالصراع الإقليمي الأوسع.
وبالتالي، لا يمكن النظر إلى لقاء ترامب ونتنياهو بوصفه محطة بروتوكولية في مسار العلاقات الثنائية، بل باعتباره حدثًا مفصليًا يعكس إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية في ضوء المتغيرات الجيوسياسية التي عملت على تعزيز التواصل والتنسيق الثنائي؛ حيث يشير توقيت اللقاء الأخير وكثافة اللقاءات السابقة، إلى اتجاهات تنسيق المواقف تجاه هذه الملفات وعلى رأسها مستقبل التهدئة في غزة وملف الضفة الغربية، والسياسات المحتملة تجاه إيران، وإعادة تأكيد التحالف الاستراتيجي بين الطرفين رغم ما يشوبه أحيانًا من تباينات فنية تتعلق بإدارة هذه الملفات، بالإضافة إلى ذلك، توضح هذه الزيارة الاتجاهات المحتملة للسياستين الأمريكية والإسرائيلية في المرحلة المقبلة، كما تمثل مدخلًا تحليليًا مهمًا لاستشراف التداعيات المحتملة على توازنات الشرق الأوسط في ظل نظام دولي يتسم بقدر عال من سيولة الأحداث وعدم الاستقرار.
أولًا: اتجاهات التعامل مع الملفات والقضايا الإقليمية
يتقاطع لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع مجموعة من الملفات والقضايا مثل الردع العسكري لإيران، وإدارة الصراعات مع سوريا ولبنان والبيئة الإقليمية الأوسع وإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، فالزيارة لا يمكن قراءتها كحدث ثنائي تقليدي، بل باعتبارها أحد الركائز للتعامل مع هذه الملفات في ظل نظام دولي يتميز بتعدد بؤر التوتر من شرق آسيا إلى أوروبا الشرقية، ولعل ما تم مناقشته خلال اللقاء يعكس محاولة تنسيق استراتيجي أميركي إسرائيلي لتحديد هذه الاتجاهات وأدوات تنفيذها وتجنب التداعيات السلبية على مصالحهما.
1. الملف الإيراني: الاستهداف العسكري واتجاهات الردع
وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيرًا مباشرًا لإيران عقب لقائه مع نتنياهو، أشار فيه إلى أن الولايات المتحدة قد تدعم توجيه ضربة عسكرية أخرى في حال عودة طهران إلى تطوير برنامجها النووي أو الصاروخي، ويُعد هذا التصريح مؤشرًا واضحًا على أن الملف الإيراني شكل محورًا مركزيًا على طاولة المباحثات وليس ملف ثانوي.
أ. الموقف الأميركي: مسارات الردع المشروط وحدود التفويض المفتوح
عكست توجهات الموقف الأمريكي وفق ما ظهر في خطاب ترامب اتجاه واشنطن نحو انتهاج سياسة قائمة على الردع المشروط، وليس التفويض المفتوح لإسرائيل باستخدام القوة في استهداف إيران، فالولايات المتحدة لم تعلن عن نيتها شن ضربة عسكرية وشيكة، كما إنها لم تمنح إسرائيل ضوءًا أخضر للتحرك، لكنها في الوقت ذاته أبقت على خيار استخدام القوة العسكرية قائمًا بل تربطه بشروط واضحة، أبرزها استئناف إيران تطوير قدراتها النووية أو الصاروخية وفق المعلومات الاستخباراتية. ويمكن القول إن الرسالة الأميركية الأساسية ترتكز على إن الخيار العسكري يمكن تنفيذه وفق معايير وقواعد محددة؛ حيث إن هذا النهج يحقق مجموعة من الأهداف الأميركية من أهمها:
1. ردع إيران سياسيًا ونفسيًا عبر إبقاء التهديد قائمًا دون اللجوء إلى التصعيد العسكري.
2. الحد من احتمالات التحرك الإسرائيلي المنفرد والتنسيق مع إسرائيل بما يتوافق مع الحسابات الأميركية.
3. الاحتفاظ بالتحكم في قرار التصعيد، بما يمنع تورطها إلى حرب إقليمية واسعة غير مرغوبة.
ب. الموقف الإسرائيلي: اتجاهات منع إعادة بناء القدرات الإيرانية
تنطلق استراتيجية نتنياهو من رؤية مختلفة جزئيًا عن واشنطن وتقوم ليس فقد على منع إيران من تطوير قدراتها العسكرية أو النووية، بل أيضًا من إعادة بناء أو تعويض أي خسائر قد تكون لحقت بها نتيجة العملية العسكرية السابقة. فمن وجهة النظر الإسرائيلية، لا يقتصر التهديد الإيراني على سيناريو الاختراق النووي المباشر، بل يمتد إلى تراكم القدرات بمرور الزمن، سواء عبر الشروع في عمليات التخصيب التدريجي، وتطوير وسائل الاستهداف مثل الصواريخ والمسيرات أو تعزيز شبكة الحلفاء الإقليميين، وفي مقدمتهم حزب الله ووكلائها في المنطقة. وبناءً على ذلك يسعى نتنياهو إلى ترسيخ هذه الأهداف في أجندة الولايات المتحدة وضمان الالتزام طويل الأمد بهذه السياسات ومنع إيران من إعادة بناء قدراتها.
ج. اتجاهات العلاقات محتملة في ضوء تباين المواقف
في حال نجاح كل من ترامب ونتنياهو في إيجاد تفاهم استراتيجي متماسك حول الملف الإيراني، فمن المرجح أن تتجه السياسات المشتركة نحو مجموعة من الخطوات من أهمها:
1. تعزيز الردع دون الانزلاق إلى حرب مباشرة من خلال تكثيف الضغوط السياسية والاقتصادية، وتوسيع الدعم الدفاعي لإسرائيل، ولا سيما في مجالات الدفاع الجوي والإنذار المبكر.
2. دعم أميركي غير معلن لأي تحرك محدود ويشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، والدعم اللوجستي، والحماية من الرد الإيراني المحتمل دون إعلان مشاركة أميركية مباشرة في أي عمليات عسكرية.
3. التحكم في اتجاهات التصعيد بحيث تكون أي عملية عسكرية محتملة محسوبة ومحدودة، ومرتبطة بهدف استراتيجي واضح يتمثل في منع تطور نوعي في القدرات العسكرية الإيرانية دون الوصول إلى مواجهة عسكرية شاملة.
د. حالة استمرار الخلاف أو عدم التوصل إلى توافق كامل
في حال عدم التوافق حول استراتيجيات وخطوات التعامل مع إيران في ضوءرغبة إسرائيل لتشديد وتوسيع نطاق المنع الاستباقي، فمن المرجح أن تظهر الاتجاهات التالية:
1. تشديد أميركي على ربط أي تصعيد إسرائيلي بمطالب أميركية ب استخباراتية قاطعة.
2. الضغط الأمريكي غير المباشر على إسرائيل من خلال التحكم بوتيرة ونوعية الدعم العسكري أو من خلال التحذير من مخاطر توسيع الصراع.
3. ارتفاع احتمالات التحرك العسكري الإسرائيلي المنفرد المحدود من خلال عمليات سرية أو سيبرانية أو ضربات مع سعي إسرائيل إلى تفادي إحراج واشنطن أو توريطها في المواجهة العسكرية.
تكشف قضية التعامل مع إيران، كما تم طرحها في لقاء ترامب ونتنياهو، عن تقاطع استراتيجي في الهدف النهائي المتمثل في منع إيران من امتلاك قدرات تهديد نوعية، يقابله اختلاف تكتيكي في أدوات التنفيذ وتوقيت استخدامها، فالولايات المتحدة تميل إلى إدارة التهديد ضمن منطق الردع المحسوب والتحكم بالتصعيد، في حين تميل إسرائيل إلى منطق الوقاية الاستباقية ومنع التراكم طويل الأمد للقدرات الإيرانية.
2. السلام في غزة: إشكاليات المرحلة الثانية وحدود التوافق الأميركي – الإسرائيلي
يُعد ملف الحرب في قطاع غزة من أكثر القضايا المركزية التي ارتبطت بزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، سواء من حيث ما تم إعلانه بصورة مباشرة أو ما كان في خلفية النقاشات، فقد جاءت الزيارة في سياق انتقالي بالغ التعقيد، يتمثل في الانتقال من مرحلة وقف العمليات العسكرية الواسعة إلى مرحلة إدارة ما بعد الحرب، في ظل استمرار إطلاق النار وتعثر الدخول في ترتيبات المرحلة الثانية من التفاهمات، وبقاء مستقبل القطاع الأمني والسياسي دون تصور نهائي متوافق عليه. كما لا يمكن فصل النقاش حول غزة عن سؤال استراتيجي أوسع يتمحور حول كيفية تحويل تهدئة مؤقتة إلى ترتيب قابل للاستمرار، دون أن يؤدي ذلك إلى إعادة إنتاج مسببات الصراع، أو فتح المجال أمام جولات تصعيد جديدة قد تتجاوز حدود القطاع إلى الإقليم بأسره.
أ. المقاربة الأميركية: إدارة الاستقرار ومنع الانفجار الإقليمي
تنطلق الاستراتيجية الأميركية تجاه غزة من منطق إدارة الاستقرار المرحلي أكثر من السعي إلى فرض تسوية سياسية شاملة؛ حيث تبدو سياسة الولايات المتحدة في المرحلة الراهنة معنية بالأساس باحتواء تداعيات الصراع ومنع توسعه، لا بإغلاق ملفه جذريًا، ويمكن تلخيص الأهداف الأميركية الرئيسية في ثلاثة محاور مترابطة:
1. منع عودة الحرب على نطاق واسع لما قد تحمله من تداعيات إقليمية تمتد إلى لبنان وإيران، وتضع واشنطن أمام التزامات أمنية غير مرغوبة.
2. تثبيت وقف إطلاق النار بوصفه منصة انتقالية لمعالجة الملفات الإنسانية والأمنية العاجلة، وليس كغاية نهائية بحد ذاته.
3. تهيئة إطار سياسي وأمني مؤقت يسمح بإدارة القطاع دون تحميل الولايات المتحدة أو حلفائها تكلفة مباشرة، سواء عسكرية أو سياسية أو اقتصادية.
يبرز الدعم الأميركي للمرحلة الثانية، بما تتضمنه من ترتيبات أمنية وسياسية جديدة مثل نشر قوة دولية أو إقليمية محدودة، إلى جانب إعادة تنظيم الإدارة المدنية في القطاع، غير أن هذه الأدوات يتم تناولها من منظور وظيفي يهدف إلى خفض احتمالات التصعيد وليس اعتبارها حلًا نهائيًا للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
ب. المقاربة الإسرائيلية: مواجهة التهديد قبل الشروع في الترتيبات السياسية
في المقابل، يتعامل نتنياهو مع ملف غزة من منظور أمني يقوم على فرضية مفادها أن أي انتقال سياسي أو إداري يجب أن يُسبَق بتفكيك شامل لقدرات حركة حماس، فبالنسبة لإسرائيل، لا يُنظر إلى غزة بوصفها قضية إنسانية أو سياسية في المقام الأول، بل باعتبارها مصدر تهديد مباشر للأمن القومي الإسرائيلي، وساحة اختبار لفاعلية الردع الإسرائيلي بعد الحرب، ومنصة لإيصال رسائل استراتيجية إلى أطراف إقليمية أخرى، وعلى رأسها حزب الله وإيران.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، يشدد نتنياهو على أن وقف إطلاق النار لا يعني نهاية الصراع، وأن المرحلة الثانية لا يمكن أن تتحقق دون ضمانات أمنية تحول دون إعادة تسليح الفصائل الفلسطينية المقاومة، كما يصر نتنياهو على أن أي وجود دولي أو إقليمي داخل القطاع يجب أن يكون مقيّدًا بالأهداف الأمنية الإسرائيلية، لا أن يفرض قيودًا على حرية الحركة العسكرية مستقبلًا.
ج. نقطة الالتقاء: نزع السلاح كشرط مشترك
على الرغم من التباين البنيوي في المقاربات الأمريكية والإسرائيلية، يبرز نزع سلاح حماس بوصفه نقطة تقاطع مركزية بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي، وإن اختلفت دوافع كل طرف؛ حيث ترى الولايات المتحدة في نزع السلاح شرطًا ضروريًا لنجاح أي ترتيب سياسي أو إنساني مستدام، يضمن عدم انهيار التهدئة. في حين تعتبره إسرائيل هدفًا استراتيجيًا قائمًا بذاته، والأساس لاستعادة الردع ومنع تكرار سيناريوهات التصعيد العسكري. غير أن هذا التقاطع في الأهداف لا يلغي الخلاف بينهما حول آليات التنفيذ، والجهة المخوّلة بالضمان، وتوقيت الانتقال إلى ترتيبات ما بعد الحرب، وهي عناصر لا تزال تمثل جوهر التباين بين الطرفين.
د. اتجاهات محتملة لمسار غزة
في ضوء التوجهات المتعلقة بملف غزة، برزت مجموعة من الاتجاهات حول ما يمكن أن يكون عليه السياستين الأمريكية والإسرائيلية على النحو الآتي:
1. في حال نجح الطرفان في بلورة رؤية مشتركة لإدارة قطاع غزة
أ. من المرجح أن يتجه المسار نحو تثبيت المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار والتحكم في مجريات الميدان، وربط أي تخفيف للحصار أو إدخال للمساعدات الإنسانية بضمانات أمنية واضحة.
ب. العمل على إيجاد ترتيبات أمنية دولية أو إقليمية محدودة وتشمل قوة تثبيت أو مراقبة بصلاحيات مقيدة وتنسيق أمني غير مباشر مع إسرائيل
ج. إيجاد إدارة مدنية انتقالية للقطاع بصيغة تكنوقراطية أو تحت إشراف دولي، دون منح الفصائل المسلحة دورًا مباشرًا في الحكم مع التركيز على تقليل المخاطر ومنع الانفجار، بدلًا من معالجة الجذور السياسية للصراع، وبالتالي تحويل غزة إلى ملف يمكن إدارته وليس تسويته.
2. استمرار الخلاف أو تعثر المرحلة الثانية
إذا استمر الخلاف بين الطرفين حول حدود الترتيبات وشروطها، فمن المرجح أن تظهر مجموعة من الاتجاهات من أهمها:
أ. إطالة أمد الوضع الانتقالي الهش ووقف إطلاق نار غير مستقر وقابل للانهيار عند أي حادث أمني كبير.
2. عودة الضغوط العسكرية الإسرائيلية المحدودة عبر ضربات عسكرية أو عمليات أمنية داخل القطاع بهدف منع إعادة بناء القدرات العسكرية للفصائل.
3. تآكل المسار السياسي تدريجيًا وتصاعد الأعباء الإنسانية، وتزايد الضغوط الدولية على واشنطن وإسرائيل، وارتفاع مخاطر ربط غزة بجبهات إقليمية أخرى ولا سيما جنوب لبنان بما يعيد إنتاج منطق التصعيد الإقليمي المتدرج.
تعكس قضية غزة كما طُرحت في لقاء ترامب ونتنياهو، إشكالية أخرى في إدارة الصراعات بين منطق الاستقرار المرحلي ومنطق الحسم الأمني، فالولايات المتحدة تميل إلى احتواء الأزمة ومنع توسعها إقليميًا، في حين تسعى إسرائيل إلى إعادة صياغة الواقع في القطاع بما يضمن إزالة التهديد على المدى الطويل، وبين هذين المنهجين، تبقى غزة ساحة اختبار حاسمة لقدرة الطرفين على تحويل وقف إطلاق النار من حالة مؤقتة إلى ترتيب قابل للاستمرار، دون أن يتحول إلى مجرد هدنة مؤجلة لجولة صراع جديدة.
3. لبنان وحزب الله: إشكالية السيادة، سلاح المقاومة، وحدود التفاهم الأميركي – الإسرائيلي
تمثل الساحة اللبنانية ولا سيما ملف حزب الله، أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الحسابات الإقليمية المرتبطة بزيارة نتنياهو إلى واشنطن، فالقضية لا تتصل فقط بالصراع المباشر بين إسرائيل وحزب الله، بل تتجاوز ذلك إلى إشكالية تتعلق بطبيعة الدولة اللبنانية، وحدود سيادتها، وتداخل القرار الأمني الداخلي مع شبكات النفوذ الإقليمي والدولي، ويأتي هذا الملف في لحظة انتقالية تشهدها لبنان ضمن إطار إعادة تفعيل دور مؤسسات الدولة واستعادة دورها المركزي في إدارة الأزمات.
ومن هذا المنطلق، يُفهم إدراج لبنان وقضية حزب الله ضمن نقاشات ترامب ونتنياهو باعتباره ملفًا مكملًا لقضيتي غزة وإيران، وعنصرًا حاسمًا في منع اتساع الصراع نحو مواجهة إقليمية متعددة الجبهات.
1. المقاربة الأميركية – دعم الدولة اللبنانية وضبط التوازن دون صدام شامل
تنطلق المقاربة الأميركية تجاه لبنان من معادلة تقوم على دعم الدولة اللبنانية رسميًا، مع السعي لتقليص نفوذ حزب الله تدريجيًا دون الدفع نحو حدوث انهيار داخلي أو حرب أهلية جديدة. فالولايات المتحدة ترى أن أي معالجة جذرية لملف الحزب يجب أن تمر عبر مجموعة من الإجراءات من أهمها:
أ. تعزيز مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش اللبناني، باعتباره الأداة الشرعية الوحيدة لبسط السيادة.
ب. الضغط السياسي والاقتصادي المشروط، من خلال ربط المساعدات والدعم الدولي بمدى تقدم الحكومة اللبنانية في ملف الإصلاحات وحصر السلاح.
ج. تجنب المواجهة المباشرة مع حزب الله، لما قد يترتب عليها من تداعيات إقليمية، خاصة في ظل الارتباط العضوي بين الحزب وإيران.
وبالتالي، يتم النظر إلى الضغوط الأميركية المتزايدة على بيروت، سواء عبر الخطاب السياسي أو عبر إعادة تقييم مستوى الدعم العسكري، بوصفها محاولة لفرض تغيير تدريجي في ميزان القوة، لا فرض حسم فوري قد يكون مكلفًا وغير قابل للتنفيذ.
2. المقاربة الإسرائيلية: نزع سلاح حزب الله كشرط لأمن الحدود الشمالية
في المقابل، تتعامل إسرائيل مع ملف حزب الله من منظور أمني؛ حيث ترى أن استمرار امتلاك الحزب لترسانة عسكرية متقدمة يُعد التهديد الاستراتيجي الأول على جبهتها الشمالية. ومن ثم، فإن المقاربة الإسرائيلية تقوم على فرضيتين أساسيتين يتمثلان في أن أي استقرار طويل الأمد في شمال إسرائيل مشروط بإضعاف أو نزع قدرات حزب الله العسكرية، وأن محدودية قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيطرتها تُبرر، من وجهة النظر الإسرائيلية، استمرار الضغوط العسكرية والعمليات الوقائية.
وضمن السياق ذاته، تستند إسرائيل على مرجعيات دولية، أبرزها قرار مجلس الأمن رقم 1701، لتبرير مطالبها بانسحاب حزب الله من جنوب نهر الليطاني، وانتشار الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، مع الاحتفاظ بحق التدخل العسكري في حال ما تعتبره “إخلالًا بالتوازن”، وتُظهر العمليات الإسرائيلية المتكررة في الجنوب اللبناني، واستهداف ما تصفه بالبنية التحتية للحزب؛ حيث تسعى إلى فرض وقائع أمنية بالقوة في ظل غياب مسار سياسي لبناني فعال يمكن أن يحقق أهدافها.
على الجانب الآخر، يعتمد حزب الله على منطق الردع الإقليمي ورفض نزع السلاح؛ حيث ينظر حزب الله إلى سلاحه باعتباره ركيزة أساسية في معادلة الردع الإقليمي، لا مجرد أداة دفاع محلية، فالحزب يرى أن سلاحه هو الضامن الأول لمنع الاعتداءات الإسرائيلية، وأن أي محاولة لنزعه تُعد استجابة لإملاءات أميركية وإسرائيلية، وأن الاتجاهنحو دمج قدراته العسكرية ضمن مؤسسات الدولة قد يُفقده استقلالية القرار ويقوّض دوره الداخلي والإقليمي.
وضمن السياق ذاته، تزداد صلابة هذا الموقف في ظل الدعم الإيراني المستمر، الذي ينظر إلى الحزب كأحد الأطراف المحورية ضمن شبكة النفوذ الإقليمي الممتدة من طهران إلى البحر المتوسط، وإن رفض الحزب لخطة حصر السلاح لا ينبع فقط من حسابات داخلية، بل من تمركزه ضمن صراع إقليمي أوسع.
وعلى الرغم من التباينات الكبيرة بين الأطراف، إلا إنه يمكن رصد نقطة تقاطع غير معلنة تتمثل في الرغبة المشتركة في تجنب حرب شاملة على الجبهة اللبنانية، غير أن هذا التقاطع يبقى هشًا، وقابلًا للانهيار عند أي تغير في المعادلات الميدانية، وذلك على النحو الآتي:
أ. تخشى الولايات المتحدة أن يؤدي انفجار الوضع في لبنان إلى توريطها إقليميًا.
ب. تدرك إسرائيل أن أي حرب واسعة مع حزب الله ستكون مكلفة وغير مضمونة النتائج.
ج. تسعى الحكومة اللبنانية لتفادي الانهيار الكامل للدولة.
د. يعمل حزب الله على تحقيق التوازن بين الردع وتجنب الحرب التي قد تستنزف بيئته الحاضنة.
أ. اتجاهات محتملة لمسار الملف اللبناني
1. استمرار الوضع (الجمود): يُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب، ويستند على احتفاظ حزب الله بسلاحه، ومواصلة إسرائيل عملياتها المحدودة. وعجز الحكومة اللبنانية عن فرض حصر فعلي للسلاح، ويعود هذا الجمود إلى الانقسامات السياسية الداخلية، والطبيعة الطائفية للنظام، وتضارب المصالح الإقليمية.
2. تسوية شاملة مشروطة(سيناريو منخفض الاحتمال): يفترض هذا السيناريو تنفيذ تدريجي لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية،وهو ما يتبعه انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية. والعمل على الدمج السياسي لحزب الله، ويخضع هذا السيناريو لمجموعة من التفاهمات الإقليمية والضمانات الدولية، وهو ما يجعله صعب التحقق في المدى المنظور.
3. التصعيد والانفجار المحدود أو الواسع: في حال فشل آليات الاحتواء، واستمرار الضغوط الدولية والإسرائيلية، مع تصلب موقف الحزب، يزداد خطر توسع الاشتباكات الحدودية، وانزلاق لبنان إلى مواجهة أوسع، وهو السيناريو الأكثر خطورة، خاصة إذا تزامن مع تصعيد في غزة أو إيران.
تعكس قضية لبنان وحزب الله، كما تظهر في خضم زيارة نتنياهو إلى واشنطن، مأزقًا استراتيجيًا مركبًا يتمثل في غياب مسار قابل للتطبيق يجمع بين متطلبات السيادة اللبنانية وحسابات الردع الإقليمي، فالولايات المتحدة تسعى إلى إدارة التوازن ومنع الانفجار، فيما تركز إسرائيل على إزالة التهديد، على الجانب الآخر، يصر حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه كضمانة وجودية، وبين هذه المقاربات المتباعدة، يبقى لبنان ساحة مفتوحة على احتمالات متعددة، يتحدد مسارها بمدى قدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على التحكم في مجريات الصراع ومنع تحوله إلى حرب شاملة.
4. الملف السوري: الساحة الرمادية بين الردع والاحتواء
لم تكن سوريا ملفًا رئيسيًا مُعلَنًا في تصريحات ما بعد لقاء ترامب ونتنياهو، إلا أن حضورها كان ضمنيًا ومركزيًا في سياق الملفات التي نوقشت، بوصفها حلقة وصل استراتيجية بين قضايا إيران ولبنان وغزة، فالساحة السورية تمثل اليوم مساحة رمادية في الاستراتيجية الإقليمية، فلا هي جبهة حرب مفتوحة، كما أنها أيضًا ليست ساحة مستقرة، بل مسرحًا مفتوحًا لتقاطعات النفوذ والردع غير المباشر. وعليه، فإن تناول سوريا في اللقاء يُفهم باعتبارها جزءًا من سياسة منع التصعيد الإقليمي، وليس كملف مستقل بذاته.
أ. المقاربة الأميركية: الاحتواء ومنع إعادة التمركز الإيراني
تنطلق المقاربة الأميركية تجاه سوريا من منطق الاحتواء المحدود لا منطق الحسم أو الانخراط المباشر، فالولايات المتحدة في مرحلة ما بعد التغيير السياسي في دمشق، لا تبدو معنية بإعادة بناء سوريا أو قيادة مسار تسوية شامل، بقدر ما تركز على منع إعادة النفوذ الإيراني العسكري داخل الأراضي السورية، ومنع تحول سوريا إلى منصة تصعيد ضد إسرائيل أو القواعد الأميركية. والحفاظ على هامش نفوذ كافٍ يتيح لواشنطن التأثير في التوازنات دون تحمل تكلفة الانخراط المباشر.
وضمن السياق ذاته، تتعامل واشنطن وتل أبيب مع الملف السوري باعتباره ملفًا تابعًا لإيران أكثر من كونه ملفًا قائمًا بذاته، كما يمكن تفسير الحذر الأميركي في إعطاء إسرائيل تفويضًا واسعًا في الإقليم بوصفه مرتبطًا بالحاجة إلى إبقاء الساحة السورية تحت السيطرة لا تحت التفجير.
ب. المقاربة الإسرائيلية: الساحة السورية كامتداد لمفهوم “المعركة بين الحروب”
تنظر إسرائيل إلى سوريا باعتبارها العمق العملياتي الأهم للنفوذ الإيراني، والساحة الأكثر ملاءمة لممارسة سياسة المعركة بين الحروب من خلال توجيه ضربات جوية واستخباراتية منتظمة لمنع نقل السلاح النوعي إلى حزب الله، وإضعاف البنية التحتية الإيرانية دون الانجرار إلى حرب شاملة. ومن هذا المنطلق، فإن اهتمام نتنياهو بسوريا في اللقاء مع ترامب يتركز على:
1. ضمان استمرار الغطاء السياسي الأميركي لهذه الضربات.
2. منع أي تغير في الموقف الأميركي قد يقيد حرية الحركة الإسرائيلية.
3. ربط أي ترتيبات سياسية مستقبلية في سوريا بعدم السماح لإيران بإعادة بناء نفوذها.
ج. التوافق الأميركي – الإسرائيلي: منع الانفجار دون تثبيت نفوذ الخصوم
على الرغم من اختلاف درجات الانخراط، يلتقي الطرفان على مجموعة من الثوابت فيما يخص سوريا، غير أن هذا التوافق لا يصل إلى حد صياغة رؤية مشتركة لإعادة بناء الدولة السورية أو تحديد شكل النظام السياسي المستقبلي؛ إذ يبقى هذا الملف خارج الأولويات الأميركية المباشرة، من خلال رفض تحول سوريا إلى قاعدة إيرانية متقدمة، وعدم الرغبة في فتح جبهة حرب شاملة على الأرض السورية. واستمرار الضربات المحدودة ما دامت لا تؤدي إلى تصعيد إقليمي واسع.
د. اتجاهات محتملة لمسار سوريا في ضوء اللقاء
1. سيناريو الاستمرار المنضبط (الأكثر ترجيحًا) يفترض هذا السيناريو استمرار إسرائيل في ضرباتها المحدودة داخل سوريا، وتواصل واشنطن توفير الغطاء السياسي غير المعلن، والعمل على إبقاء دمشق هامش ضبط النفس لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة؛ حيث يمثل هذا السيناريو ترجمة عملية لتفاهم غير مكتوب بين واشنطن وتل أبيب على إدارة الصراع لا حسمه.
2. سيناريو الاحتواء المشروط: قد يتجه الطرفان إلى تقليص وتيرة الضربات الإسرائيلية في مقابل التزامات غير مباشرة بعدم إعادة الانخراط الإيراني،غير أن هذا السيناريو يبقى هشًا، لاعتماده على سلوك أطراف ثالثة (إيران، حزب الله)، لا على تفاهم أميركي – إسرائيلي فقط.
3. سيناريو التصعيد: في حال توسعت الضربات الإسرائيلية أو حدوث استهداف واسع للقواتالأميركية أو حدوث تصعيد متزامن في لبنان أو غزة، وفي ضوء ذلك،قد تتحول سوريا من ساحة احتواء إلى ساحة تفجير إقليمي محدود، وهو السيناريو الذي يسعى الطرفان إلى تجنبه، لكنه يظل قائمًا بفعل هشاشة التوازنات.
وتعكس سوريا كما حضرت في لقاء ترامب نتنياهو، نموذج الساحة الوظيفية في الاستراتيجية الإقليمية بهدف احتواءها وليس لفرض تسوية شاملة، فالولايات المتحدة تسعى إلى ضبط التوازن ومنع إيران من إعادة التمركز وإعادة بناء قدراتها، فيما تستخدم إسرائيل الساحة السورية كأداة استباقية لحماية أمنها الاستراتيجي، وبين هذين النهجين، تبقى سوريا مجالًا لإدارة الصراع منخفض الكثافة، وهو ما يجعل استقرارها مرهونًا بتوازنات إقليمية أوسع تتجاوز حدودها الجغرافية.
ثانيًا: قراءة في النتائج والمخرجات
يمكن تصنيف مخرجات لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضمن مستويين تحليليين متكاملين: نتائج استراتيجية مباشرة ذات طابع مؤكد، ونتائج غير مباشرة تيمكن قراءتها من خلال السياق السياسي والرسائل الضمنية التي حملها اللقاء، بما يعكس طبيعة التفاهمات وحدودها في المرحلة الراهنة.
1. تثبيت الإطار السياسي العام للانتقال نحو المرحلة الثانية من ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار في قطاع غزة؛ حيث جرى التأكيد المشترك على مبدأ الانتقال ذاته بوصفه هدفًا سياسيًا متفقًا عليه، مع ربط تنفيذه بجملة من الشروط الأمنية، وفي مقدمتها تحييد أو تفكيك القدرات العسكرية لحركة حماس، وربط أي تقدم سياسي أو إنساني بضمانات أمنية قابلة للتحقق، ويكشف هذا التوافق عن انتقال الخلاف من مستوى المبدأ إلى مستوى الآليات، بما يعني أن جوهر الإشكال لم يعد يدور حول إمكانية تنفيذ المرحلة الثانية، بل حول أدوات تنفيذها وترتيباتها العملية.
2. سجّل اللقاء تحولًا لافتًا عبر إدراج خيار نشر قوة دولية أو إقليمية في قطاع غزة كمسار رسمي للنقاش، سواء بصيغة قوات حفظ سلام أو قوة تثبيت أمني، مع تداول أدوار محتملة لأطراف إقليمية محددة، ويعكس هذا الطرح انتقالًا من منطق التهدئة الثنائية المحدودة إلى مقاربة أمنية متعددة الأطراف، تهدف إلى إعادة ترتيب المشهد الأمني في القطاع بما يتجاوز التفاهمات المؤقتة.
3. كرس اللقاء على صعيد الملف الإيراني اعتماد منطق الردع المشروط، القائم على الإبقاء على خيار القوة العسكرية كاحتمال، مقابل رفض منح تفويض مفتوح أو تلقائي لأي تصعيد، وربط أي تحرك عسكري بتقييمات استخباراتية محدثة وبقرار سياسي أمريكي وإسرائيلي مشترك. وبهذا المعنى جرى تثبيت معادلة مفادها أن التهديد الاستراتيجي تجاه إيران مستمر، لكن قرار التوقيت وحدوده لا يخضع لإرادة إسرائيلية منفردة.
4. منح اللقاء إسرائيل غطاءً سياسيًا واضحًا للاستمرار في عملياتها العسكرية المحدودة، سواء ضد الأهداف المرتبطة بإيران في الساحة السورية أو في مواجهة تهديدات حزب الله عند الضرورة، دون الإشارة إلى فرض قيود أمريكية جديدة على حرية الحركة الإسرائيلية، وهو ما يؤكد استمرار سياسة الضربات العسكرية المحدودة ضمن إطار منع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
5. الإقرار العلني بوجود تباين جزئي بين الطرفين حول السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، لا سيما ما يتعلق بالتوسع الاستيطاني والعنف المرتبط بالمستوطنين، ويكتسب هذا الإقرار أهمية خاصة، كونه يعكس أن التحالف الأمريكي–الإسرائيلي برغم قوته، إلا أنه لا يخلو من مساحات خلاف ونقاش، ولا يقوم على تطابق كامل في الرؤى.
6. جرى تناول الساحة السورية ضمن إطار الحسابات الإقليمية المرتبطة بإيران وأمن الحدود الشمالية لإسرائيل، دون أن يفضي ذلك إلى إعلان سياسة جديدة أو تغيير جوهري في مقاربة الطرفين، وهو ما يعني عمليًا تثبيت الوضع القائم بدل إعادة صياغته.
7. أسهم اللقاء في توحيد خطاب الردع الأمريكي والإسرائيلي تجاه الفاعلين الإقليميين الرئيسيين، من خلال رسائل سياسية متناغمة موجهة إلى حماس بشأن نزع السلاح، وإلى إيران باعتبار برنامجها النووي خطًا أحمر، وإلى حزب الله لجهة منع تغيير قواعد الاشتباك. ويُعد هذا التوحيد في الخطاب نتيجة سياسية قائمة بذاتها، حتى في غياب قرارات تنفيذية فورية.
8. الاتفاق غير المعلن على ضبط سقف التصعيد الإقليمي، من خلال منع تزامن تفجر الجبهات المختلفة في آن واحد، والإبقاء على الصراعات ضمن مستوى الإدارة، ويفسر هذا التوجه الحذر الأمريكي في التعامل مع مطالب التصعيد، رغم تبني خطاب سياسي متشدد.
في الختام: تكشف نتائج لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن طبيعة المرحلة الراهنة في الشرق الأوسط بوصفها مرحلة إدارة توازنات معقّدة أكثر من كونها مرحلة تسويات حاسمة، فاللقاء لم يهدف إلى إنتاج حلول نهائية بقدر ما سعى إلى إعادة ضبط الإطار الاستراتيجي الذي ستُدار ضمنه الأزمات الإقليمية الأكثر اشتعالًا، وفي مقدمتها غزة وإيران ولبنان وسوريا، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام مسارات دبلوماسية إقليمية لاحقة تقودها أطراف فاعلة مثل مصر.
كما أظهرت مخرجات اللقاء أن واشنطن وتل أبيب تتشاركان الأهداف الكبرى المتعلقة بالردع ومنع تغير موازين القوى لصالح خصومهما، غير أنهما تختلفان في مقاربات التنفيذ وحدود استخدام القوة وتوقيته، فالولايات المتحدة تميل إلى منطق الاحتواء المحسوب وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة، في ظل انشغالها بتحديات دولية أوسع، بينما تركز إسرائيل على منطق الوقاية الاستباقية وإعادة ترسيخ الردع، حتى ولو عبر أدوات عسكرية محدودة ومتكررة.
كما عكس اللقاء إدراكًا متزايدًا بأن أي ترتيب قابل للاستمرار في غزة أو على الجبهة الشمالية لا يمكن أن ينجح دون إشراك أطراف إقليمية محورية، ودون معالجة البعد الأمني باعتباره المدخل الإلزامي لأي مسار سياسي لاحق، ويبقى مستقبل القضايا الأكثر تعقيدًا، مثل نزع سلاح الفصائل في غزة أو حزب الله في لبنان، رهينًا بتفاهمات إقليمية أوسع لم تنضج شروطها بعد.

