مصطفى صلاح
مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
تعمل الصين على سد الفجوة في مجال الذكاء الاصطناعي الوكيل من خلال نماذج أرخص وأكثر مرونة، وهو ما يتحدى التفوق الأمريكي في مستوى الأداء والتسعير والاعتماد العالمي، وتأتي هذه المنافسة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين؛ حيث يتنافس البلدان على الريادة في مجال الذكاء الاصطناعي بعدما نجحت الصين في تقليص الفجوة مع الولايات المتحدة وتعزيز مكانتها في هذا المجال.
ويمكن الإشارة هنا إلى إنهما ينتهجان مسارات مختلفة لتحقيق هذا الهدف. فالولايات المتحدة الأمريكية تدعم تقنيات الذكاء الاصطناعي من خلال القطاع الخاص من خلال التسويق والبحث والتطوير. وفي الوقت نفسه، كما تُولي اهتمامًا خاصًا للمؤسسات والشركات الكبرى والهيئات الحكومية. أما الصين، فتتبنى الذكاء الاصطناعي الفاعل من خلال القطاعين العام والخاص عبر دمج الاستثمارات، وهو ما يُسهم في تطوير تطبيقات لاستخدام الذكاء الاصطناعي رخيصة وفعالة ومفتوحة المصدر للمستهلكين، مثلDeepSeek ويشير معهد (MERICS) للدراسات إلى أن الصين تسعى إلى تحقيق اكتفاء ذاتي أكبر في مجال الذكاء الاصطناعي، بدءًا من امتلاك الرقائق الإلكترونية وصولًا إلى تطوير البرمجيات ونماذج اللغة الضخمة. وسيتحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي الفاعل من خلال هذه المسارات.
ويشير الذكاء الاصطناعي الوكيل إلى أنظمة ونماذج الذكاء الاصطناعي التي يمكنها العمل بشكل مستقل لتحقيق الأهداف دون الحاجة إلى توجيه بشري مستمر؛ على عكس البرامج الأخرى مثل ChatGPT، الذي يتطلب مدخلات وتوجيهًا بشريًا مستمرًا، في حين يمكن للذكاء الاصطناعي الوكيل تنفيذ مهام متعددة بشكل مستقل وفي وقت واحد. ومن خلال استخدام “وكلاء” الذكاء الاصطناعي، يفهم النظام هدف المستخدم أو رؤيته وسياق المشكلة التي يحاول حلها. ولتحقيق هذا المستوى من اتخاذ القرارات والإجراءات المستقلة؛ حيث يعتمد على مزيج من التعلم الآلي ومعالجة اللغة الطبيعية وتقنيات الأتمتة. وتشمل بعض حالات الاستخدام مراجعة واختبار التعليمات البرمجية، ومراقبة إنفاق الشركة وميزانيتها، أو حتى إدارة سير العمل متعدد الخطوات عبر أدوات ومصادر بيانات مختلفة.
أولًا: النهج الأمريكي للذكاء الاصطناعي الوكيل
يقوم الاستثمار الأمريكي في الذكاء الاصطناعي الآلي على العقود بين الشركات والإدارة. ففي 14 يوليو 2025، وقعت الولايات المتحدة اتفاقيات بقيمة 200 مليون دولار مع كل من أنثروبيك، وجوجل، وأوبن إيه آي، وإس إيه آي، لبناء أنظمة عمل آلية لوزارة الدفاع الأمريكية بهدف تسريع تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم في مجالات العمليات القتالية والاستخبارات.
وعلى الرغم من حجم الاستثمار في هذه الشراكة، إلا إن هذه المبادرة تعثرت وانهارت المحادثات بشأن نشر نظام كلود على شبكة البنتاجون السرية بعد أن ضغطت وزارة الدفاع الأمريكية من أجل استخدام نماذج أنثروبيك دون قيود لأغراض المراقبة والأسلحة ذاتية التشغيل الأمر الذي رفضته شركة أنثروبيك. وهو ما دفع الرئيس دونالد ترامب إلى وقف استخدام منتجات أنثروبيك، وصنف البنتاجون الشركة على أنها “تشكل خطرًا على سلسلة التوريد وإدراجها في القائمة السوداء.
على الجانب الآخر، وقعت شركة أوبن إيه آي اتفاقية بديلة، وحذت جوجل حذوها في أبريل بعد نزاعها حول تقييد استخدام أدواتها في المراقبة الجماعية أو في تشغيل الأسلحة ذاتية التشغيل؛ حيث وسعت وزارة الدفاع الأمريكية نطاق العمل السري في مجال الذكاء الاصطناعي ليشمل ثماني شركات، بما في ذلك شركة ريفليكشن إيه آي الناشئة، مع استمرار استبعاد أنثروبيك التي خسرت استئنافًا ضد القائمة السوداء في أبريل 2026.
ثانيًا: استراتيجية الصين للذكاء الاصطناعي الوكيل
لم تأتِ أسرع مكاسب الصين في مجال الذكاء الاصطناعي الوكيل بشكل رئيسي من تطبيقات موجهة للمستهلكين مثلDeepSeek ، ولكن من نماذج الوزن المفتوح التي زعمت المختبرات والمشرعون الأمريكيون أنها بنيت بشكل كبير عن طريق نسخ الأبحاث الأمريكية بدلاً من الابتكار المستقل. وقد ترسخت هذه الرواية في فبراير 2026، عندما قدمت شركة OpenAI تقريرًا للجنة مجلس النواب المعنية بالمنافسة الاستراتيجية مع الصين أن موظفي DeepSeek استخدموا برامج توجيه خارجية لاستخراج كميات هائلة من البيانات من نماذج OpenAI لتدريب تقنية تُعرف باسم تقطير المعرفة؛ حيث يتعلم نموذج “طالب” أصغر حجمًا من خلال محاكاة نموذج “معلم” أكبر. وقد وصفت شركة OpenAI هذا بأنه استغلال مجاني لقدرات كلفت مئات الملايين من الدولارات لتطويرها. وفي يونيو 2026، قدمت شركة Anthropic ادعاءً مماثلاً أمام مجلس الشيوخ، والزعم بأن مختبر Qwen التابع لشركة Alibaba شن أكبر حملة تقطير موثقة ضد Claude؛ حيث استخرج حوالي 16 مليون عملية تبادل من خلال ما يقرب من 24000 حساب وهمي. دفعت هذه الاتهامات البيت الأبيض إلى التعامل مع التقطير العدائي باعتباره مصدر تهديد للأمن القومي، داعيًا إلى تبادل المعلومات، والتنسيق بين الشركات، وإمكانية اتخاذ تدابير للمساءلة.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن الرؤية الأمريكية تقوم على إن الصين لجأت إلى مواجهة القيود الأمريكية على صادرات الرقائق الإلكترونية المتقدمة من خلال تقنية التقطير المعرفي كحل بديل، بما في ذلك التطبيقات العسكرية؛ حيث استُخدمت تقنية التقطير في هذه النماذج لإنشاء نموذج جديد لمعالجة الصور صغير الحجم بما يكفي لتشغيله على الطائرات المسيرة، وهو ما يسمح لها بتحليل الفيديو المباشر والمساعدة في الملاحة وتحديد الأهداف حتى في حالة انقطاع الاتصالات. كما استخدم باحثون عسكريون صينيون تقنية التقطير لتشغيل أنظمة ذكاء اصطناعي للتعرف على الأهداف على أجهزة تكتيكية أصغر حجمًا خلال عمليات بحرية محاكاة شملت طائرات مسيرة وسفنًا وغواصات غير مأهولة.
وبعيدًا عن الأساليب المستخدمة، يدعم هذا التوجه الحجة المركزية للصين القائمة على إن السرعة وكفاءة التكلفة أصبحا تتنافسان مع الأصالة. فالمختبرات الصينية تُضاهي أفضل النماذج الأمريكية المغلقة في غضون أسابيع من طرحها بتكلفة زهيدة مقارنة بالتكلفة المعلنة، وهو ما يجعل من الصعب على واشنطن التمييز بين الابتكار الفعال والتقليد.
ثالثًا: تكاليف تدريب الذكاء الاصطناعي ومفاضلات التوظيف
ارتفعت تكاليف التدريب على مستوى القطاع بشكل حاد. وكشف برافين نيبالي ناغا، كبير مسئولي التكنولوجيا في شركة أوبر، أن الشركة استنفدت ميزانيتها السنوية بالكامل لبرمجة الذكاء الاصطناعي في غضون أربعة أشهر فقط، بعد منح 5000 مهندس صلاحية وصول غير محدودة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي مثل Claude Code من شركةAnthropic وتشير التقارير إلى أن تكلفة تدريب نماذج الجيل الرائد لعام 2026، مثل GPT-5 وGemini Ultra، تتراوح بين 200 و500 مليون دولار، بينما تتوقع شركة Epoch AI أن تصل تكلفة التدريب إلى ما بين مليار و3 مليارات دولار في عام 2027.
يُظهر تحليل استخلاص المعرفة تفوق الصين في التكلفة بشكلٍ كبير؛ حيث كشفت شركة DeepSeek أن تدريب نموذج V3 استغرق حوالي 2.8 مليون ساعة من معالجة الرسومات H800، أي ما يُقارب 5.6 مليون دولار أمريكي وفقًا لأسعار الحوسبة الحالية، وهو جزء بسيط من تكلفة تدريب نموذج رائد في الولايات المتحدة، كما إن تكاليف تدريب نموذج V4 ستكون أقل بنحو 34 مرة من GPT-5.6 Sol وأرخص بنحو 28 مرة من Claude Opus 4.8. وتدّعي شركة Baidu أن نموذج Ernie 5.1 الخاص بها قد تم تدريبه مُسبقًا بتكلفة تُقارب 6% من تكاليف النماذج الرائدة المُماثلة، مع احتفاظه بمكانته ضمن أفضل 15 نموذجًا عالميًا.
ويمكن إرجاع أسباب ذلك إلى مجموعة من العوامل الهيكلية التي ساهمت في حدوث هذا التفاوت، ومن أهمها إن المختبرات الأمريكية تتحكم في كامل بنيتها التحتية، بما في ذلك واجهة برمجة التطبيقات (API) وإجراءات السلامة والأدوات وتحديد أسعارها. في المقابل، تسمح نماذج التوزيع المفتوح في الصين باستضافة برامجها من عدة مزودين، وهو ما يُؤدي إلى وجود منافسة سعرية. كما تدفع ضوابط التصدير المختبرات الصينية نحو تقليص حجم برامجها لتعويض محدودية الوصول إلى أحدث تقنيات الحوسبة، بينما يُعزز التوزيع المفتوح اعتماد المطورين عالميًا حتى بدون الوصول إلى أداء فائق. في المقابل، تُبقي المختبرات الأمريكية برامجها مغلقة المصدر لأن تفوقها في مجال الحوسبة يُغنيها عن الانفتاح للحفاظ على قدرتها التنافسية.
وعلى الرغم من أهمية هذا العامل، إلا إن التكلفة ليست كل شيء فإن أداء نظام Kimi K3 يُضاهي أداء النماذج الأمريكية الرائدة في العديد من المعايير، وبتكلفة تشغيل أقل بكثير، إلا أن الاختبار الذي أجراه معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني (UK AISI) ومركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي الأمريكي(CAISI) كشف عن وجود موجوعة من نقاط الضعف في مواجهة الهجمات الإلكترونية المعقدة متعددة المراحل، وهو ما يشير إلى أن تقنية التقطير قادرة على نسخ إجابات النموذج دون نسخ قدراته الاستدلالية العميقة بالكامل، بما يعني أن ميزة الصين في تكلفة الذكاء الاصطناعي قد تكون أقوى في المهام الأبسط، وقد لا تُمثل تكافؤًا حقيقيًا في المشكلات الأكثر تعقيدًا. ويبقى السؤال مطروحًا: هل ستستمر هذه الفجوة مع ازدياد صعوبة أهداف التقطير، أم مع تحسن آليات الإنفاذ؟
رابعًا: استراتيجية الصين وتداعياتها على المصالح الأمريكية في مجال الذكاء الاصطناعي
للحفاظ على ريادتها، ووفق الرؤية الأمريكية فإنها تحتاج إلى حماية تفوقها التكنولوجي مع تشجيع التوسع في إنشاء البنية التحتية الأمريكية للذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، وفي يوليو 2025، أطلقت إدارة ترامب برنامج تصدير الذكاء الاصطناعي الأمريكي للترويج لحزم الذكاء الاصطناعي المتكاملة من أجهزة وخطوط نقل البيانات ونماذج وأدوات الأمن السيبراني وتصدير بعض التطبيقات المتخصصة في قطاعات محددة على الصعيد الدولي. ويُعد هذا جزئيًا ردًا استراتيجيًا على الانتشار الصيني واسع النطاق للذكاء الاصطناعي: فإذا اعتمد العالم على الرقائق والسحابات والنماذج والمعايير الأمريكية، فإنها تضمن بذلك ريادتها في هذا المجال.
من ناحية أخرى، يُعد عنصر الثقة بالغ الأهمية؛ حيث لا يمكن للولايات المتحدة أن تتوقع من شركائها العالميين البناء على بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي في ظل إمكانية سحب الوصول إليها فجأة، كما حدث عند تعليق الوصول إلى لعبتي Fable وMythos في 12 يونيو 2026، بعد أن أصدرت الإدارة الأمريكية أمرًا بتقييد الصادرات لشركة Anthropic بدعوى مخاوف تتعلق بالأمن القومي، وهو الأمر الذي تم التراجع عنه في وقت لاحق، كما إنه في حال تصاعد مخاوف الشركات من فقدان الوصول بشكل غير متوقع، فسوف تتجه نحو اعتماد نماذج الحوسبة المفتوحة الصينية، أو النماذج المحلية، أو التعامل مع مزودين متعددين، وهو ما يترك الولايات المتحدة بقدرة حاسوبية هائلة ولكن بقاعدة مستخدمين عالمية أقل.
بالإضافة إلى ذلك، لا تزال ارتفاع الأسعار يشكل عائقًا رئيسيًا آخر؛ فعادة ما تكون النماذج الأمريكية أغلى من البدائل الصينية مفتوحة المصادر بالنسبة للمطورين والشركات والحكومات. ومع تقلص هذا الفارق السعري، قد يتزايد الضغط لتوفير المزيد من العروض المفتوحة داخل الولايات المتحدة نفسها. كما ستحتاج الشركات إلى إعادة النظر في عمليات التسعير، وهو ما يدفع واضعي السياسات إلى التركيز على استراتيجية التصدير والقدرة على تحمل التكاليف وتوسيع نطاق الوصول إلى النماذج الأمريكية. وبعبارة أخرى، ترغب العديد من الشركات الأمريكية في تقديم نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة بأسعار أقل، لكن الشركات التي تعمل مع الحكومة أو في القطاع المالي تواجه مخاطر تتعلق بالأمن القومي إذا احتوت النماذج الصينية على ثغرات أمنية. هذا الأمر يمنعها فعليًا من استخدام الأنظمة المفتوحة ويجبرها على تحمل التكلفة الأعلى للنماذج الخاصة المغلقة.
في الختام: لا يقتصر التنافس الأمريكي الصيني في مجال الذكاء الاصطناعي على بناء النموذج الأذكى فحسب، بل يتعداه إلى بناء النظام البيئي للذكاء الاصطناعي الذي يمكن إن يعتمد عليه العالم، ففي حين تراهن الصين على تقنيات التجميع والتحليل المفتوح والسرعة والتكلفة المعقولة والانتشار، لا تزال الولايات المتحدة متقدمة من حيث الأداء، لكن هذه الميزة تتضاءل أهميتها إذا استمرت الأسعار في الارتفاع. إلا إنه يمكن لضوابط التصدير وبرامج مثل مبادرة تصدير الذكاء الاصطناعي الأمريكية أن تُعزز النفوذ الأمريكي، ولكن فقط إذا اقترنت بشركاء ثابتين يخشون النزاعات المتعلقة بالإدراج في القوائم السوداء أو التعليق المفاجئ، والذين سيتحوطون من خلال التنويع في مجالات أخرى. وفي النهاية، سيكون الفائز في سباق الذكاء الاصطناعي الفعال هو الدولة التي يثق بها العالم بما يكفي لاعتماد نماذجها.

