محمد حسن النبوي
باحث في الشئون الإيرانية
شكلت الاحتجاجات الإيرانية التي تجددت في أواخر عام 2025 وبدايات عام 2026 أحد التحولات الجذرية في علاقة الدولة بالمجال الرقمي، خاصة مع التحول الكبير الذي شهدته وسائل التواصل الاجتماعي في الشارع الإيراني، وقد برز دور تطبيق “تليجرام” مجددًا كأحد أهم أدوات التعبئة والتنظيم خلال موجة الاحتجاجات الحالية. فمنذ السنوات الأولى لانتشاره داخل إيران، تم النظر إلى التطبيق باعتباره مساحة شبه آمنة نسبيًا لكسر احتكار الدولة للإعلام التقليدي، ومع تزايد الغضب الشعبي عاد ليشكل منصة محورية لتنسيق التحركات الميدانية، ونشر مقاطع التظاهرات، وكشف انتهاكات قوات الأمن. وعلى الرغم من محاولات النظام المتكررة لحجبه أو تعطيل خوادمه، نجح المحتجون في استخدام الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) لإعادة تفعيله، وهو ما عمل على تمكين بعض المجموعات من توجيه الحشود وتحديد نقاط التجمع ونشر أساليب المواجهة وتجاوز الرقابة. ولأن “تليجرام” يجمع بين السرية النسبية وسهولة الانتشار، فقد أصبح سلاحًا إعلاميًا وسياسيًا لمواجهة النظام والحد من قدرته على السيطرة الكاملة على توجيه الأحداث، ومؤكّدًا من ناحية أخرى على إن أدوات الاتصال الحديثة باتت جزءً لا ينفصل عن أحداث الاحتجاج في إيران.
وبالتالي، لم يعد تطبيق تليجرام منصة للتواصل السريع أو لنشر الأخبار العاجلة، بل أصبح جزءً أصيلًا من بنية الحراك الاجتماعي والسياسي، وأحد أهم المنصات التي تُنتج فيها السرديات البديلة وتُحفظ فيها ذاكرة الاحتجاج. ومع تشديد الدولة قبضتها على الإعلام التقليدي، وقطعها للإنترنت على نطاق واسع، اتجه المحتجون إلى توظيف قدرات تليجرام ليس فقط للتعبئة والتنسيق، بل لصياغة سجل رقمي ممتد يحفظ حقيقة ما يجري من أحداث وتطورها. ومن هنا اكتسب التطبيق وظيفة جديدة تتجاوز دوره الاتصالي المباشر، ليصبح أداة لبناء وعي جمعي قادر على مواجهة السردية الرسمية.
أولًا: تليجرام وإعادة تشكيل المجال العام للمعارضة داخل إيران
أحدث تليجرام تحولًا جذريًا في طبيعة المجال العام داخل إيران، بعدما نجح في خلق مساحة رقمية جديدة خارج سيطرة الدولة ومنح المعارضة أدوات مساعدة على إنتاج الخطاب السياسي ونشره. فبينما اعتمد النظام الإيراني لعقود على احتكار المعلومات عبر الإعلام الرسمي، عمل تليجرام على إتاحة قنوات مفتوحة لكسر هذا الاحتكار عبر تداول الأخبار، وتوثيق الانتهاكات، والكشف عن الفساد. ومع الوقت، لم يعد التطبيق مجرد وسيلة تواصل، بل أصبح قاعدة رئيسية تُستخدم لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
بالإضافة إلى ذلك، ساهم التطبيق في تحويل الإيرانيين من استقبال رسائل الإعلام الرسمي إلى مشاركين في تشكيل وبناء سرديتهم القائمة على الوعي الجمعي؛ إذ أتاحت القنوات الكبرى والمجموعات المغلقة مساحات للنقاش والتعبئة، وأصبحت بمثابة غرف عمليات اجتماعية تُدار داخلها الحملات الاحتجاجية. وقد ساعد هذا التحول في نمط الاتصال على تفكيك السرديات الرسمية للدولة، وخلق خطاب بديل أكثر شعبية واعتمادًا على مصادر محلية مباشرة.
أما الأثر الأبرز، فتمثل في بناء شبكات احتجاجية غير مركزية؛ إذ وفر تليجرام بيئة تسمح بتبادل المعلومات بسرعة فائقة دون الحاجة إلى قيادة موحدة، وهو ما قلل من قدرة الدولة على اختراق الحركة الاحتجاجية أو تفكيكها. وبهذا المعنى، أسهم التطبيق في إعادة تشكيل المجال العام داخل إيران عبر توفير منصة يتفاعل عليها المواطنون بصورة أكثر حرية ويعيدون من خلالها توزيع القوة في المجتمع، بما يعيد صياغة المشهد السياسي وفق قواعد جديدة تتجاوز إمكانيات الدولة التقليدية في الرقابة والسيطرة.
فمنذ احتجاجات الحركة الخضراء في عام 2009، أدركت المؤسسة السياسية الإيرانية خطورة فقدان السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ ساهم حجب تطبيقات مثل فيسبوك وتويتر آنذاك(أكس حاليًا) في تعزيز قوة الإصلاحيين. ومنذ ذلك الحين أصبح تضييق الإنترنت أداة ثابتة لضبط المشهد السياسي، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات.
بالإضافة إلى ذلك، عزز تطبيق تليجرام رغبة الإيرانيين في التواصل والذي أصبح بمرور الوقت أهم منصة واسعة الانتشار باعتباره سهل الاستخدام، ويعمل بكفاءة رغم ضعف الإنترنت، كما يسمح بمشاركة ملفات وصور ومقاطع الفيديو، ويستوعب اللغة الفارسية وأدواتها من ملصقات وبوتات. وبمرور السنوات، تحول التطبيق إلى فضاء مركزي لحياة الإيرانيين اليومية؛ حيث بات يستخدمه أكثر من 40 مليون شخص للحصول على الأخبار والتواصل والترفيه وتقديم الخدمات المحلية.
ولعل هذا الانتشار جعل التطبيق ساحة آمنة بين المستخدمين للنقاش والتنسيق وتبادل المعلومات، في مواجهة السلطات التي تسعى لضبط فضاء الإنترنت. ومع اتساع الاحتجاجات، اتجهت الدولة إلى تصفية المنصات وحجب بعضها مؤقتًا للحفاظ على الأمن وفق الرواية الرسمية.
ويمكن الإشارة هنا إلى إنه مع توسع الاحتجاجات، شددت السلطات قبضتها على الإنترنت، وواجه ملايين الإيرانيين صعوبة في الوصول للبيانات المتنقلة أو المواقع الخارجية، وسط تزايد الحديث عن تشغيل الإنترنت الوطني أو ما يسمى الإنترنت الحلال. ويؤكد ذلك أن الدولة تعتمد استراتيجية تدريجية في فصل الإيرانيين عن شبكات التواصل عندما تتصاعد الاضطرابات.
وفي الوقت الحالي يقف تطبيق تليجرام أمام معادلة معقدة بين ضغوط الحكومة الإيرانية التي تسعى لتقييد المعلومات المستقلة، أو سيتجه نحو الحفاظ على الالتزامات تجاه المستخدمين وتعزز أدوات الأمان ومواجهة سبل التحايل على الرقابة؟.
ثانيًا: تطبيق تليجرام كأداة للتعبئة والتنظيم
برز تطبيق تليجرام باعتباره أحد أهم محركات التعبئة والحشد للاحتجاجات داخل إيران، ومع كل موجة اضطرابات، تلعب القنوات المحلية دورًا جوهريًا في توجيه المحتجين، سواء عبر مشاركة خرائط الانتشار الأمني أو نشر تعليمات حول كيفية التعامل مع الغاز المسيل للدموع والاعتقالات، أو حتى عبر بث مباشر للفعاليات الميدانية. من أمثلة ذلك بعض القنوات مثل قناة “نقشه قیام ایران Iran Protests Map” والتي تعرض خريطة تفاعلية وتحديثات لحظية عن مواقع الاحتجاجات المختلفة داخل إيران، وتُستخدم لمشاركة مواقع التجمعات والمشاهدات من الميدانيين. وقد أسهم ذلك في رفع مستوى التنسيق بين المحتجين في محافظات مختلفة، وجعل الحركة الشعبية أكثر قدرة على الاستمرار رغم محاولات القمع الحكومي.
ووفق صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية، يتمتع التطبيق بخصائص جعلته أقل خضوعًا لسيطرة الحكومات مقارنة بالمنصات الأخرى، وهو ما جعله أداة أساسية للمحتجين الذين يعبرون عن غضبهم تجاه الفساد والسياسات التي أدت إلى إفقار الإيرانيين. كما استطاع تليجرام العمل بكفاءة رغم بطء الإنترنت والشبكات الضعيفة، وسمح بتداول مقاطع فيديو والملفات، الأمر الذي عمل على تمكين المتظاهرين من الاستغناء عن المنصات التي حظرها النظام مثل فيسبوك وتويتر. وقد اتهم مؤسس تليجرام، بافيل دوروف، السلطات الإيرانية بمحاولة منع الوصول للتطبيق بعد رفضه إغلاق قنوات احتجاجية سلمية، مؤكدًا أن النظام يسعى إلى حجب التطبيق لوقف نقل وقائع المظاهرات المنتشرة في مختلف المدن.
وتضيف “بوليتيكو” أن ميزات التشفير والخصوصية العالية ساهمت في تبادل المعلومات حول أماكن التجمع وتوثيق تجاوزات الأجهزة الأمنية دون قدرة النظام على اختراق المحادثات. وفي المقابل، حاولت الحكومة وصم الانتفاضة بالعنف عبر الادعاء بوجود دعوات لاستخدام العنف، في محاولة لتبرير القمع الأمني.
ثالثًا: إيران وتقييد الوصول للتطبيقات ومسارات تدفق المعلومات
أعلنت “هيومن رايتس ووتش” إن قرار القضاء الإيراني بحجب تطبيق تليجرام يمثل قيدًا غير مبرر على حرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات، خصوصًا أن التطبيق يستخدمه أكثر من 40 مليون شخص داخل البلاد ويعد منصة الاتصال الاجتماعي الرئيسية للإيرانيين. وقد، أمر المدعي العام في الفرع الثاني لمحكمة الثقافة والإعلام في طهران في 30 أبريل 2018 جميع مزودي خدمات الإنترنت بحظر الوصول إلى تليجرام وموقعه الإلكتروني فورًا. وفي اليوم التالي، بدأت شركات الاتصالات الكبرى مثل “إيران سيل” و”راي تيل” تنفيذ القرار ومنع المستخدمين من الوصول إلى التطبيق.
وقد برر القضاء هذا الإجراء باتهام تيليجرام بتوفير ملاذ آمن للمنظمات الإرهابية الدولية، والتورط في تنسيق احتجاجات أواخر ديسمبر 2017 وبداية يناير 2018، إضافة إلى الربط بينه وبين الهجمات التي تبناها تنظيم “داعش” في ضريح الخميني ومبنى البرلمان بطهران عام 2017، والتي أدت إلى مقتل 17 شخصًا وإصابة العشرات.
ويمكن القول إنه منذ مارس 2018، لوح عدد من المسئولين الإيرانيين بضرورة إغلاق المنصة بشكل نهائي مثل علاء الدين بروجردي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الذي أعلن إن قرار الحجب تم اتخاذه وأن الدولة ستعتمد تطبيقات مراسلة محلية بديلة بهدف حماية الأمن القومي. وقد رافق هذا التوجه حملة إعلامية رسمية للترويج للتطبيقات الإيرانية، رغم المخاوف العميقة من ضعف الخصوصية واحتمال مراقبة المستخدمين.
وفي هذا السياق، حذرت هيومن رايتس ووتش من أن سجل إيران في التجسس على النشطاء يُثير القلق بشأن إجراءات أمان استخدام هذه المنصات المحلية، في ظل تقارير عن محاولات لاختراق حسابات ناشطين وصحفيين. كما أن السلطات سبق أن حجبت فيسبوك وتويتر(أكس حاليًا) في عام 2009 وما تزال القيود عليهما مستمرة.
وضمن استراتيجية تفعيل هذا الحجب، أنفقت الحكومة الإيرانية آنذاك مبالغ كبيرة لتطوير تطبيقات وشبكات تواصل اجتماعي داخلية للتحكم بها وفق توجهات النظام، بيد أن الكثير من وكالات الأنباء والمؤسسات شبه الرسمية أعادت تفعيل حساباتها على تليجرام وشبكات التواصل الأخرى بعد فترة من الحظر الحكومي الذي استمر لفترة كبيرة.
ووفق بوريا أستركي الخبير في الإعلام الرقمي فإن سياسة قطع الإنترنت وحجب المواقع ومنصات التواصل الاجتماعي لم ولن تعد خيارًا ناجعًا في منع المستخدمين من التواصل، فضلًا عن أنها تفتح الباب على مصراعيه لنشر الشائعات واللجوء إلى بدائل غير سلمية أحيانًا. من جانبها، كشفت الناشطة الاجتماعية فرناز ملا محمد عن استخدام نحو 40 مليون إيراني تطبيق تلغرام على الرغم من القيود التي تفرضها السلطات الإيرانية عليه يليه تطبيق واتساب، باعتبارهما الأكثر استخدامًا في البلاد.
رابعًا: انعكاسات تطبيق تليجرام على الاحتجاجات وعلى المجتمع الايراني
تأخذ العلاقة بين تطبيق تليجرام والمجتمع الإيراني أبعادًا تتجاوز مجرد التواصل، فمن الناحية التنظيمية، أحدث تليجرام ثورة في مفهوم الحشد الشعبي؛ إذ سمحت خاصية القنوات ببث المعلومات لآلاف المشتركين في آن واحد دون الحاجة للكشف عن هوية المنظمين، وهو ما وفر حماية نسبية من الملاحقة الأمنية المباشرة. كما لم يكتفِ هذا الفضاء الرقمي بنشر مواعيد التظاهر، بل تحول إلى منصة مفتوحة لنشر الثقافة الحقوقية والسياسية؛ حيث يتم تداول مقاطع الفيديو التي توثق الانتهاكات فور وقوعها، وهو ما يسقط الرواية الرسمية للإعلام الحكومي ويضع الدولة في حالة دفاع مستمر عن شرعيتها أمام الرأي العام المحلي والدولي.
وعلى صعيد الوعي الاجتماعي، ساهم التطبيق في تقليل الفجوة المعلوماتية بين المدن الكبرى والأقاليم المهمشة، وهو ما أدى إلى توحيد المطالب الشعبية وتشكيل هوية وطنية عابرة للقوميات والطبقات. ومن خلال تداول البيانات الاقتصادية وتقارير انتشار الفساد، انتقل الحراك من احتجاجات عفوية على غلاء الأسعار إلى نقد هيكلي لسياسات الدولة وتوزيع الثروات. كما أعاد هذا التدفق المعلوماتي الحر صياغة العقد الاجتماعي في رؤية الإيرانيين؛ حيث أصبحت المساحة الرقمية هي المكان الحقيقي لممارسة المواطنة والتعبير عن الرأي، بعيدًا عن أدوات الرقابة المفروضة على الصحافة والإعلام.
أما من المنظور الأمني والتقني، فقد تعرض تطبيق تليجرام لمجموعة من الاستهدافات من جانب أجهزة الرقابة؛ حيث مكنت أدوات “الوكيل” (Proxy) المدمجة داخل التطبيق المستخدمين من تجاوز الحجب الحكومي دون عناء كبير، وهو ما جعل سياسات “الفلترة” التي تنتهجها السلطات غير فعالة في كثير من الأحيان. ومع ذلك، فإن هذه الحرية الرقمية أوجدت تحديات معقدة تتعلق بمستوى الأمن الشخصي؛ إذ لجأت الأجهزة الأمنية إلى أساليب الهندسة الاجتماعية واختراق الحسابات لتعقب الناشطين، وهو ما خلق حالة من الحذر الدائم داخل المجتمع الرقمي. وبالرغم من محاولات النظام لفرض بدائل محلية، إلا أن انعدام الثقة في التطبيقات المرتبطة بالدولة عزز من مكانة تليجرام كمنفذ أخير للمجال العام المستقل في إيران.
خامسًا: الآثار بعيدة المدى لاستخدام تليجرام ضمن هذه الأحداث
مع تصاعد موجات الاحتجاجات في إيران خلال الفترة من أواخر 2025 وبداية 2026، لم يعد استخدام تليجرام مقتصرًا على التواصل أو بث الأخبار العاجلة، بل تحول إلى أرشيف يساهم في بناء ذاكرة احتجاجية ممتدة تتجاوز اللحظة الراهنة من التصعيد. ففي ظل القمع الشديد، واعتقال مئات المحتجين، وقطع الإنترنت المتكرر الذي بدأ منذ أواخر ديسمبر 2025، لجأت قطاعات واسعة من الإيرانيين إلى إنشاء قنوات تليجرام متخصصة في توثيق كل ما يجري لحظة بلحظة، ليس فقط بهدف التنسيق، بل بهدف حفظ القصة الحقيقية للأحداث من التشويه أو الاختفاء.
ومن خلال هذه القنوات، يتم نشر مقاطع الفيديو، والشهادات الصوتية، والصور، والتقارير الميدانية التي يرسلها مواطنون من مختلف المحافظات، لتُعاد صياغتها في شكل سردية جماعية متكاملة. ولعل ما يميز هذه المرحلة هو أن المحتوى يتم نشره حتى أثناء فترات انقطاع الإنترنت الكامل التي فرضتها الحكومة اعتبارًا من الأسبوع الأول من يناير 2026؛ إذ يتم مشاركة المحتوى بعد عودة الاتصال. بذلك تحول تليجرام إلى أرشيف وذاكرة قادرة على مواجهة قدرة النظام على محو آثار الاحتجاجات من المجال الرقمي.
كما أن هذه الذاكرة المتراكمة على تليجرام لعبت دورًا في رسم صورة جديدة عن الاحتجاجات داخل المجتمع الإيراني نفسه. فبينما تحاول المؤسسات الرسمية تقديم التظاهرات على أنها اضطرابات محدودة، كانت القنوات المستقلة على تليجرام تخلق صورة وطنية وجغرافية للاحتجاج، تربط ما يجري في طهران بما يحدث في تبريز وكرمانشاه وأصفهان. كما منحت هذه السردية حجمًا وعمقًا أكبر، ورسخت الشعور بأن الحركة ليست محلية أو فئوية بل ذات طابع وطني شامل.
وعلى مستوى آخر، ساعدت عملية التوثيق المستمر من خلال تليجرام على تفكيك خطاب الدولة وإضعاف محاولاتها لتحديد شكل الحراك وتفسيره. فمع كل بيان حكومي أو تقليل من حجم التظاهرات، كانت القنوات الشعبية تبث روايات مصورة تظهر حجم المشاركة، وقسوة التدخل الأمني، وتنوع الفئات الاجتماعية المنخرطة. هذا النوع من “السردية المضادة” لم يكن مجرد رد على الإعلام الرسمي، بل أصبح بمرور الوقت مصدرًا من مصادر الحقيقة الجمعية لدى المواطنين الذين فقدوا الثقة في الإعلام الحكومي.
إلى جانب ذلك، يمكن اعتبار هذه الذاكرة الاحتجاجية التي تتشكل عبر تليجرام بمثابة حائط صد ضد سياسات تجاوز الأحداث والالتفاف عليها والتي تعتمد عليها السلطات لإضعاف أثر الحركات الاحتجاجية. فعلى عكس الاحتجاجات السابقة التي كانت تمحو آثارها بمجرد توقف التظاهر، أصبحت أحداث 2025–2026 محفوظة ومنظمة، ويمكن العودة إليها وتحليلها، ومقارنتها بمحطات سابقة، وهو ما يجعل من الصعب إغلاق ملف الاحتجاجات حتى بعد تراجعها ميدانيًا.
والأكثر أهمية هنا إن هذه الذاكرة المُجمعة تُستخدم اليوم داخل إيران وخارجها كأداة لتحليل أداء الدولة وتقييم سياساتها. فقد بدأت مراكز أبحاث وصحف دولية في الاعتماد على أرشيف قنوات تليجرام لفهم مسارات الأحداث، وهو ما ينزع من يد الحكومة القدرة على التحكم في كيفية قراءة العالم لما يجري في الداخل. وبالتالي فإن تليجرام لم يعد مجرد منصة اتصال، بل تحول إلى منصة لإنتاج سردية مضادة رسمية قادرة على الاستمرار لسنوات، حتى لو انطفأت موجة الاحتجاجات نفسها.
في الختام: يتضح أن تليجرام لعب دورًا يتجاوز كونه وسيطًا تكنولوجيًا، ليصبح عنصرًا مؤثرًا في إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع الإيراني والدولة خلال موجات الاحتجاج وما بعدها. فقد أسهمت المنصة في خلق ذاكرة احتجاجية رقمية يصعب محوها، وفي إنتاج سردية موازية تقوض احتكار الدولة للمعلومات، وتعيد توزيع القوة الرمزية بين الطرفين. وهو ما جعل من كل صورة تُنشر، وكل شهادة يتم توثيقها، وكل مقطع يُعاد تداوله، جزءً من معركة أوسع على شرعية الرواية وتحديد معنى ما يجري.
ومع استمرار الضغوط الاقتصادية وتصاعد الاحتقان الاجتماعي، فإن القدرة على حفظ الذاكرة الاحتجاجية عبر تليجرام ستظل عاملًا مركزيًا في استمرار موجات الغضب داخل إيران، كما ستبقى إحدى أهم أدوات المجتمع في مواجهة سياسات الحجب والإنكار التي تعتمدها السلطة. وهكذا يتحول الفضاء الرقمي إلى جزء لا يتجزأ من مستقبل الصراع السياسي في البلاد. وضمن السياق ذاته، يظهر أثر تليجرام حتى وإن كان وسيلة من الوسائل كعامل تغيير هيكلي في إعادة تشكيل المشهد السياسي الإيراني على المدى الطويل؛ حيث لم يعد من الممكن عزل المجتمع عن العالم أو التحكم في تدفق المعلومات كما كان في العقود السابقة. كما أدى الاعتماد الكثيف على هذا التطبيق إلى خلق مجتمع آخر يعيش ويتفاعل رقميًا، وهو ما جعل السلطة تواجه معضلة مستمرة بين حاجتها للإنترنت لتسيير شئون الدولة والاقتصاد، وبين خوفها من الدور التعبوي الذي يلعبه التطبيق في تقويض سيطرتها المطلقة على المجال العام.

