محمد حسن النبوي
باحث في الشئون الإيرانية
لم يكن الهجوم المسلح الذي هز مبنى المحكمة في مدينة زاهدان الإيرانية في 26 يوليو 2025 مجرد حادث أمني عابر، بل كان حدثًا كبيرًا سياسيًا واجتماعيًا يكشف عن صدوع عميقة في البنية الداخلية للدولة الإيرانية، فبينما كانت الحياة تسير بوتيرتها المعتادة، اقتحم مسلحون المقر القضائي، مطلقين العنان لنيران أسلحتهم قبل أن تنتهي المواجهة بمقتل ثلاثة من المهاجمين ووقوع عدد من القتلى والمصابين.
ويمكن النظر إلى هذا المشهد الدموي باعتباره مرآة عاكسة للاحتقان الشديد الذي يشهده إقليم سيستان وبلوشستان بالغالبية السنية والبلوشية، ويكشف عن مأزق حقيقي تواجهه طهران في إدارتها لملفات التهميش السياسي والديني والاقتصادي. ووفقًا لتقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش” (2023)، شهد إقليم سيستان وبلوشستان أعلى معدلات الإعدامات السياسية في إيران مقارنة بأي محافظة أخرى، بما يفوق 21% من إجمالي الإعدامات المسجلة على خلفية أمنية خلال العامين الأخيرين فقط. وفي ضوء ذلك، يسعى التحليل إلى تفسير الأبعاد المتعلقة بهذا الهجوم وتداعياته المحتملة على المشهد الإيراني واتجاهات تفسيره ضمن سياق أوسع للصراع بين المركز والأطراف؟
السياق الحاكم للهجوم
على الرغم من فداحة الهجوم على محكمة زاهدان، إلا أنه ليس الحادث الوحيد داخل هذا الإقليمي المضطرب؛ حيث شهدت المدينة على مدار عقود سلسلة طويلة من المواجهات الأمنية العنيفة، لطالما اتهمت السلطات الإيرانية تنظيم “جيش العدل”، وهي جماعة بلوشية سنية مسلحة، بالوقوف وراء هذه الهجمات. ويطالب هذا التنظيم، وغيره من الحركات المشابهة، إما بالاستقلال الكامل لإقليم بلوشستان، أو الحصول على حكم ذاتي يضمن حقوقهم المدنية والدينية والاقتصادية.
وتتركز اتهامات هذه الجماعات حول الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان التي يرتكبها النظام الإيراني بحق البلوش، بما في ذلك التمييز الديني الواضح ضد السنة، والحرمان من التنمية الاقتصادية، والاعتقالات التعسفية الواسعة لأسباب سياسية. وتشير بعض الاتجاهات أن هذا الهجوم الأخير جاء بمثابة رد فعل مباشر ومُتصاعد على حملة قمعية أمنية شنتها طهران في الأشهر الماضية، وشملت عمليات إعدامات واعتقالات واسعة في الإقليم، ومن ثم فإن تفسير حدوث هذا الهجوم لا يمكن قراءته كحادث أمني بمعزل عن هذه التطورات، بل هو صدى مدوٍ لعقود من القمع الممنهج والتهميش البنيوي الذي دفع بالعديد من أبناء الإقليم إلى المواجهة والرد على هذه السياسات.
اتجاهات التهميش ومجريات الصراع
تُعد منطقة سيستان وبلوشستان إحدى أفقر مناطق إيران وأكثرها تهميشًا على الإطلاق؛ حيث يعيش سكانها، وهم في غالبيتهم من السنة والعرق البلوشي، واقعًا مريرًا يتسم بغياب شبه كامل للبنية التحتية الأساسية، وتفشي معدلات البطالة التي تلامس مستويات قياسية، وشعور عميق بانعدام العدالة الاجتماعية والقضائية. والأكثر من ذلك، أن النظام الإيراني، الذي يقوم على أسس مذهبية شيعية، يُنظر إليه في هذه المنطقة على أنه لا يمنح البلوش تمثيلًا سياسيًا حقيقيًا أو لائقًا، بل على العكس غالبًا ما يتم اتهامهم بالانتماء لجماعات إرهابية أو معادية للدولة عند أي توتر أو احتجاج، وهو ما يزيد من شعورهم بالتهميش والاضطهاد.
وهذه العلاقة المتوترة، التي تتشابك فيها أبعاد العرق، الدين، والسياسة، أنتجت مناخًا شديد الهشاشة وقابلًا للانفجار في أي لحظة، وبالتالي فإن الهجوم الأخير ليس مجرد استثناء، بل هو نتيجة طبيعية ومنطقية لمسار طويل من الإقصاء والتهميش الذي دفع بالعديد من الشباب البلوشي إلى الانضمام إلى الحركات المتطرفة كملجأ أخير.
وقد أشارت الباحثة “كلاريسا وارد” في تقرير نشرته مؤسسة RAND البحثية: “سيستان وبلوشستان تمثل المرآة المعكوسة لفشل طهران المزمن في إدارة التنوع العرقي والديني داخل حدودها، وتحويله من مصدر قوة إلى بؤرة توتر”.
تحولات “جيش العدل” من الهامش إلى المواجهة
تُعتبر جماعة “جيش العدل” من أبرز وأنشط الحركات المسلحة في هذه المنطقة المضطربة، وقد ظهرت في عام 2012 كامتداد لجماعة “جند الله”، التي تمكنت طهران من القضاء على قياداتها في عام 2010. ويتبنى “جيش العدل” نهج “الكر والفر” في عملياته ضد القوات الأمنية الإيرانية، وتتركز أنشطته بشكل خاص في المدن الحدودية القريبة من باكستان، مستغلة طبيعة المنطقة الوعرة وصعوبة السيطرة عليها.
وقد أعلن تنظيم “جيش العدل” مسئوليته عن أكثر من 60 عملية مسلحة بين 2012 و2024، وفقًا لقاعدة بيانات العمليات الإرهابية التابعة لـ”جامعة ميريلاند” الأمريكية (GTD Database)، واستهدفت عملياته بالأساس رموز القضاء والأمن لا المدنيين.
وعلى الرغم من أن طهران تصنف “جيش العدل” رسميًا كمنظمة إرهابية، إلا أن سلوك النظام القمعي في الإقليم يوفر بيئة خصبة لنمو وتجذر مثل هذه الحركات في ظل الإحباط الاقتصادي، وغياب الفرص، والتمييز المذهبي، وقد ساهمت هذه العوامل في الدفع بالشباب إلى الانضمام إلى هذه الجماعات التي تقدم لهم شكلًا من أشكال المقاومة أو الانتقام.
من ناحية أخرى، فإن ما يقلق طهران بشكل عميق ليس فقط القدرة العملياتية لهذه الجماعة على تنفيذ هجمات مسلحة، بل أيضًا قدرتها المتزايدة على كسب حاضنة شعبية واسعة النطاق بين أبناء الإقليم، بسبب الشعور العام باليأس والإحباط من فشل النظام في معالجة مطالبهم المشروعة. كما أنه مع استمرار النظام في اعتماد الحلول الأمنية القمعية بدلًا من التفكير في إصلاحات سياسية واقتصادية جذرية، يظل “جيش العدل” وغيره من الجماعات المسلحة جزءً لا يتجزأ من معادلة الصراع في الإقليم، بل لم تعد هامشًا بل قوة فاعلة لا يمكن تجاهلها.
تداعيات المواجهة
من المؤكد أن طهران سترد على هذا الهجوم بشكل أمني صارم، تمامًا كما فعلت في مناسبات سابقة. لكن هذا الرد قد يكون أشبه بـ”صب الزيت على النار”، فإذا كان رد النظام هو تصعيد عمليات الإعدام الجديدة، أو فرض قيود أمنية مشددة على التنقل والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية في الإقليم، فإن احتمالية التصعيد الأمني والمدني مرتفعة، وقد يؤدي إلى انفجار أوسع وأكثر خطورة.
والأخطر من ذلك، أن الهجوم يأتي في توقيت شديد الحساسية بالنسبة لإيران، تحديدًا في مرحلة ما بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة، وهي مرحلة تحاول فيها طهران جاهدة ترميم صورتها المتضررة داخليًا وخارجيًا، وإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية والدولية. ومن ثم فإن أي تصعيد داخلي قد يقوض هذه الجهود، وفي أعقاب الهجوم صرّح النائب في البرلمان الإيراني “حسين علي شهرياري” (وهو من أبناء زاهدان) أن “الاستمرار في تجاهل مظالم الإقليم سيدفع الأمور نحو الهاوية”، وفقًا لوكالة أنباء “إرنا” الرسمية.
بالإضافة إلى ذلك، قد يتم استغلال هذا الحادث داخليًا من قبل المتشددين في النظام لتبرير تشديد القبضة الأمنية ليس فقط في سيستان وبلوشستان، بل في جميع أنحاء البلاد. خاصة في ظل تزايد ملحوظ للاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية في مدن إيرانية كبرى مثل طهران، أصفهان، وتبريز، والتي تعكس تزايد حالة السخط الشعبي من السياسات الحكومية. كما إن تزايد التوتر في المناطق الهامشية قد يفتح الباب أمام تحالفات غير متوقعة بين مجموعات مختلفة تعاني من التهميش، وهو ما يشكل تهديدًا أمنيًا أكبر على استقرار النظام.
في الختام: يمثل الهجوم على محكمة زاهدان أحد المؤشرات المعبرة عن أزمة أعمق بكثير حدود استهدافها، وعند النظر بصورة أعمق للأسباب وراء هذه الأعمال نجد أنها تعبر في مضمونها عن أزمة دولة فشلت فشلًا ذريعًا في احتواء تنوعها وإدارة الاختلافات، وفضلت التعامل مع مناطقها الهامشية على أنها مجرد ساحات أمنية يجب السيطرة عليها بالقوة، بدلًا من اعتبارها ساحات سياسية واجتماعية تتطلب الحوار، التنمية، والاعتراف بالحقوق. كما أنه في حال لم تتجه طهران بجدية نحو إعادة تقييم شاملة لسياستها تجاه إقليم سيستان وبلوشستان، وتتخذ خطوات حقيقية نحو الاعتراف بحقوق أهل الإقليم في التمثيل السياسي العادل، التنمية الاقتصادية الشاملة، والعيش بكرامة وإنسانية، فإن مثل هذه الهجمات لن تتوقف. بل على العكس، قد تتوسع رقعتها الجغرافية وتتكاثر أعدادها، لتصبح نذيرًا بـاضطرابات داخلية أوسع.

