محمد حسن النبوي
باحث في الشئون الايرانية
برزت في تونس ما بعد الثورة العديد من الظواهر الدينية والثقافية التي كانت حبيسة الظل أو تُمارس في نطاق محدود. والتي من أبرزها ظاهرة التشيع التي حظيت باهتمام متزايد في الأوساط الإعلامية، السياسية، والدينية؛ حيث لم يعد الحديث عن النشاط الشيعي مقتصرًا على الممارسات الفردية، بل طرح تساؤلات أعمق حول دوافعه وخلفياته، خاصة مع تكرار الاتهامات حول تصاعد النفوذ الإيراني الذي يسعى لاستغلال المتغيرات الميدانية في تونس لتحقيق اختراقات ثقافية وأيديولوجية ودعم نفوذها الإقليمي.
وفي ضوء ذلك، يتأرجح الجدل داخل تونس حول هذه الظاهرة بين من يرى في التشيع تعبيرًا مشروعًا عن حرية المعتقد وممارسة شخصية في دولة ديمقراطية تعددية، وبين من يعتبره شكلًا من أشكال “التوغل الإيراني” ومحاولة لتصدير نموذج الثورة الإسلامية بأسلوب ناعم، وهذا الجدل يقع بين البعد الداخلي المتعلق بالتحولات المجتمعية والبعد الخارجي المرتبط بصراعات النفوذ الإقليمي.
لذلك، تكتسب ظاهرة التشيع في تونس أهمية خاصة، ليس فقط لفهم أبعادها الاجتماعية والدينية، بل أيضًا للكشف عن ارتباطاتها المحتملة بمشاريع إقليمية أوسع، خصوصًا المشروع الإيراني الطامح لتعزيز وجوده في شمال أفريقيا.
أولًا: السياق التاريخي والديني للتشيع في تونس
بالرغم من أن تونس تُعرف بهويتها السنية المالكية الراسخة، إلا أنهت شهدت في فترات تاريخية معينة وجودًا شيعيًا، سواء على المستوى السياسي أو الثقافي أو حتى الشعبي، وإن كان ذلك الوجود محدودًا في الغالب. وفيما يلي أبرز السياقات المؤثرة في تطور المذهب الشيعي داخل تونس:
1. الفترة الفاطمية (القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي)
تُمثّل الحقبة الفاطمية أبرز مراحل الحضور الشيعي في تونس، ففي عام 909م أسّس عبيد الله المهدي الدولة الفاطمية ذات التوجه الإسماعيلي، واتخذ من مدينة المهدية الساحلية عاصمةً له. وقد استمر حكم الفاطميين في تونس حوالي 65 عامًا قبل انتقالهم إلى مصر وتأسيس القاهرة، ليصبحوا أحد أبرز القوى الإسلامية في التاريخ الوسيط.
وخلال هذه الفترة، نشط التشيع الإسماعيلي في مناطق مثل القيروان والمهدية وصفاقس، بدعم قبائل بربرية مثل كتامة وصنهاجة، التي كانت تشكّل العمود الفقري العسكري للدولة، ومع ذلك، فإن هذا التشيع لم يتجذر في البنية الاجتماعية والدينية التونسية؛ حيث ظل المذهب المالكي هو الأكثر قبولًا بين عامة الناس، خاصة في المناطق الداخلية.
2. مرحلة ما بعد سقوط الفاطميين
بعد انتقال الفاطميين إلى مصر، بدأ النفوذ الشيعي في تونس في الانحسار السريع، وعادت الهيمنة للمذهب المالكي السني، الذي أصبح المرجعية الرسمية للدولة وللمجتمع. وخلال القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، شهدت البلاد موجات من الاضطهاد الشيعي ضد بقايا الجماعات الإسماعيلية، وهو ما دفعهم إلى التخفي وممارسة التقية التي تشير إلى اخفاء المعتقد؛ حيث استمرت هذه الهيمنة المالكية لعقود طويلة، وعززتها مؤسسات مثل جامع الزيتونة، التي أصبحت رمزًا للفكر السني المالكي، ورسخت رؤية أحادية للمذهب الديني في البلاد.
3. المرحلة الحديثة والمعاصرة( بعد الثورة الإيرانية)
عاد الحديث عن التشيع في تونس إلى الواجهة في أواخر القرن العشرين، خصوصًا بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، والتي مثّلت لحظة فارقة في إعادة الاعتبار للفكر الشيعي الاثنى عشري في العالم الإسلامي، وقد تأثر بعض التونسيين خاصة من المثقفين بخطاب الثورة، وهو ما دفعهم إلى البحث في أدبيات التشيع وتبني بعض مفاهيمه، ويعد المفكر التيجاني السماوي، من أبرز الشخصيات التي ساهمت في هذا التوجه، الذي أعلن تشيعه وألف كتبًا عديدة مثل ثم اهتديت لسرد تجربته الفكرية، وهو ما أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط الفكرية التونسية.
من ناحية أخرى، ومع تراجع دور المؤسسة الدينية الرسمية في مرحلة كل من بورقيبة وبن علي، بسبب سياسات علمنة الدولة وتهميش الخطاب الديني، حاولت بعض التيارات الشيعية استغلال هذه التوجهات لنشر المذهب الشيعي، ثم جاءت ثورة 2011 لتفتح المجال أكثر أمام حرية التعبير والمعتقد، وهو ما أتاح لبعض الجمعيات الثقافية ذات التوجه الشيعي أن تظهر للعلن، مثل جمعية أهل البيت، وإن ظل نشاطها محدودًا.
وعند الحديث عن السياق الديني العام في تونس برغم هذه التطورات، يمكن القول إنتونس لا تزال تُعرف بهويتها الدينية السنية المالكية، التي تشكّل أحد أعمدة الانتماء الوطني والديني لدى أغلبية السكان؛ حيث تشير الإحصاءات إلى أن حوالي 99% من التونسيين مسلمون، وفقًا للدستور التونسي الذي ينص على أن “الإسلام دين الدولة”.، وتظهر التقديرات غير الرسمية عدد الشيعة في تونس بين 3,000 إلى 8,000 شخص، وهو ما يعادل أقل من 0.1% من السكان، أي أنهم لا يشكّلون طائفة منظمة أو مؤثرة حتى الآن، لكنهم في تنامي منذ عام 2011.
وضمن السياق ذاته، يُنظر إلى التشيع باعتباره مذهبًا دخيلًا أو مرتبطًا بنفوذ خارجي، كما تُصوّره بعض التيارات السلفية على أنه تهديد للوحدة العقائدية، وفي المقابل هناك أصوات تونسية مدنية أو إصلاحية تدعو إلى احترام حرية المعتقد، وتعتبر أن التشيع –ما دام غير مسيّس– يدخل ضمن الحقوق المكفولة دستوريًا في دولة مدنية تحترم التنوع.
على الجانب الآخر، لا يمكن فصل الحديث عن التشيع في تونس بعيدًا عن سياق الاستقطاب الإقليمي بين إيران من جهة، والقوى السنية الكبرى من جهة أخرى، فكلما زادت تحركات إيران في شمال إفريقيا، وخصوصًا عبر قنوات ثقافية ودبلوماسية، زاد التوجس الداخلي من أن يكون التشيع أداة لاختراق سياسي أكثر من كونه مجرد ممارسة دينية، ويُظهر السياق التاريخي والديني في تونس أن التشيع لم يكن يومًا ظاهرة جماهيرية أو متجذّرة، بل ارتبط بفترات استثنائية مثل الحقبة الفاطمية، أو بظروف سياسية وثقافية حديثة كالثورة الإيرانية وما بعدها، ورغم ما يشهده من حراك ثقافي محدود اليوم، يبقى المذهب المالكي هو المكوّن الديني الأساسي، وتبقى الدولة والمجتمع متمسكَين بهوية سنية واضحة، تجعل من كل تَحول مذهبي أمرًا خاضع للمراقبة والشك.
ثانيًا: آليات تعزيز الدور الإيراني في دعم التشيّع في تونس
1. تصدير الثورة وإعادة إنتاج الرمزية داخل تونس
منذ انتصار الثورة الإيرانية في عام 1979، حمل الخطاب الإيراني بُعدًا يتجاوز حدود الداخل، قائمًا على ثنائية المقاومة ضد الاستكبار ونصرة القضية الفلسطينية. وبالنسبة لتونس لم يكن هذا الخطاب مجرد شعار خارجي بل تسرّب عبر فعاليات رمزية استهدفت تعزيز التوغل الخارجي والنفوذ الإيراني. ولعل أبرز مثال ما حدث في مسيرة يوم القدس العالمي في قابس سنة 2013 التي نظمتها جمعية أهل البيت الثقافية. وهذا الحدث لم تكن مجرد ظاهرة محلية بل انعكاس مباشر لمحاولة إيران إدخال أدواتها الرمزية في سياق تونسي، وهو ما أثار ردود فعل قوية من التيارات السلفية التي رأت فيها تهديدًا لهوية البلاد المذهبية. ومن هنا يظهر التوتر التونسي بين التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية وبين المخاوف تجاه أي محاولة لربطها بالمدّ الشيعي والخطاب الثوري الإيراني مستندًا إلى قيم المقاومة ونصرة القضية الفلسطينية.
وضمن السياق ذاته، برزت مجموعة من الأحداث مثل مشاركة القسم الثقافي الإيراني في فعاليات عامة مثل جناح القسم في معرض تونس الدولي للكتاب المنعقد من 25 أبريل إلى 4 مايو 2025، بالإضافة إلى تنظيم أسابيع ثقافية مشتركة مثل الأسبوع الثقافي التونسي – الإيراني الذي نُقل عنه نشاطات في 2025. هذه الفعاليات تمنح حضورًا رمزيًا لإيران داخل الفضاء الثقافي التونسي وتتيح مدخلًا لربط قضايا سياسية (القدس، المقاومة) بمناسبات احتفالية وفنية.
2. ولاية الفقيه بين التنظير والواقع التونسي
رغم مركزية مبدأ ولاية الفقيه في العقيدة السياسية الإيرانية، فإن حضوره في تونس ظل محصورًا داخل الجمعيات الشيعية ذات الطابع الثقافي مثل جمعية أهل البيت الثقافية في قابس والتي لا تعمل كذراع سياسي، بل تقدم نفسها كفضاء ديني – ثقافي مستفيدة من اعتراف الدولة القانوني.
لكن الأهم أن هذا الحضور لم يبقَ دون جدل؛ إذ تتعامل الأوساط التونسية الرسمية والدينية مع ولاية الفقيه كفكرة غريبة عن المذهب المالكي الذي يشكّل جوهر الهوية الوطنية. بالتالي، يصبح الخطاب حول الولاية في تونس خطابًا معرفيًا أكثر منه سياسيًا، لكنه يفتح نافذة لجدل مجتمعي حول حدود حرية المعتقد وحدود حماية الخصوصية المذهبية، كما أن الترويج المعرفي والنقاشات الإعلامية تكفي لإثارة مخاوف لدى شرائح واسعة، خصوصًا حين تُربط هذه النقاشات بخطاب سياسي محلي أو بشخصيات داخلية.
3. الشبكات الرمزية والتنظيم الثقافي
كان افتتاح المركز الثقافي الإيراني بتونس في عام 2007 علامة فارقة في رسم شبكة رمزية لإيران. أنشطته الفنية (أفلام، معارض، أسابيع ثقافية) بدت في ظاهرها جسورًا للتبادل، لكنها سرعان ما تحولت إلى موضوع نزاع. وفي عام 2012، طالبت الرابطة التونسية لمناهضة المد الشيعي بإغلاق المركز، معتبرة أنه يروّج لعقيدة دخيلة.
وقد كشف هذا الجدل أن النفوذ الإيراني في تونس لا يقوم على أعداد المتشيعين فقط، بل على حضور رمزي – ثقافي يضع المجتمع التونسي أمام معادلة معقدة، وهو ما دفع المجتمع المدني إلى التحرك سريعًا في مواجهة ما يعتبره تهديدًا لهويته حتى قبل أن تتدخل الدولة رسميًا.
وضمن السياق ذاته، برزت نقاشات تونسية حول بعض الشخصيات التونسية ذو الخلفية الشيعية مثل الدكتور السماوي، الذي أعلن تشيّعه ونشر كتابًا عن تجربته (ثم اهتديت)، وهو ما أثر ماديًّا وفكريًا في بعض الأوساط الاعلامية والاجتماعية ودفع البعض للبحث حول التشيع، كما أدى ظهور الأنشطة الثقافية والإيرانية المكثفة (ورش، عروض موسيقية، ندوات) خلال 2025، وقد أعاد إحياء النقاش حول وجود مركز ثقافي إيراني في تونس مجموعة من الاتجاهات حيال التعامل معها وما إذا كانت جسر ثقافي أو شبكة نفوذ رمزي.
ثالثًا: الجمعيات الشيعية بعد 2011: بين العلنية والجدل
أفرزت ثورة 2011 وما تبعها من انفتاح سياسي ودستوري مناخًا جديدًا سمح بظهور جمعيات شيعية بشكل علني مثل جمعية الغدير وجمعية أهل البيت في قابس وسوسة، وهذه الجمعيات تنظم الشعائر (عاشوراء، الأربعين) وتقدم نفسها كجمعيات ثقافية – دينية، لكنها في الواقع أصبحت الواجهة الرئيسية للوجود الشيعي في تونس. خاصة في المناطق الحضرية كالعاصمة وصفاقس وسوسة.
1. تطور ظاهرة التشيع في تونس بعد 2011
انفتحت تونس جزئيًا بعد الثورة على ممارسات دينية متعددة، فخرجت بعض الجمعيات والأنشطة ذات المرجعية الشيعية إلى العلن، وهو ما أثار نقاشًا إعلاميًا وسياسيًا حول وجود ما يُسمّى بالتشيّع، وقد تكررت الاتهامات بوجود حملة إيرانية ناعمة، لكنها بقيت اتهامات، مع وجود رد رسمي من الدولة والمجتمع الديني السني باعتبار أن التشيّع –حتى لو كان على المستوى الفردي– محكوم بقيود ضمن توجيهات قانونية ومراقبة حزبية مؤسسية.
ويمكن القول إن الإطار الأيديولوجي الإيراني يتكوّن من معادلة صراع رمزي أكثر من كونه تدخلًا فعليًا في الشأن المحلي التونسي؛ حيث استند على أسس فكرية وفروض مفاهيمية تُدعّم حضور المذهب الاثني عشري لكن من دون أدوات وتمويل ملموس صارخ، ولعلّ السؤال الأهم يتمثل في هل يمكن لهذا الدعم الرمزي والفكري أن ينمو إلى بنية تنظيمية أيديولوجية؟ الجواب حتى الآن يبدو سلبيًا في ظل غياب مؤسسات عابرة، كما أن تحوّل الثورة الإيرانية إلى فعل ديموغرافي أو سياسي مؤثر في تونس لا يزال رهنًا بشروط محلية، منها ضعف الترابط المجتمعي للمذهب المالكي، والوعي بمجريات صراع النفوذ الإقليمي.
2. الدولة التونسية ومواجهة المد الشيعي
ظهرت في تونس بعد 2011 مجموعة من السياسات الحكومية للتعامل مع تطورات الحراك الشيعي الداخلي عبر آليتين:
أ. الضبط القانوني: وذلك من خلال ترخيص الجمعيات ضمن الإطار المدني، مع الإبقاء على أدوات المراقبة.
ب. الحماية المذهبية: من خلال دور المؤسسات الدينية وزارة الشئون الدينية وخطاب جامع الزيتونة الذي يؤكد على الهوية السنية المالكية.
وبهذه الآليات، لم تعتمد تونس مقاربة قمعية صريحة ضد الشيعة، لكنها لم تسمح أيضًا بتحول الجمعيات إلى أطر سياسية أو دعوية واسعة، فالخطاب الرسمي يوازن بين الحرية الدينية وحماية النسيج المجتمعي، وهو ما يعكس طبيعة التجربة التونسية في التعامل مع ظواهر عابرة للحدود مثل المد الشيعي، فالتفاعل التونسي مع هذه الظاهرة يستند على معادلة دقيقة تتمثل في مجتمع مدني متحفز للمواجهة، ودولة حريصة على الهوية، وجمعيات شيعية تحاول العمل في الهامش بين الحرية والجدل ومحاولة تثبيت الأقدام.
رابعًا: العلاقات التونسية – الإيرانية: تحوّل ظاهري دون عمق استراتيجي
شهدت الفترة الأخيرة تقاربًا رمزيًا بين تونس وإيران؛ حيث قررت تونس في يونيو 2024، إعفاء الإيرانيين من تأشيرة دخول مدتها 15 يومًا، مع ضرورة حجز فندقي وعودة مؤكدة، وهي سياسة اتسمت بالرمزية أكثر من أي نفوذ واضح. وفي مايو 2024، حل الرئيس قيس سعيد ضيفًا على جنازة الرئيس الإيراني الأسبق وأجرى لقاءً مع المرشد الأعلى خامنئي، وهو ما أثار جدلًا حول رغبة تونس في تنويع مصادر توازنها الاستراتيجي. وعلى الرغم من تشكيل لجنة اقتصادية مشتركة، فإن حجم التبادل التجاري بينهما متواضع؛ حيث استوردت تونس ما قيمته 1.4 مليون دولار من إيران في 2022.
وقد شهدت العلاقات التونسية الإيرانية مؤخرًا تطورات ملحوظة، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والثقافي، مدفوعة برغبة مشتركة في تعزيز التعاون. ففي فبراير 2025، التقى رئيس غرفة التجارة الإيرانية بالسفير التونسي في طهران، مؤكدين على أهمية إعادة تفعيل المجلس المشترك لرجال الأعمال والدعوة لتشكيل لجنة اقتصادية مشتركة. وقد اقترح السفير التونسي كذلك تسيير رحلات جوية مباشرة بين البلدين لتسهيل حركة التجارة والسياحة، وهو ما يعكس تطلعًا لكسر الجمود الذي سيطر على العلاقات الاقتصادية لسنوات، كما تزامن هذا التقارب مع انعقاد المنتدى الثقافي التونسي-الإيراني في طهران، والذي شهد مشاركة فاعلة من الطرفين وإعلانًا عن نية إلغاء التأشيرات لبعض الفئات بهدف تعزيز التواصل الثقافي.
وعلى المستوى السياسي، واصلت تونس وإيران التنسيق بخصوص ملفات إقليمية مهمة، أبرزها القضية الفلسطينية، ففي مارس 2025، وخلال اجتماع منظمة التعاون الإسلامي بجدة، أكد وزيرا خارجية البلدين توافقهما التام في دعم حقوق الشعب الفلسطيني، بما في ذلك الجهود الإنسانية وإعادة الإعمار، ويعكس هذا التفاهم تقاربًا في الرؤى الخارجية، لكنه لا يمثل تحالفًا استراتيجيًا معلنًا، خاصة في ظل التوازنات الدقيقة التي تحكم السياسة التونسية.
لكن على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال العلاقة بين البلدين تواجه معوقات فعلية. ولعل أبرز هذه المعوقات هو غياب خطوط نقل مباشرة وصعوبة التنسيق بين مؤسسات القطاع الخاص في البلدين. وضمن السياق ذاته، لا يزال حجم التبادل التجاري متواضعًا ولا يعكس الطموحات المعلنة، وهو ما يسلط الضوء على حاجة الطرفين لتفعيل آليات التعاون العملي بدلًا من الاكتفاء باللقاءات الدبلوماسية.
من ناحية أخرى، تظهر النقاشات التونسية عبر الإنترنت حالة من الحذر تجاه الانفتاح الإيراني؛ حيث يرى بعض التونسيين أن طهران تستخدم البرامج الثقافية كأداة دبلوماسية ناعمة للتأثير، ويخشى آخرون من امتداد هذا التأثير إلى الشأن الديني الداخلي، خاصة مع المخاوف من محاولات نشر التشيع أو التغلغل الفكري. ومع ذلك، لم ينعكس هذا الحذر الشعبي بشكل مباشر على المواقف الرسمية، التي لا تزال منفتحة على توسيع التعاون، شريطة احترام السيادة والخصوصية التونسية.
وبصورة عامة، تبدو العلاقات التونسية الإيرانية على أعتاب مرحلة اختبار حقيقية إذا نجح البلدان في تجاوز العقبات الاقتصادية وتفعيل التبادل الثقافي والتجاري بوسائل عملية، فقد تشهد العلاقة نقلة نوعية. أما إذا ظلت التصريحات الرسمية دون خطوات ملموسة، فقد تبقى العلاقات في إطارها الرمزي، دون تحقيق شراكة فاعلة.
خامسًا: فرص وتحديات النفوذ الايراني في تونس
تتعدد الرؤى حول فرص وقيود تطور العلاقات التونسية – الإيرانية، والتي توضح بصورة أو بأخرى المسارات المستقبلية للنفوذ الإيراني في تونس وذلك على النحو الآتي:
1. فرص تنامي النفوذ الإيراني
أ. النفوذ الثقافي والرمزي: بدأت طهران منذ 2007 بتأسيس مركز ثقافي بتونس ضمن شبكة مراكز عالمية، لاستغلال “القوة الناعمة” عبر ثقافة وفكرة تبادل الانطباعات من خلال مناخ السفر (بعد تحرر التأشيرات) تسهم في نشر تجارب ثقافية، خاصة فيما يتعلق بالحضور الشيعي. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت نشاطات شيعية متزايدة في مدن الجنوب؛ حيث أقيمت مجالس عزاء ولافتات ثقافية في قابس والقيروان تحت أسماء مثل “جمعية أهل البيت” و”مجلس الغدير”.
ب. خطاب المقاومة بعد الحرب في غزة: خلال حرب غزة والممتدة منذ أكتوبر 2023، خرجت تونس بموجات تضامن جماهيري، وصلت إلى حرق معابد يهودية –مثل حريق معبد الحامة في قابس– وهو ما عزز من خلط الخطاب بين المقاومة والإسقاطات المذهبية، وقد استُغلت هذه الأحداث لصياغة خطاب شيعي مقاوم، بينما ظل الخطاب الإسلامي الشعبي تعبّر عن تضامن إنساني واسع.
ج. ظهور الشخصيات الشيعية: برزت شخصيات مثل الدكتور التيجاني السماوي، بتجربته الشيعية وكتبه التي نالت اهتمامًا إعلاميًا؛ كذلك ظهر شخصيات حديثة مثل بلقاسم المالّال، وهو ما مهد لنقاش حول “حضور شيعي” قد يستوعبه الخطاب الإيراني سعيًا لتوسيع نفوذه، فالتحول الشخصي قد يُصبح أكثر فاعلية من آلاف الصفحات الدعوية الصامتة.
د. ملحقات دبلوماسية رمزية: ظهرت لقاءات وزراء ثقافة واقتصاد من كلا الطرفين تمحورت حول السياحة والتبادل الثقافي، دون أن تظهر ثمار عملية ملموسة، مثل تعاون أمني أو مؤسساتي.
2. تحديات النفوذ الايراني
إلى جانب هذه الفرص، ثمة مجموعة من القيود التي قد تواجه انتشار المذهب الشيعي في تونس ولعل أبرزها:
أ. الغلبة السنية المالكية: يعتبر غالبية 99% من التونسيين سنيون مالكيون، كما تعمل المؤسسات الدينية التقليدية مثل جامعة الزيتونة كجدار صلب أمام أي حضور مذهبي شيعي منتظم.
ب. غياب بنية تنظيمية للشيعة: على عكس بعض الدول مثل لبنان أو العراق، لا توجد في تونس هياكل جماعية أو حزب سياسي شيعي، وإنما جمعيات ثقافية محدودة، وهو ما يضعف من فرص بناء نفوذ ملموس.
ج. اتجاهات الرأي العام والإعلام: أثارالحديث عن جمعيات شيعية أو شخصيات متشيعة نقاشًا حادًا في وسائل الإعلام وكذلك البرلمان، مع تصريحات لنائبين مثل مصطفى بن أحمد وفاطمة الزهراء الجدي محذّرة من مخاطر النفوذ الإيراني، وهو ما دفع السلطات إلى منع نشاط بعض الجمعيات والتحقيق معها رسميًا، خاصة بعدما ظهرت حلقات تلفزيونية ومقابلات في وسائل تونسية تناولت تجربة التشيع مع شخصيات علنية.
د. ضغط جهات خارجية
اتجاه تونس نحو تعزيز علاقاتها مع إيران أثار استياء دول خليجية وغربية من قلقهم على التحوّل في موازين التوازن الإقليمي، قد يمثل اتجاه تونس نحو تعزيز علاقاتها مع إيران نوع من الخلافات مع بعض الدول العربية والغربية بسبب مخاوفهم من التحوّل في موازين التوازن الإقليمي.
يمكن القول إنه في ضوء هذه المعطيات، فإن النفوذ الإيراني في تونس قائم على المنصّة الرمزية والثقافية، وليس على اتفاقات اقتصادية أو رموز أمنية. كما يتمحور حول تحريك الخطاب المضاد للهيمنة، واستغلال حرب غزة لتعزيز خطاب المقاومة، ولكن حجمه يبقى رمزيًا وهشًّا، أمام واقع ديني وجماهيري سني قوي؛ حيث تمكنت تونس من الحفاظ على حرية المعتقد، مع ضبط واضح لأي نشاط شيعي موّجه خارجيًا.
في الختام: تُعدّ ظاهرة التشيع في تونس قضية معقدة ومتعددة الأبعاد، تتداخل فيها الاعتبارات الدينية مع الخلفيات السياسية والإقليمية، خاصة في ظل تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة. وتتنوع حولها وجهات النظر بين من يعتبرها مجرد ممارسة دينية مشروعة، ومن يرى فيها أداة لاختراق ثقافي واستراتيجي يخدم أجندات خارجية، وهو ما يستدعي وعيًا عميقًا وفهمًا دقيقًا للأهداف والدوافع بعيدًا عن التهويل أو الشيطنة ومراقبة التحولات الداخلية بانتباه دون مبالغة أو تهاون، وهو ما يفرض مقاربة متوازنة تُراعي أبعاد الظاهرة الدينية وتستشرف تداعياتها السياسية المحتملة، وهكذا وُلدت علاقة ذهنية بين “التمرد الشيعي” و”المثقف المهمَّش”، وإن لم تتطور بالضرورة إلى ممارسة جماهيرية، فربما تراهن طهران على ما يُسمى بـ”التأثير الزاحف” استنادًا على اقتناص الفرص للتدخل وتعزيز النفوذ.

