محمود محمد عثمان صالح
باحث في العلوم السياسية

بالنظر إلى التزايد المستمر في استخدام شبكة المعلومات وظهور وسائل الإعلام الجديدة، تبرز الحاجة إلى طرح تساؤلات جوهرية حول الأثر الذي تُحدثه هذه الوسائل في المجال السياسي. وتتمثل أهمية هذه التساؤلات في الكشف عن مدى قدرة وسائل الإعلام الرقمية على إعادة تشكيل العلاقات والتفاعلات السياسية، فضلًا عن دورها في إحداث تحولات في أنماط المشاركة السياسية التقليدية؛ حيث أسهم الاعتماد المتنامي على المنصات الرقمية كأدوات للتواصل السياسي ووسائل للتعبئة الجماهيرية في تعزيز أهمية البحث في طبيعة هذا التأثير، واستكشاف حدوده وأبعاده المختلفة.
وفي هذا الإطار، تستند هذه الدراسة إلى قاعدة واسعة من الأدبيات والبحوث المتخصصة التي تناولت تأثير وسائل الإعلام الرقمية في الحقل السياسي من زوايا متعددة. وتُظهر هذه الدراسات تنوعًا في المقاربات النظرية والمنهجية، وهو ما يفرض اعتماد منهج تحليلي متكامل يسعى إلى الكشف عن أوجه الاتفاق والاختلاف بين هذه الطروحات، وتفسير التباين في النتائج التي توصلت إليها.
وعلى الرغم من تعدد الاتجاهات وتنوع الرؤى، ثمة اتفاق بين الباحثين على أن استخدام شبكة المعلومات أحدث تحولًا بنيويًا في بنية تدفق المعلومات، من خلال توفيره لوسائط تواصل تتسم بدرجة عالية من التفاعلية والانفتاح مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية. كما تؤدي وسائل الإعلام الرقمية دورًا محوريًا في نقل الأخبار والمضامين السياسية عبر الحواجز الجغرافية والثقافية، وهو ما يمنحها طابعًا سياسيًا ذا أبعاد عابرة للحدود.
وانطلاقًا من ذلك، تهدف الدراسة إلى تحليل أثر وسائل الإعلام الجديدة، وعلى رأسها الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، في تعزيز المشاركة السياسية، بالإضافة إلى دورها في إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والمجال السياسي في ظل التحولات الرقمية.
أولًا: اتجاهات العلاقة بين الإنترنت والمجال السياسي
منذ ظهور التقنيات الحديثة وشبكة المعلومات الدولية، شهد الحقل الأكاديمي نقاشات عديدة حول تأثير الإنترنت في المجال السياسي وما أحدثه من تطورات ملحوظة؛ حيث ساهمت العديد من الدراسات، منذ تسعينيات القرن الماضي، في إثراء الحقل البحثي من خلال تسليط الضوء على الإمكانات التفاعلية التي أتاحتها التقنيات التكنولوجية الجديدة. ففي تلك المرحلة، ركز الباحثون على الدور المحتمل لهذه الوسيلة في دعم الديمقراطية المباشرة؛ إذ اعتبر شبكة المعلومات الإنترنت آنذاك أداة واعدة لتحقيق تطلعات ديمقراطية أكثر شمولًا، وبرز في حينها افتراض مفاده أنه إذا لم تكن هذه التقنية قادرة على بلوغ تلك الأهداف، فإن أثرها على المجال السياسي سيظل هامشيًا.
ومن جهة أخرى، أشار ستيفن كولمان إلى قصور هذا التصور، مؤكدًا أن الاستناد على تكنولوجيا الإنترنت لتجاوز النموذج التمثيلي التقليدي يتجاهل أهمية البنى المؤسسية الراسخة للديمقراطية التمثيلية، والتي لا يمكن اختزالها أو تجاوزها بسهولة. بيد أن محدودية تبني التكنولوجيا الرقمية داخل المؤسسات السياسية، إلى جانب التفاوت في فرص الوصول إلى الإنترنت بين المناطق الجغرافية والفئات الاجتماعية والثقافية المختلفة، جعلت النقاش حول العلاقة بين الإنترنت والسياسة يتمركز حول الافتراضات النظرية التي تفتقر إلى أدلة تجريبية كافية.
ومع التوسع الكبير في استخدام الإنترنت عالميًا، تطور الإطار النظري لهذا المجال بصورة ملحوظة، وأصبح النقاش أكثر وضوحًا بشأن طبيعة هذا التأثير وحدوده، وقد أشار مانويل كاستيلزManuel Castells وعربا سي Araba Sey، إلى أن دراسة تأثير الإنترنت لم تعد قائمة على الافتراضات المسبقة، بل أصبحت تتطلب تحققًا ميدانيًا وتجريبيًا دقيقًا. وهكذا، بدأت الدراسات تعتمد بشكل متزايد على أدلة عملية لدراسة أثر الإنترنت في الفعل السياسي، وهو ما أضفى على النقاش قدرًا أكبر من الموضوعية والمنهجية العلمية.
وقد تناولت هذه الدراسات العلاقة بين الإنترنت والمجال السياسي من زوايا متعددة. فهناك من رأى أن الإنترنت يعزز من المشاركة المدنية من خلال ربط الأفراد المنتمين إلى جماعات اجتماعية وثقافية متقاربة بما يُمكنهم من تعميق فهمهم لقضايا سياسية محددة ويعزز من قدرتهم على الاطلاع على وجهات نظر متباينة، كما أكد آخرون على قدرة الإنترنت في تمكين الأفراد من التعبير الحر وتسهيل نشر الخطابات الشخصية والمحلية. في حين، ذهب بعض الباحثين إلى التأكيد بأن هذا التطور يتيح ابتكار أشكال جديدة من المشاركة السياسية وتعزيز الروابط بين المواطنين والمؤسسات السياسية، كما تسهم في توفير فضاء عام رقمي للحوار والتفاعل السياسي.
واستنادًا إلى هذه المعطيات، يمكن تلخيص الاتجاهات الأكاديمية إلى اتجاهين متقابلين: أولهما ينظر إلى التطور التكنولوجي في شبكة المعلومات باعتباره فضاءً سياسيًا جديدًا يدعم الديمقراطية ويوسع من إمكانات المشاركة السياسية، وثانيهما يعتبره امتدادًا للسياسة التقليدية، بحيث لا يتجاوز في جوهره حدود الممارسات التقليدية القائمة، بيد أن التراكم المعرفي اللاحق أفرز عن مواقف أكثر توازنًا؛ حيث ابتعدت النقاشات الأكاديمية عن هذه الثنائية، لتؤكد بأن تكنولوجيا المعلومات والاتصال ليست حلًا شاملًا لأزمات الديمقراطية، لكنها، في المقابل، قد تتيح فرصًا واقعية لتحسين بعض جوانب الممارسة السياسية.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الإعلام الجديد، رغم إسهامه في تعزيز بعض أنماط المشاركة السياسية، لم يؤدِ إلى تحول جذري في بنية النظام الديمقراطي، كما توقع البعض، ولم يُحدث قطيعة مع المؤسسات السياسية التقليدية، كما لم يوفر احتواءً شاملًا للمواطنين عبر الفضاءات الرقمية. ومع ذلك، تظل آثاره ملموسة ومتصاعدة في تشكيل الوعي السياسي وأنماط التفاعل بين الدولة والمجتمع.
ثانيًا: اتجاهات التحول إلى وسائل الإعلام التكنولوجية
شهدت شبكة المعلومات منذ نشأتها سلسلة من التحولات التقنية المتلاحقة التي أثرت بعمق في المجال السياسي، لا سيما مع تطور المنصات الرقمية وظهور وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث تطورت أدوات الإنترنت بشكل مكن الأفراد والمجتمعات من التأثير بطرق متعددة في الشأن السياسي. وقد ساهم هذا التقدم التقني السريع في إحداث تحولات سياسية جديدة، دفعت الباحثين إلى تطوير أطر تحليلية، نظرية وميدانية، لفهم طبيعة هذه التأثيرات وحدودها.
وقد أدى ظهور وسائل التواصل الاجتماعي إلى إحداث تحول نوعي في قدرة الأفراد والمجموعات على التواصل والتفاعل والتأثير السياسي، كما أصبحت هذه الوسائل تمثل منصات ديناميكية لنقل المعلومات وتبادل الآراء والتعبير عن المواقف. وغالبًا ما توصف هذه المنصات باعتبارها قنوات مركزية لنقل المطالب السياسية والتعبئة المجتمعية؛ حيث تتيح للمجتمعات السياسية، أو حتى للأفراد غير المنتمين إلى أطر تنظيمية تقليدية، فرصة نشر المعلومات حول أنشطتهم، وتقديم آرائهم بشأن قضايا محددة، ومشاركة محتوى متنوع المصادر، والإبلاغ عن قضايا تهم الرأي العام.
وانطلاقًا من هذا التحول، كان من الضروري تحليل أنماط استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لفهم الكيفية التي تعتمدها الجماعات السياسية في بناء قنوات تواصلها الخاصة، والمساهمة في إنتاج ونشر المعرفة السياسية. وقد قدم تيم أوريلي Tim O’Reilly، مفهوم “Web 2.0″، الذي سلط الضوء على التحولات التفاعلية التي ميزت الموجة الثانية من تطور الإنترنت؛ إذ ركز هذا المفهوم على سبع خصائص رئيسة: الإنترنت بوصفه منصة تفاعلية، وتوظيف الذكاء الجمعي، والبيانات كمورد أساسي، ونهاية دورة إصدار البرمجيات التقليدية، واعتماد نماذج برمجة خفيفة الوزن، وإمكانية تجاوز البرامج للأجهزة الفردية، وأخيرًا، تحسين تجربة المستخدم.
وفي السياق السياسي، قام كل من أندرو تشادويك Andrew Chadwick وفيليب هوارد Philip Howard، بإعادة تأطير هذه المبادئ، وحددا سبعة أبعاد أساسية توضح كيف يمكن للخصائص التقنية أن تُسهم في تشكيل الفعل السياسي، وتكمن أهمية هذا التفسير في قدرته على الربط بين الإمكانات التقنية لمنصات التواصل وبين تأثيرها الواقعي على المشاركة السياسية، والحوكمة، وتشكيل الرأي العام.
1. الإنترنت كمنصة للخطاب السياسي: يتمثل هذا البعد في الطابع التفاعلي المتزايد للويب؛ حيث لم يعد المتلقي مجرد مستهلك للمعلومة، بل أضحى مساهمًا في إنتاجها وتوزيعها، بما يسمح بإنشاء شبكات نقاش سياسي وتنسيق بين الأفراد. ويتضح ذلك من خلال الحملات انتخابية.
2. الذكاء الجمعي الناشئ عن الاستخدام السياسي للويب: بفضل البنية التشاركية للشبكات الاجتماعية، يمكن للمستخدمين إنتاج المحتوى السياسي وتوزيعه، وهو ما يتيح تنسيق الجهود في إنتاج المعرفة الجماعية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك موسوعة “ويكيبيديا”، التي تجسد نموذجًا ناجحًا للمحتوى المُنتج جماعيًا.
3. أهمية البيانات المتوفرة عبر التطبيقات والأجهزة: سمح الإنترنت بإتاحة المعلومات السياسية على نطاق واسع، إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت من الصعب السيطرة على تدفق هذه المعلومات. كما أصبحت البيانات المنشورة أكثر وضوحًا وفاعلية من خلال الوسائط المتعددة التي تؤثر في الرأي العام بشكل أعمق مما كانت عليه الوسائط التقليدية.
4. الاستمرارية التجريبية في الفضاء العام: ظهر ذلك بوضوح في الحملة الانتخابية الأولى لترشح الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما؛ حيث تم تنظيم حملات لجمع التبرعات، وتشكيل مجموعات مجتمعية، وبث خطابات مرئية للسياسيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس تطورًا نوعيًا في التفاعل بين السياسيين والجمهور.
5. التحفيز على المشاركة السياسية من خلال النزعة الاستهلاكية: تُمكن وسائل التواصل الاجتماعي الأفراد من أن يكونوا مصادر معلومات بأنفسهم، وهو ما يسهم في تشكيل مشاركة سياسية جزئية، ولكنها فاعلة، تتجلى في التفاعل مع المحتوى، والمشاركة في النقاش، والمساهمة في نشر المعلومات.
6. انتشار المحتوى السياسي عبر منصات متعددة: أصبحت تدفق المعلومات أكثر سهولة؛ إذ يمكن الوصول إلى المحتوى السياسي من خلال قنوات متنوعة في آن واحد، وهو ما يعزز انتشار الرسائل السياسية وتوسيع نطاق تأثيرها.
7. تجارب المستخدمين: تعتمد الشبكات الاجتماعية على تطبيقات برمجية متقدمة تسمح بالتفاعل المتبادل بين المستخدمين والمحتوى السياسي، بما في ذلك إمكانية التعديل والتعليق والمشاركة، وهو ما يؤدي إلى عملية جماعية مستمرة لتحسين المعلومات وتطويرها.
وعلى الرغم من الأهمية البالغة للقدرات التقنية التي توفرها وسائل الإعلام الحديثة، إلا أن هذه القدرات في حد ذاتها، لا تكفي لتفسير التأثير الكلي لهذه الوسائل في المجال السياسي. ولفهم هذا التأثير بشكل شامل، لا بد من تحليل القيمة المضافة التي تنطوي عليها حالة الاتصال الدائم والمستمر، واستكشاف ما تطرحه من تحولات على مختلف أبعاد العملية السياسية. ويبدو جليًا في الوقت الراهن أن أدوات الإنترنت، بما في ذلك منصات الشبكات الاجتماعية ومحتوى الوسائط المتعددة المُنتج ذاتيًا، قد تحولت إلى مصادر أساسية للمعلومات السياسية. وقد أسهم هذا التحول في إعادة تشكيل طرق إنتاج المعلومات وتداولها، بحيث أنها لم تعد حكرًا على المؤسسات الإعلامية التقليدية أو الجهات الرسمية، بل أصبحت متاحة لعموم المستخدمين، وهو ما أتاح إمكانيات أوسع لتكوين الرأي العام والتأثير فيه.
وعليه، فإن دراسة العلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي والسياسة تستلزم فهم الكيفية التي توفر بها هذه المنصات فرصًا جديدة للوصول إلى المعلومات، ومدى قدرتها على تعزيز المعرفة السياسية لدى الأفراد، فضلًا عن الآثار المترتبة على أنماط المشاركة السياسية من حيث الاتساع، والعمق، والتنوع. ففهم هذه الديناميات يوفر مدخلًا أكثر واقعية لتحليل التحولات التي تشهدها الساحة السياسية في ظل الثورة الرقمية، ويُمكّن من تقييم أثرها على كل من الفاعلين السياسيين والجمهور العام على حد سواء.
ثالثًا: العلاقة بين المعلومات والمشاركة السياسية في ظل التحولات الرقمية
شهدت العلاقة بين المعلومات والمعرفة السياسية والمشاركة المدنية اهتمامًا بحثيًا منذ عقود طويلة وقبل بروز وسائل التواصل الاجتماعي. فمنذ الدراسة الكلاسيكية التي أجراها بول لازارسفيلد Paul Lazarsfeld وروبرت ميرتون Robert Merton في أربعينيات القرن الماضي، بدأ علماء الاجتماع السياسي في تحليل العلاقة بين المحتوى الإعلامي، وخصوصًا التلفزيوني، والتعرض لوسائل الإعلام، والثقافة الشعبية. وقد أظهرت هذه الدراسات أن التعرض لوسائل الإعلام يسهم بوضوح في تشكيل الثقافة الشعبية، وهو ما دفع باحثين مثل والتر ليبمان Walter Lippmann وجون ديوي John Dewey إلى استكشاف تأثيرات ظهور وسائل الاتصال الجديدة على أنماط المشاركة السياسية.
كما أكدت نتائج لاحقة في هذا السياق على أن أجهزة التلفاز تمثل مصدرًا رئيسيًا للمعرفة السياسية، وخصوصًا بالنسبة للأشخاص ذوي المستويات المنخفضة من المعرفة السياسية؛ حيث يحصل الجمهور عادةً على معلومات حول المرشحين ومواقفهم من القضايا العامة عبر النشرات الإخبارية التلفزيونية. وهكذا، اتفقت العديد من الدراسات على أن التعرض للمعلومات السياسية يسهم في تعزيز المشاركة المدنية، من خلال توسيع قاعدة المعرفة السياسية لدى المواطنين.
بيد أن هذا الطرح يثير تساؤلات جوهرية حول أثر التعرض للمعلومات في الفضاء الرقمي، وخصوصًا عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. فإذا كان ثمة اتفاق على أن تداول المعلومات يعزز المعرفة السياسية، وبالتالي يُحفز المشاركة، فإن كيفية حدوث ذلك في بيئة الإنترنت لا تزال محل جدل بين الباحثين، نظرًا لتعدد المقاربات واختلافها.
وفي هذا السياق، أشارت مجموعة من الدراسات إلى أن استخدام الإنترنت لأغراض الاتصال السياسي قد لا يكون كافيًا ليعكس الاتجاه المتراجع للمشاركة السياسية، بل إن بعض الباحثين رأوا أن التفاوتات القائمة في المشاركة المدنية خارج الإنترنت يتم إنتاجها في الفضاء الرقمي ووفقًا لرؤية مخالفة عبر عنها روبرت بوتنام Robert Putnam، فإن الاعتماد على الإنترنت كمصدر رئيس للمعلومات قد يضعف الروابط الاجتماعية؛ إذ يميل المستخدمون إلى قضاء وقت أقل في التفاعل الاجتماعي الفعلي والمشاركة في العمل الجماعي. وقد دعمت دراسات أخرى هذه الفرضية، مشيرة إلى أن الاتصال بواسطة الأجهزة اللوحية يقلل من جودة التفاعل الاجتماعي من خلال إضعاف الإشارات غير اللفظية مثل لغة الجسد، وهو ما يؤدي إلى تراجع الثقة بين الأفراد.
وفي المقابل، يرى باحثون آخرون أن الإنترنت يوفر بنية تحتية شبكية قادرة على إحداث تغيير جوهري في نماذج الاتصال السياسي. وقد اشار يوشاي بنكلر Yochai Benkler إلى أن وسائل الإعلام التشاركية تسمح للأفراد بالتحول من متلقين سلبيين إلى منتجين نشطين للمحتوى السياسي، وهو ما يساهم في خلق شبكات اتصال مفتوحة ومتعددة الاتجاهات. وهذا النمط من التنظيم الإعلامي يختلف جذريًا عن النموذج التقليدي الذي يهيمن عليه الإعلام المركزي الخاضع لسلطة رأس المال أو الدولة، وهو ما يعتبر عاملًا مهددًا للنظم السلطوية التي تحاول فرض سيطرتها على تدفق المعلومات.
وعلى الرغم من محاولات بعض النظم السياسية تقييد المحتوى الرقمي من خلال الرقابة، فإن الإنترنت لا يزال يوفر مساحة واسعة لنقل المعلومات وتداول الشهادات حول الوقائع، حتى في أكثر المناطق عزلة، غير أن هذا التحول لم يحظ باتفاق أكاديمي؛ إذ أكد ماثيو هندمان Matthew Hindman أن الانفتاح الواسع الذي تتيحه شبكة المعلومات أدي إلى تقويض معايير الدقة والموضوعية، مع إفساح المجال لأصوات غير مؤهلة تستبدل دور الصحفي المحترف، وهو ما يرفع من احتمالية انتشار معلومات مضللة. وفي السياق نفسه، يشير آخرون مثل أندرو كورا Andrew Currah إلى وجود مفارقة بين سرعة إنتاج الأخبار وجودتها؛ إذ يؤدي تسارع تدفق المعلومات إلى ضعف في التحقق من المعلومة، وإلى خفض في المعايير المهنية داخل الصحافة الرقمية. وقد غيرت هذه البيئة الإعلامية الجديدة طبيعة العمل الصحفي ذاته؛ فبدلًا من اعتماد الصحفيين على الميدان، أصبح بإمكانهم استخدام منصات التواصل الاجتماعي كمصادر للمعلومة، وهو ما يؤدي إلى انفصالهم ماديًا عن موضوع التغطية، ويُضعف من التفاعل المباشر مع الحدث.
وفي إطار هذا التحول، يعبر كاس سانستين Cass Sunstein عن قلقه من “بلقنة إلكترونية” للمعلومات؛ حيث تتيح الإنترنت للأفراد انتقاء المعلومات التي تتماشى مع اهتماماتهم وتوجهاتهم فقط، متجاوزين بذلك التعرض العرضي لوجهات نظر مغايرة. ويرى أن هذا التخصيص الزائد يؤدي إلى تضييق الأفق المعرفي، مقارنة بالإعلام التقليدي الذي يسعى إلى خدمة جمهور واسع وينقل طيفًا أوسع من المعلومات. إلا أن هذا الرأي ليس جديدًا، فقد سبق أن تم التعبير عنه في سياق استخدام الإعلام الالكتروني، كما فعل جوشوا ميرويتز Joshua Meyrowitz الذي رفض فكرة بلقنة المعرفة، مؤكدًا أن الانفتاح على وسائل إعلامية جديدة يتيح إمكانية الوصول العرضي إلى معلومات متنوعة، وهو ما يمكن تعميمه أيضًا على الإنترنت.
وباختصار، يمكن القول بأنه من الصعب عدم الاعتراف بأن وسائل التواصل الاجتماعي قد مكنت المواطنين من الانخراط في الشأن السياسي بطرق غير مسبوقة، إذ لم يعودوا مجرد مستهلكين للمعلومة، بل أصبحوا فاعلين في إنتاجها ونشرها وتداولها. وقد وفّرت هذه الوسائل أدوات جديدة لنشر المعلومات السياسية بمرونة وسرعة، وهو ما أحدث تغييرًا في أنماط استهلاك الأخبار. كما ساهمت، بالتكامل مع الهواتف الذكية، في جعل الأخبار في متناول الجميع بشكل دائم. ورغم استمرار النقاش حول التأثير المباشر لوسائل التواصل الاجتماعي على المشاركة السياسية، يتفق الباحثون على أنها توفر أدوات مهمة لتمكين المواطنين من التعبير عن آرائهم، والمشاركة في الحملات، والانخراط في النقاشات السياسية، وتشكيل جماعات الضغط، وإدارة الحملات الشعبية. لكن لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات التجريبية طويلة الأمد لتقديم تقييم دقيق وشامل لهذا التأثير، بعيدًا عن ثنائية التفاؤل والتشاؤم، وبما يتيح فهمًا أعمق لدور وسائل الإعلام الرقمية في تعزيز أو إضعاف المشاركة الديمقراطية.
رابعًا: وسائل الإعلام الجديد والحملات الانتخابية
كما أشرنا سابقًا، أكد العديد من الباحثين على الأدوار المتنامية التي بات تؤديها التقنيات التكنولوجية الحديثة، ومن بعده وسائل التواصل الاجتماعي، في دعم الأحزاب السياسية ومرشحيها. ويُعزى هذا التأثير إلى قدرة الفضاء الرقمي على توفير فرص أوسع لنشر المعلومات بين الناخبين مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية، فضلًا عن إتاحة قنوات جديدة للتواصل المباشر والدعاية الذاتية؛ إذ تُتيح استراتيجيات الاتصال الرقمي نوعًا من التفاعل الفوري بين قيادات الأحزاب السياسية والجمهور، وهو ما يسهم في تعزيز المشاركة السياسية، وتشجيع الأفراد على الانخراط في العملية الانتخابية. فلم يعد استخدام المنصات الرقمية مقتصرًا على فترات الحملات الانتخابية، بل امتد ليشمل فترات ما بعد الانتخابات، في إطار ما يُعرف بـ “الحملات الدائمة”، التي تُدار عبر الإنترنت بشكل مستمر. ويُسهم هذا الاستخدام المستمر في تيسير عمليات التنظيم السياسي، وتوفير قنوات للتعبير عن الرأي وتبادل الأفكار بين المواطنين والأحزاب السياسية..
وفي هذا السياق، طورت بيبا نوريس Pippa Norris، نموذجًا تحليليًا عُرف باسم النظام السياسي الافتراضي، لتفسير تأثير الإنترنت على السياسة، حيث ركزت على الدور الوسيط الذي تلعبه الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام في ربط الدولة بالمواطنين. ويعتمد تأثير الإنترنت، وفق هذا النموذج، على قدرة هذه المنظمات الوسيطة على استغلال الإمكانيات الرقمية لتقوية الروابط بين الحاكم والمحكوم، وتوسيع نطاق التفاعل السياسي.
ورغم اتفاق العديد من الدراسات على أهمية المنصات الرقمية في المشهد السياسي المعاصر، إلا أن هناك اختلافات حول مدى ومستوى التأثير في زيادة نسب التصويت. فبينما تشير بعض الأدلة إلى أن مستخدمي الإنترنت يميلون أكثر إلى المشاركة السياسية، يشكك آخرون في وجود علاقة سببية مباشرة بين متابعة الأخبار عبر الإنترنت والمشاركة الفعلية في الانتخابات.
وعلى الرغم من استمرار هيمنة النمط الهرمي في بنية الأحزاب السياسية؛ حيث تصدر الرسائل السياسية من القيادة إلى القواعد، فإن استخدام الإنترنت أضفى طابعًا أكثر تفاعلية على هذا النموذج. فقد سعى العديد من السياسيين إلى استثمار الوسائل الرقمية لتمكين المواطنين من الانخراط في الحياة السياسية بشكل أكثر فاعلية ومباشرة، وتعتبر حملة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في عام 2008 مثالًا بارزًا على هذا التحول؛ حيث أظهرت الدراسات أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا محوريًا في تعبئة الناخبين، وبناء مجتمعات داعمة، إضافة إلى جمع التبرعات، وقد شكل هذا النموذج نقطة تحول في مسار الحملات السياسية؛ إذ ألهم العديد من الحملات حول العالم لتبني استراتيجيات رقمية مشابهة.
وفي السنوات الأخيرة، برزت حملات انتخابية حديثة استلهمت هذا النموذج، مثل حملة إيمانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2017، التي اعتمدت بشكل كبير على تنظيم رقمي لامركزي وتواصل مباشر مع الناخبين عبر المنصات الاجتماعية، كما يُعد استخدام حزب بوديموس الإسباني للأدوات الرقمية والتصويت الإلكتروني الداخلي مثالًا على السعي لإضفاء طابع ديمقراطي تشاركي على العمل السياسي.
ويمكن الإشارة إلى أن الحملات الانتخابية اعتمدت قبل هذا التحول على وسائل الإعلام التقليدية، لا سيما التلفاز، كوسيلة أساسية للوصول إلى جمهور واسع، وقد وكانت الرسائل الانتخابية تُصاغ بطريقة عامة تستهدف شريحة كبيرة من الناخبين. إلا أن التطور التكنولوجي، وتحديدًا الانتشار الواسع للإنترنت، قد غيّر هذا المشهد، إذ سمح للناخبين باختيار المحتوى الذي يتلقونه بما يتوافق مع اهتماماتهم وسياقاتهم الاجتماعية والثقافية، الأمر الذي فرض على الحملات السياسية أن تعيد تصميم خطابها السياسي ليتناسب مع هذه البيئة الجديدة. كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تكريس هذا التوجه نحو حملات سياسية أكثر تخصيصًا ومرونة، قادرة على التفاعل مع جمهور متنوع عبر منصات متعددة، كما منحت السياسيين أدوات فعالة لنشر أخبارهم وأنشطتهم بشكل دوري، وهو ما يُسهل عملية جذب الدعم الشعبي وتحفيز المشاركة المباشرة في الحملات الانتخابية.
ويُعد السياسي هوارد دين من الأمثلة المبكرة على هذا النمط الجديد؛ إذ استند في حملته الانتخابية في عام 2008 إلى الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، مستخدمًا أدوات مثل منصة Meetup لتنظيم الفعاليات وحشد الدعم. وقد مكنه الإنترنت من جمع تبرعات مالية كبيرة، وهو ما اعتُبر حينها تطورًا نوعيًا. ثم جاءت حملة أوباما لتوسع هذا النموذج، وتُرسّخه في الاستراتيجية الانتخابية الرقمية الحديثة.
ومع تضييق الفجوة الرقمية، واتساع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في سياقات سياسية مختلفة، برزت أمثلة جديدة على فعالية هذه الوسائل. ففي إيطاليا، اعتمدت حركة “النجوم الخمس” بشكل شبه كامل على وسائل التواصل الاجتماعي لإدارة حملاتها الانتخابية، دون الاعتماد على الإعلام التلفزيوني، ما وفر دليلًا إضافيًا على فاعلية المنصات الرقمية في التأثير السياسي.
وتبعًا لهذا التوسع، تتزايد باستمرار تجارب النجاح التي توثق كيف أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي كركيزة أساسية في الحملات الانتخابية الحديثة. ومع استمرار التطور التقني وتراجع الفجوة التكنولوجية، من المرجح أن تتعزز أهمية هذه الوسائل مستقبلًا، وأن تستمر في إعادة تشكيل أساليب العمل السياسي والتواصل الجماهيري على حد سواء.
خامسًا: وسائل التواصل الاجتماعي: أداة ديمقراطية أم مساحة للرقابة؟
إن حصر مفهوم السياسة الديمقراطية في عدد محدود من العناصر، كالسلطتين التنفيذية والتشريعية، يغفل الديناميكيات السياسية الأخرى الضرورية لضمان استمرارية النظام الديمقراطي (Cammaerts, 2008). فالديمقراطية لا تقوم فقط على تنظيم المؤسسات، بل تتطلب كذلك مشاركة شعبية واسعة في العمليات السياسية الرسمية وغير الرسمية (Norris, 2001). ولهذا، اتجهت العديد من الدراسات إلى تحليل الكيفية التي تدعم بها وسائل التواصل الاجتماعي أشكال المشاركة السياسية الشعبية، لاسيما من خلال الحركات الاجتماعية.
في هذا الإطار، برز الإنترنت كأداة محورية لتيسير التواصل بين الحركات العابرة للحدود وتنظيم الاحتجاجات، وكذلك في مواجهة الأنظمة الاستبدادية. ويشير سيدني تارو Sidney Tarrow إلى أن الإنترنت لا يساهم فقط في تنسيق جهود النشطاء، بل يسهم أيضًا في توسيع نطاق الأهداف من المستوى المحلي إلى المستوى العالمي، وربط الحركات والنضالات السياسية عبر بلدان متعددة، ويلاحظ أن الإنترنت يساعد الحركات الاجتماعية في بناء قنوات اتصال مستقلة، ويعزز قدرتها على التنسيق السياسي وتبادل المعلومات. حتى في البيئات التي تفتقر إلى بنية تحتية رقمية متقدمة، كما تُظهر التجارب أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تلعب دورًا حاسمًا في التغيير السياسي؛ حيث كانت قادرة على التأثير الفعلي في المشهد السياسي بعدما شكّلت هذه المنصات وسيلة بديلة لنشر المعلومات، والمشاركة في النقاش العام، وتنظيم الاحتجاجات، خاصة في ظل ضعف حرية التعبير وسيطرة الأنظمة على وسائل الإعلام التقليدية.
وقد ساهمت هذه الوسائل في تعويض التراجع في وسائل الإعلام التقليدي؛ حيث سرعان ما تتبنى وسائل الإعلام التقليدية الأخبار المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتعيد بثها للجمهور غير المتصل بالإنترنت. في هذا السياق، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا حاسمًا كمصدر مستقل للمعلومات، حتى عندما لم يكن استخدامها متاحًا على نطاق واسع.
وقد أظهرت دراسة أجراها جون كيلي وبروس إيتلينج حول المدونات الإيرانية، أن الإنترنت كان يشكل منصة واسعة للنقاش السياسي في إيران، رغم سيطرة النظام الصارمة على وسائل الإعلام. وقد رصد الباحثان نشاط نحو 60 ألف مدونة فارسية نشطة، استخدمها المواطنون الإيرانيون لمناقشة قضايا دولية ومحلية، منها حقوق الإنسان. ورغم تعرض العديد من المدونين للاعتقال، أثبتت الدراسة أن الإنترنت يمكن أن يدعم خطابًا سياسيًا متنوعًا حتى في بيئات سلطوية.
وقد لخص جو تريبي Joe Trippi هذه الديناميكية بعبارة “الثورة لن تُبث على التلفاز”، مشيرًا إلى أن التغيير السياسي في العصر الرقمي يصنعه المواطنون العاديون عبر أدواتهم الرقمية، وليس الإعلام الرسمي. وشهد العالم بالفعل هذا التحول؛ حيث اعتمدت وكالات الأنباء الدولية الكبرى، والصحف، والقنوات التلفزيونية، على المحتوى الذي بثه المتظاهرون بأنفسهم عبر وسائل التواصل، كمصدر رئيسي لتغطية الأحداث. وهكذا، فإن هذا الاستخدام الفعّال للتكنولوجيا جعل من المواطنين العاديين فاعلين سياسيين وصحفيين في الوقت ذاته، وأسهم في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة، والإعلام، والمجتمع.
سادسًا: الحتمية التكنولوجية نحو فهم نقدي لتأثير وسائل التواصل الاجتماعي
غالبًا ما يُنظر إلى التطورات التكنولوجية بوصفها تقنيات تمتلك قدرة جوهرية على إحداث تحولات في سلوك الأفراد والمجتمعات، بغض النظر عن السياقات السياسية أو الاجتماعية المحيطة بها. غير أن الاعتقاد بأن التطورات التكنولوجية ستحدث تغييرًا جذريًا في العملية السياسية تبيّن أنه مُبالغ فيه، نتيجة لتأثير التصورات التقنية الحتمية التي تسود العديد من الدراسات في هذا المجال. وكما أشار دوجلاس هندمان Douglas Hindman، فإن كثيرًا من الأبحاث التي تناولت تأثير الإنترنت على السياسة انطلقت من فرضية غير دقيقة، مفادها أن الرقمنة ستفضي بمرور الوقت إلى قطيعة مع البُنى السياسية التقليدية، ورغم انتشار هذا التصور، غير أنه ليس جديدًا ضمن أدبيات دراسات الاتصال والسياسة.
وفي ظل الجدل القائم بين المواقف المتفائلة والمتشككة حيال تأثير الإعلام الرقمي، طُرح في هذه الدراسة سؤال محوري يتعلق بوجود علاقة بنيوية وفعّالة بين الإنترنت – ولا سيما وسائل التواصل الاجتماعي – والمجال السياسي. للإجابة على هذا السؤال، تم الاعتماد على إطار نظري وتحليلي يتناول كيفية إسهام الإنترنت في تسهيل التجمعات السياسية وتعزيز أنماط جديدة من المشاركة.
وقد بينت الدراسة أن ظهور وسائل التواصل الاجتماعي قد وسع من القدرات الشبكية للأفراد والجماعات، بما مكّنهم من التفاعل مع الشأن العام بشكل أكثر تأثيرًا. فالمعلومات المتداولة عبر هذه المنصات لم تعد مجرد بيانات سطحية، بل أصبحت موردًا أساسيًا في تشكيل الوعي السياسي، وتكوين الاتجاهات، وتحفيز الانخراط الفعلي في الحياة العامة. وعوضًا عن اختزال هذه الوسائل في بعدها التقني، فقد تم مناقشة تأثيرها ضمن السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تُوظف فيها، بما يعكس تعددية أدوارها وتعقد آليات استخدامها.
وقد أظهرت الدراسة أن الفاعلين السياسيين – سواء كانوا أفرادًا أو مؤسسات – يستثمرون منصات التواصل الاجتماعي في أغراض متنوعة تشمل الحملات الانتخابية، والتنظيم الجماعي، والتنسيق الميداني، ضمن بيئات محلية وعالمية متغيرة. كما تبيّن أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت من الإنترنت أداة أكثر ديناميكية في الاتصال السياسي، حيث توفر قنوات تواصل متعددة المستويات، وتمكّن من بناء شبكات عابرة للحدود تعزز التفاعل وتبادل المعرفة بين مختلف الفاعلين. كما كانت الغاية المركزية لاستخدام هذه المنصات تتمثل في نشر المعلومات وتداولها على نحو أفقي، بما يُتيح للأفراد الوصول المباشر إلى مصادر متنوعة، وتنمية معارفهم السياسية، والمشاركة النشطة في النقاشات العامة. وبهذا المعنى، تُمثل وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً رقميًا مرنًا قادرًا على تجاوز الحواجز المكانية والزمانية، وتحدي البُنى الهرمية التي طالما ميزت النظم الاجتماعية التقليدية.
ومن ثم، يمكن القول إن الحماسة التي رافقت صعود الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لم تكن من دون أساس. فقد ساهمت هذه الأدوات في إتاحة المعلومات على نطاق واسع، وديمقراطية إنتاج وتوزيع الأخبار، وتعزيز اندماج المواطنين في العملية السياسية بطرق غير مسبوقة. وقد سعت الدراسة إلى فهم طبيعة هذا التأثير، عبر تحليل دور المعلومات المتداولة عبر الفضاء الرقمي في تشكيل السياسات العامة، وتوضيح كيف أن البنية الشبكية لهذه الوسائل منحت الأفراد موقعًا أكثر فاعلية ومحورية ضمن المشهد السياسي المعاصر.
المراجع:
- Almond, G. A., and Verba, S. (1980). The Civic Culture Revisited.
- Boston, MA: Little Brown. Alvarez, R. M. (1997). Information and
Elections. Ann Arbor, MI: University of Michigan Press.
- Barber, B. R. (2003). Which Technology and Which Democracy? In H. Jenkins, D. Thorburn, and B. Seawell (Eds.), Democracy and New Media (pp. 33–48). Cambridge, MA: MIT Press.
- Barnes, S. H., and Kaase, M. (1979). Political Action: Mass Participation in Five Western Democracies. Beverly Hills, CA: Sage.
- Barnouw, E. (1966). A History of Broadcasting in the United States: Volume 1: A Tower in Babel. To 1933. Oxford: Oxford University Press.
- Hall, N. (2019). Paolo Gerbaudo, The Digital Party: Political Organization and Online Democracy. International Sociology, 34(5), 624-628.
- Milan, S., & Treré, E. (2019). Big Data from the South(s): Beyond Data Universalism. Television & New Media, 20(4), 319-335.
- Kreiss, D. (2014). Seizing the moment: The presidential campaigns’ use of Twitter during the 2012 electoral cycle. New Media & Society, 18(8), 1473-1490.
- Chadwick, A (2013). The Hybrid Media System: Politics and Power (1st edn). Oxford, Oxford University Press.
- Vaccari, C (2013). Digital Politics in Western Democracies: A Comparative Study. US, Johns Hopkins University Press.
- Benkler, Y. (2006). The Wealth of Networks: How Social Production Transforms Markets and Freedom. New Haven, CT: Yale University Press.
- Bennett, W. L., and Segerberg, A. (2012). The Logic of Connective Action: Digital Media and the Personalization of Contentious Politics. Information, Communication and Society, 15(5), 739–768.
- Bimber, B. (1998). The Internet and Political Mobilization: Research Note on the 1996 Election Season. Social Science Computer Review, 16(4), 391–401.
- Bimber, B. (2001). Information and Political Engagement in America: The Search for Effects of Information Technology at the Individual Level. Political Research Quarterly, 54(1), 53–67.
- Bimber, B. (2003). Information and American Democracy: Technology in the Evolution of Political Power. Cambridge: Cambridge University Press.
- Blumler, J. G., and Coleman, S. J. (2009). The Internet and Democratic Citizenship: Theory, Practice and Policy. Cambridge: Cambridge University Press.
- Brians, L. C., and Wattenberg, M. P. (1996). Campaign Issue Knowledge and Salience: Comparing Reception from TV Commercials, TV News and Newspapers. American Journal of Political Science, 40(1), 172–193.
- Calderaro, A. (2010). Empirical Analysis of Political Spaces on the Internet: The Role of E-Mailing Lists in the Organization of Alter- Globalization Movements. International Journal of E-Politics, 1(1), 73–87.
- Boulianne, S. (2009). Does Internet Use Affect Engagement? A Meta-Analysis of Research. Political Communication, 26(2), 193–211.
- Calderaro, A. (2014). Internet Politics Beyond the Digital Divide. A comparative perspective on political parties online across political systems. In B. Pa ̆ trut ̧ and M. Pa ̆ trut ̧ (Eds.), social media in Politics (pp. 3–17). New York, NY: Springer International Publishing.
- Calderaro, A. (2015). Internet Governance Capacity Building in Post-Authoritarian Contexts. Telecom Reform and Human Rights in Myanmar (SSRN Scholarly Paper No. ID 2686095). Rochester, NY: Social Science Research Network.
- Calderaro, A., and Kavada, A. (2013). Challenges and Opportunities of Online Collective Action for Policy Change. Policy and Internet, 5(1), 1–6.
- Cammaerts, B. (2008). Internet-Mediated Participation Beyond the Nation State. Manchester: Manchester University Press.
- Castells, M., and Sey, A. (2004). The Internet and the Political Process. In M. Castells (Ed.), The Network Society: A Cross-Cultural Perspective (pp. 363–381). Northampton, MA: Edward Elgar Publication.
- Chadwick, A. (2013). The Hybrid Media System: Politics and Power. Oxford University Press. Chadwick, A., and Howard, P. N. (Eds.). (2009). Routledge Handbook of Internet Politics. London: Routledge.
- Chaffee, S. H., and Kanihan, S. F. (1997). Learning about Politics from the Mass Media. Political Communication, 14(4), 421–430.
- Coleman, S. (2005). New Mediation and Direct Representation: Reconceptualizing Representation in the Digital Age. New Media Society, 7(2), 177–198.
- Currah, A. (2009). What’s Happening to Our News: An Investigation into the Likely Impact of the Digital Revolution on the Economics of News Publishing in the UK. Oxford: Reuters Institute for the Study of Journalism.
- Davis, R. (2009). Typing Politics: The Role of Blogs in American Politics. New York, NY: Oxford University Press.
- Davis, R., and Owen, D. (1998). New Media and American Politics. New York, NY: Oxford University Press.
- Della Porta, D., and Mosca, L. (2005). Global-Net for Global Movements? A Network of Networks for a Movement of Movements. Journal of Public Policy, 25(1), 165–190.
- Dewey, J. (1954). The Public and Its Problems. Athens, OH: Ohio University Press.
- Diani, M. (2001). Social Movement Networks: Virtual and Real. Information, Communication and Society, 3(3), 386–401.
- Farrel, D., and Webb, P. (2000). Political Parties as Campaign Organizations. In R. J. Dalton and M. P. Wattenberg (Eds.), Parties Without Partisans: Political Change in Advanced Industrial Democracies (pp. 102–128). Oxford: Oxford University Press.
- Fearon, J. D. (1998). Deliberation as Discussion. In J. Elster (Ed.), Deliberative Democracy (pp. 44–68). Cambridge: Cambridge University Press.
- Natale, S., and Ballatore, A. (2014). The Web Will Kill Them All: New Media, Digital Utopia, and Political Struggle in the Italian 5-Star Movement. Media, Culture and Society, 36(1), 105–121.
- Nie, N. H., and Erbring, L. (2000). Internet and Society: A Preliminary Report (Stanford Institute for the Quantitative Study of Society). Stanford, CA.
- Norris, P. (2000). A Virtuous Circle: Political Communications in Postindustrial Societies. Cambridge: Cambridge University Press.
- Norris, P. (2001). Digital Divide: Civic Engagement, Information Poverty, and the Internet Worldwide. New York, NY: Cambridge University Press.
- O’Reilly, T. (2005). What is the Web 2.0? Design patterns and business models for the next generation of software.
- Pew Research Center. (2008). Audience Segments in a Changing News Environment. Key News Audiences Online and Traditional Sources. The Pew Research Center for the People and the Press.
- Price, V., and Cappella, J. N. (2002). Online Deliberation and Its Influence: The Electronic Dialogue Project in Campaign 2000. IT and Society, 1(1), 303–329.
- Putnam, R. D. (2000). Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. New York, NY: Simon and Schuster.
- Rheingold, H. (2000). The Virtual Community: Homesteading on the Electronic Frontier (Rev Sub). Cambridge, MA: The MIT Press.
- Slaton, C. D. (1992). Televote: Expanding Citizen Participation in the Quantum Age. New York, NY: Praeger Publishers.
- Smith, E. R. A. N. (1989). The Unchanging American Voter. Berkeley, CA: University of California Press.
- Sunstein, C. R. (2001). Republic.com. Princeton, NJ: Princeton University Press.
- Sunstein, C. R. (2007). Republic.com 2.0. Princeton, NJ: Princeton University Press.
- Sunstein, C. R. (2009). On Rumors: How Falsehoods Spread, Why We Believe them, What Can Be Done. New York, NY: Farrar, Straus and Giroux.
- Tan, A. S. (1980). Mass Media Use, Issue Knowledge and Political Involvement. Public Opinion Quarterly, 44(2), 241–248.
- Tarrow, S. G. (2005). The New Transnational Activism. New York, NY: Cambridge University Press.
- Thomas, J. C., and Streib, G. (2003). The New Face of Government: Citizen-Initiated Contacts in the Era of E-Government. Journal of Public Administration Research Theory, 13(1), 83–102.
- Tolbert, C. J., and McNeal, R. S. (2003). Unraveling the Effects of the Internet on Political Participation? Political Research Quarterly, 56(2), 175–185.
- Trippi, J. (2004). The Revolution Will Not Be Televised: Democracy, the Internet, and the Overthrow of Everything (Revised ed.). New York, NY: Harper Collins.
- Van Aelst, P., and Walgrave, S. (2002). New Media, New Movements? The Role of the Internet in Shaping the ‘Anti-Globalization’ Movement. Information, Communication and Society, 5(4), 465–493.
- Ward, S. J., and Vedel, T. (2006). Introduction: The Potential of the Internet Revisited. Parliamentary Affairs, 59(2), 210–225.
- Weaver, D. H. (1996). What Voters Learn from Media. The ANNALS of the American Academy of Political and Social Science, 546, 34–47.
- Weaver, D. H., and Drew, D. (1993). Voter Learning in the 1990 Off-Year Election: Did the Media Matter? Journalism Quarterly, 70(2), 356–368.
- White, C. S. (1997). Citizen Participation and the Internet: Prospects for Civic Deliberation in the Information Age. Social Studies, 88(1), 23–28.
- Wright, S. (2004). Informing, Communicating and ICTs in Contemporary Anti-Capitalism Movements. In W. van de Donk, B. D. Loader, P. G. Nixon, and D. Rucht (Eds.), Cyberprotest: New Media, Citizens and Social Movements (1st ed., pp. 77–93). London: Routledge.
- Zittel, T. (2009). Lost in Technology? Political Parties and the Online Campaigns of Constituency Candidates in Germany’s Mixed Member Electoral System. Journal of Information Technology and Politics, 6(3–4), 298–311.

