فاطمة أيمن صابر
باحثة في الدراسات الاستراتيجية والأمن الإقليمي
تشهد البيئة الأمنية في منطقة الشرق الأوسط تحولًا هيكليًا يتجاوز الأطر التقليدية للنزاعات المسلحة؛ حيث تراجعت التهديدات التقليدية النابعة من المواجهات المباشرة والحروب النظامية بين الدول، لصالح واقع جيوسياسي جديد يمكن النظر إليه من خلال ما يعرف بمتلازمة الساحات المفتوحة التي تستند بشكل رئيسي على تآكل البنية المؤسسية والسيادية للدول الوطنية، وهو ما منح الفاعلين من دون الدول الفرصة للتأثير على القرار، والسيطرة على مفاصل الدولة، واستخدام أراضيها لتنفيذ مجموعة من العمليات العابرة للحدود. وفي مواجهة هذه التهديدات الهجينة وغير المتماثلة، التي تدمج بين التكتيكات العسكرية والاقتصادية والسيبرانية، وجدت الجيوش النظامية نفسها مدفوعة في اتجاه مراجعة وتحديث عقائدها العسكرية.
أولًا: تفكيك المحركات الهيكلية: تآكل بنية الدولة والفراغ الجيوسياسي
في قلب بيئة أمنية شديدة السيولة، لم تعد النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط تعترف بالحدود الجغرافية أو الاقتصار على بعض الملفات، بل تراجعت المواجهات التقليدية المحدودة لتُفرز واقعًا جيوسياسيًا جديدًا يمكن تأطيره تحت مفهوم “متلازمة الساحات المفتوحة”؛ حيث تنتقل تداعيات الأزمات في منطقة ما إلى إشعال جبهات متعددة ومترابطة في آنٍ واحد. وهذا التمدد السريع لا يمثل مجرد ارتداد عشوائي لحالة الفوضى أو انهيار النظم في بعض دول المنطقة، بل تحول إلى أداة استراتيجية تُوظفها بعض القوى الإقليمية وفاعلون مسلحون لإعادة رسم موازين القوى، وهو ما يفرض تحديات غير مسبوقة على هيكل الاستقرار الإقليمي.
وضمن سياق توضيح التمدد السريع للنزاعات، يمكن تفكيك المحركات الجيوسياسية التي حولت المنطقة إلى بيئة خصبة لتصدير الأزمات ومنها الهشاشة المؤسسية والفراغ الأمني باعتبارهما المحركان الرئيسيان في عدد من الدول الحاضنة لهذه المتلازمة. فعندما تتراجع قدرة الدولة المركزية على احتكار أدوات القوة، تتحول أراضيها إلى مسارح مفتوحة لتصفية الحسابات. وتُمثل دول مثل اليمن ولبنان أبرز النماذج لهذا التآكل؛ حيث تم استغلال الفراغ الجيوسياسي لتحويلهما إلى منصات انطلاق لتهديدات عابرة للحدود، وهوما يربط أزماتها المحلية العميقة بصراعات إقليمية وتتشابك مع بعض القوى الإقليمية والدولية.
وبالتوازي مع تآكل سيادة الدول، تطور الفاعلون المسلحون من دون الدول من مجرد وكلاء تقليديين إلى شركاء فاعلين في صياغة الاستراتيجيات الإقليمية، متبنين عقيدة ما يُعرف بـ “وحدة الساحات”. وقد ظهر هذا جليًا في التفاعلات العسكرية المتزامنة التي اندلعت في عدة عواصم عربية عقب اشتعال الصراع في غزة والحرب الأمريكية الإيرانية. وهذا التنسيق العابر للحدود خلق جبهة جغرافية ممتدة تُعطل قدرة الجيوش النظامية على الحسم والمواجهة العسكرية، وتفرض عليها حرب استنزاف متعددة الأبعاد تستهدف تشتيت قدراتها.
ولا يمكن قراءة هذا التمدد العسكري بمعزل عن أبعاده المتجذرة في الاقتصاد السياسي للنزاعات. فاستدامة الجبهات المتعددة تتطلب بنية مالية قادرة على تجاوز العقوبات الدولية، وهو ما يتوفر عبر اقتصاديات الحرب، وشبكات التمويل الموازي، والضرائب غير الرسمية التي تضمن بقاء هذه التنظيمات وتجعل من استمرار حالة الفوضى مصلحة اقتصادية للعديد من الأطراف المنتفعة. ويمثل استهداف خطوط التجارة العالمية التطور الأخطر في هذا السياق؛ إذ إن تحويل ممرات حيوية مثل البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى ساحة اشتباك، يعكس استراتيجية واضحة لنقل الصراع من الإطار العسكري المباشر إلى خنق الشرايين الاقتصادية العالمية، وهو ما يفرض ضغوطًا تضخمية هائلة ويجبر القوى الكبرى على الانخراط في الصراع.
وقد كشفت متلازمة الساحات المفتوحة عن وجود قصور هيكلي في نظريات الردع الكلاسيكية. فالأسلحة الاستراتيجية تجد صعوبة بالغة في ردع مجموعات عالية الحركة تعتمد على أسلحة وتكتيكات غير متماثلة ورخيصة التكلفة. ومن ثم، فإن معادلة التكلفة والعائد تميل هنا لصالح الفاعلين من دون الدول، وهو ما يعزز من اتجاه “التصعيد المنضبط” أو الاشتباك تحت سقف الحرب الشاملة؛ حيث يختبر كل طرف الخطوط الحمراء للآخر بضربات محسوبة تبقي المنطقة بأسرها على حافة الهاوية.
إن متلازمة الساحات المفتوحة ليست أزمة عابرة، بل هي واقع جيوسياسي جديد يُعيد تشكيل الشرق الأوسط؛ حيث أصبح من الصعوبة بمكان فصل هذه المسارات، وللتعاطي مع هذا الواقع المعقد، يتحتم التخلي عن الحلول العسكرية التكتيكية، وتبني مقاربات استراتيجية شاملة تدمج بين الأدوات السياسية والاقتصادية والأمنية. ويشمل ذلك إعادة بناء الدول ومؤسساتها كحائط صد أول، وتجفيف منابع الاقتصادات الموازية التي تغذي النزاعات، وصولًا إلى صياغة منظومة أمنية إقليمية جديدة قادرة على استيعاب التحولات الراهنة وفرض قواعد اشتباك تضمن الحد الأدنى من الاستقرار.
وبالتالي لا يمكن فهم جذور “متلازمة الساحات المفتوحة” بمعزل عن الأزمة البنيوية التي استهدفت مفهوم “الدولة الوطنية”، فضعف المؤسسات ليس أحد الأعراض الجانبية للصراعات، بل هي الحاضنة الأساسية لها؛ حيث أدى فشل بعض النظم في استيعاب التعددية، وتراجع قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية، إلى انهيار العقد الاجتماعي الذي يمنح الدولة، حصريًا، حق احتكار الاستخدام الشرعي للقوة.
وقد نتج عن هذا الفراغ الجيوسياسي صعود شبكات عسكرية واقتصادية هجينة عملت على ملء هذا الفراغ، وتقديم نفسها كبديل يوفر الحماية والأمن للمجتمعات المحلية، بجانب ذلك، لم تعد هذه الكيانات المسلحة مجرد وكلاء محليين يدورون في فلك قوى إقليمية ودولية وينفذون أجنداتها، بل تطورت استراتيجيتهم ليصبحوا فاعلين مؤثرين لديهم القدرة على التأثير في تشكيل الواقع الجيوسياسي وفرض الشروط على القوى الأخرى.
ثانيًا: صعود الفاعلين من دون الدول وتراجع السيادة
في إطار أهمية دراسة هذه الظاهرة المعقدة، يمكن تحليل مسارات صعود أبرز الفاعلين من دون الدول وكيفية توظيفهم لاستراتيجيات “حروب المنطقة الرمادية” (Gray Zone Warfare) التي تُبقي الاشتباك دون مستوى الحرب الشاملة:
1. نموذج حركة طالبان (الاستنزاف الاستراتيجي وإسقاط الدولة الحاضنة): تُمثل الحالة الأفغانية أحد النماذج على التراجع الاستراتيجي لنظريات الردع الكلاسيكية وبناء الدول من الخارج (State-Building). يمتد مسار هذا النموذج من الغزو الأمريكي لأفغانستان في أكتوبر ٢٠٠١ وحتى الانسحاب النهائي وسقوط النظام السياسي في أغسطس ٢٠٢١. وعلى مدار عِقدين، أثبتت الحركة أن التفوق التكنولوجي، والعسكري والجوي للجيش، يفقد فاعليته أمام تكتيكات الحرب غير المتماثلة وحروب العصابات؛ حيث استغلت طالبان الجغرافيا المعقدة والهشاشة المؤسسية لشن حرب استنزاف ممتدة، معتمدة على هياكل قيادة لامركزية مرنة، والتمويل من خلال اقتصاديات الظل، وهو ما ظهر في توقيع اتفاق الدوحة في فبراير ٢٠٢٠، والذي عمل على إضفاء شرعية قانونية على الحركة كفاعل سياسي مؤثر في السلطة، وهو ما يكرس نجاح “استراتيجية الاستنزاف” في تفكيك بنية الدولة ونظامها السياسي.
2. نموذج حزب الله في لبنان: يُعد الحزب التجسيد الأكثر تعبيرًا عن استراتيجية السيطرة على القرار. فمنذ نهاية حرب يوليو ٢٠٠٦، بدأ الحزب في تكريس توازن ردع موازٍ للدولة اللبنانية. ومع اندلاع الأزمة السورية في عام ٢٠١١، حقق الحزب تحول نوعي بالانتقال من القيام بدور المقاومة المحلية إلى فاعل إقليمي يتدخل عسكريًا خارج الحدود الجغرافية لدولته، وهو ما شكل سابقة في تجاوز سيادة الدولة. وقد بلغ هذا النموذج ذروته الاستراتيجية في أكتوبر ٢٠٢٣، حين أعلن الحزب تفعيل عقيدة “وحدة الساحات” عبر فتح “جبهة إسناد عسكرية من جنوب لبنان. وهذا التحول ربط مصير الدولة اللبنانية بأكملها بصراعات إقليمية لا تملك مؤسساتها الرسمية السيطرة عليها؛ حيث فرض الحزب معادلة ردع معقدة تُكبل الجيوش النظامية الكبرى التي باتت تواجه كيانًا يمتلك قدرات الجيش النظامي ولكنه يعمل بهامش مناورة ومرونة عصابات مسلحة، جاعلًا من لبنان كله رهينة لمعادلة أمنية إقليمية.
3. نموذج الحوثيين في اليمن (عسكرة الممرات واستعراض القوة الإقليمية): استفادت جماعة أنصار الله (الحوثيون) من الفراغ الأمني الذي أعقب اضطرابات عام ٢٠١١، وصولًا إلى سيطرتها المسلحة على العاصمة صنعاء في سبتمبر ٢٠١٤، وهو ما استدعى تدخلًا عسكريًا إقليميًا في مارس ٢٠١٥ من خلال عاصفة الحزم ومع ذلك، يتمثل التحول النوعي الأبرز للجماعة في الربع الأخير من عام ٢٠٢٣، حين انتقلت من فاعل محلي منخرط في الحرب الأهلية إلى عامل مؤثر جيوسياسي دولي عبر تطبيق استراتيجية “الخنق الاقتصادي”. من خلال استهداف خطوط الملاحة التجارية الاستراتيجية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مستخدمة ترسانة متطورة وغير مكلفة من الطائرات المسيرة (UAVs) والصواريخ الباليستية المضادة للسفن، والتي أجبرت القوى الدولية الكبرى على تشكيل تحالفات بحرية دفاعية (مثل عملية “حارس الازدهار” في ديسمبر ٢٠٢٣). لقد أدخل هذا التحرك القوى الكبرى في ساحة اشتباك مفتوحة لا تجدي معها القوة العسكرية التقليدية، وهو ما تسبب في فرض الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية ومعدلات التبادل التجاري.
4. التحولات في العقائد العسكرية للجيوش النظامية
أمام تصاعد نفوذ هذه النماذج، والتكريس العملي لمتلازمة الساحات المفتوحة، أدركت الجيوش النظامية أن ترساناتها العسكرية المصممة لخوض حروب الجيلين الثاني والثالث قد واجهت تقادمًا استراتيجيًا، وهو ما استدعى أحداث تغيرات وتحولات في العقيدة القتالية وتحديثات لآليات الردع والتي من أهمها:
أ. تراجع استراتيجية الحسم العسكري السريع: تراجعت العقيدة العسكرية المرتكزة على الاجتياح البري الكثيف والقوة العسكرية الجوية (Shock and Awe) لصالح تكتيكات الحرب الهجينة (Hybrid Warfare). وهو ما دفع الجيوش النظامية إلى التعامل مع شبكات لامركزية عالية الحركة تفرض عليها حروب استنزاف طويلة الأمد في بيئات معقدة ومكتظة بالسكان، وهو ما يحد من استخدام القوة العسكرية.
ب. أولوية الحركة السريعة وتطويع التكنولوجيا غير المتماثلة: اتجهت الجيوش نحو التخلي التدريجي عن التشكيلات المدرعة الثقيلة لصالح وحدات العمليات الخاصة المدمجة بتقنيات الذكاء الاصطناعي؛ حيث أحدثت المسيرات الانتحارية (Loitering Munitions) تغيرات كبيرة في معادلة “التكلفة والعائد” (Cost-Benefit Analysis)؛ إذ باتت طائرة مسيرة أو صاروخ موجه لا تتجاوز تكلفته بضعة آلاف من الدولارات قادرة على استنزاف صواريخ اعتراضية من منظومات دفاع جوي متقدمة (مثل الباتريوت أو القبة الحديدية) تقدر قيمتها بملايين الدولارات للصاروخ الواحد.
ج. دمج الفضاء السيبراني كساحة اشتباك رئيسية: استوعبت العقائد العسكرية الحديثة أن “الساحة المفتوحة” تتجاوز الحدود الجغرافية لتشمل الفضاء الرقمي والبنية التحتية المعلوماتية. وعليه، أصبح الهجوم السيبراني الاستباقي وحرب المعلومات جزءًا من التخطيط العسكري العملياتي، بهدف شل شبكات الاتصال، والقيادة والسيطرة، واعتراض التمويل المالي للفاعلين من دون الدول قبل وحتى أثناء بدء الاشتباك الميداني.
د. تحديث بنية المنظومات الدفاعية التكتيكية: الاعتماد على عقائد عسكرية مرنة، تعتمد على إدماج تكنولوجيا الاستشعار المتقدم، وتطوير منظومات اعتراض تكتيكية منخفضة التكلفة (مثل أسلحة طاقة الليزر الموجهة والموجات الدقيقة) لتحييد أسراب المسيرات والصواريخ، لتصحيح الخلل في معادلة التكلفة والعائد.
5. الاقتصاد السياسي للنزاعات وتأمين شرايين التجارة
لا يمكن قراءة هذا التمدد العسكري بمعزل عن أبعاده المتجذرة في الاقتصاد السياسي؛ حيث يرتكز الانتشار العسكري للفاعلين من دون الدول على بنية اقتصادية موازية تحقق لهم المرونة في مواجهة أنظمة العقوبات الدولية من خلال شبكات التمويل غير الرسمي (الحوالات)، وفرض الضرائب على الاقتصادات المحلية، والسيطرة على المعابر وتجارة الظل.
وفي هذا السياق، يُعد استهداف خطوط الملاحة البحرية توجهًا استراتيجيًا مزدوجًا وعالي التأثير: فهو من جهة يُثبت الحضور الجيوسياسي ويفكك العزلة عن هذه التنظيمات، ومن جهة أخرى ينقل عبء الأزمات المحلية مباشرة إلى الاقتصاد العالمي بالتأثير على سلاسل الإمداد ورفع تكاليف التأمين والشحن، وهو ما يُشكل أداة ضغط غير عسكرية قصوى على مراكز صنع القرار في العواصم الغربية للتدخل لوقف النزاعات أو تقديم تنازلات سياسية.
6. السيناريوهات المستقبلية
بناءً على معطيات البيئة الأمنية الراهنة لمتلازمة الساحات المفتوحة، يمكن استشراف ٣ مسارات استراتيجية محتملة:
أ. السيناريو الأول(تطبيع الساحات وحروب الاستنزاف): يفترض هذا المسار استمرار تآكل سلطة الدول المركزية ببطء، مع نجاح الفاعلين المسلحين في ترسيخ قواعد اشتباك تضمن بقاء التوتر بعيدًا عن الحرب الإقليمية الشاملة، ستكتفي الجيوش النظامية بشن ضربات عسكرية لاحتواء هذه المخاطر، مع الإقرار بصعوبة الاستئصال التام. استمرار المناوشات الحدودية المتبادلة دون استهداف العواصم الكبرى، وبقاء وتيرة الهجمات البحرية ضمن معدلاتها الحالية دون إغلاق مضيق باب المندب كليًا.
ب. السيناريو الثاني(الانهيار البنيوي والصدام الإقليمي الشامل): ينطلق من احتمالية حدوث “خطأ في الحسابات الاستراتيجية”؛ حيث تتجاوز الجماعات المسلحة الخطوط الحمراء الأمنية للقوى الكبرى، وهو ما سيؤدي إلى ردود فعل عسكرية واسعة النطاق، يمكن إن تساهم في انهيار هياكل الدول الحاضنة للنزاع، مع تصاعد احتمالية اتجاه المنطقة نحو مواجهة عسكرية إقليمية مباشرة ومفتوحة تتورط فيها أطراف دولية.
ج. السيناريو المتفائل(إعادة تشكيل هيكل الأمن الإقليمي والتعافي المؤسسي): يتطلب هذا المسار الاتجاه نحو تجفيف منابع التمويل الموازي وفرض تسويات سياسية شاملة تُدمج هذه الفصائل في العملية السياسية منزوعة السلاح مع العمل على تقديم الدعم الاستثماري لإعادة بناء مؤسسات الدول الوطنية وتمكينها من استعادة احتكارها لأدوات القوة.

