مصطفى صلاح
مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
تشكل الصلاحيات غير المحدودة للسلطة التنفيذية أحد العقبات الهيكلية التي قد تساهم في إضعاف قدرة الولايات المتحدة على صنع وتنفيذ سياساتها الخارجية بصورة أكثر تماسكًا، ويأتي هذا الافتراض في ضوء تراجع قدرة الكونجرس عن القيام بواجباته؛ حيث ساهم تخلي الكونجرس عن دوره في إحداث فراغًا هيكليًا في تصميم وتنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية، وهو الفراغ الذي يُضعف من تماسك الاستراتيجية الأمريكية الكبرى في اللحظة التي يكون فيها القضايا الدولية تحتاج إلى التنسيق بين السلطتين.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن ضعف دور الكونجرس ليس بجديد على النظام السياسي الأمريكي، بل هو أقدم من الأغلبية الجمهورية والرئيس الحالي؛ حيث ساهمت مراحل ممتدة من الاستقطاب بين الحزبين في وجود صعوبات حول التوافق الذي أصبح مكلفًا، ومن جهة أخرى عمل على إضعاف وعرقلة العمل على تحقيق أهداف السياسة الخارجية، وهو ما أفرز ضعف في مسئوليات السلطة التشريعية المسئولة عن تخصيص الأموال، وتنظيم التجارة، وتفويض الحرب، وبالتالي تنازلت عن أداء كل هذه الوظائف لصالح السلطة التنفيذية التي أصبحت تعمل بقيود أقل.
وبالنسبة للتيار الواقعي، فإن هذا الأمر يثير مخاوف في ظل النظام الدولي الفوضوي الذي يقوم على إن بقاء الدول يستند على موازنة القوى، والالتزام بالتعهدات الخارجية، وهو الأمر الذي يعتمد بصورة رئيسية على مدى قوة النظام السياسي الداخلي، فالولايات المتحدة وهي بالفعل قوى عظمى تقوم سياساتها الخارجية عل الارتجال والخضوع للتفضيلات الشخصية للرئيس، ولا يملك مجلسها التشريعي الإرادة للتصويت على نزاع قائم، وبالتالي أصبحت الولايات المتحدة قوى عظمى تعمل بدون استراتيجية خارجية متماسكة.
المحكمة العليا وحدود الأدوار البديلة
على عكس الكونجرس، حافظ القضاء الفيدرالي إلى حد كبير على استقلاليته في كبح جماح السلطة التنفيذية. وكان حكم المحكمة العليا بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة في قضية Learning Resources ضد ترامب في فبراير 2026 بمثابة رقابة حقيقية على تجاوزات السلطة التنفيذية. فقد قضت المحكمة بأن قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA) لم يمنح الرئيس مطلقًا فرض تعريفات جمركية.
وفي مواجهة ذلك، اتجه الرئيس دونالد ترامب إلى تفعيل المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، وهي مادة لم تُستخدم من قبل لفرض رسوم جمركية بهدف فرض ضريبة بنسبة 10% على جميع الواردات لمدة 150 يومًا. وفي الوقت نفسه، أعلن الممثل التجاري الأمريكي جيمسون جرير عن تحقيقات جديدة بموجب المادتين 301 و232 لاستبدال الرسوم الجمركية الملغاة بمجرد انتهاء تلك الفترة. وعلى الرغم من قيام المحكمة بدورها وفق الدستور ورسم حدود عمل السلطة التنفيذية في بعض الملفات، إلا أن الكونجرس المنوط به القيام باختصاصه لم يفعل، ويمكن القول إن بإمكان المحاكم مراقبة أعمال السلطة التنفيذية، في حين إن الدستور الأمريكي لم يمنح القضاء أي سبيل للتدخل في حال تقاعس الكونجرس عن القيام بعمله باعتبار إن تخصيص الأموال، وسن قوانين التجارة، والإذن بالحرب، كلها وظائف تشريعية لا يمكن لأي محكمة القيام بها أو إجبار أحد عليها. فالحكم ليس قانونًا. ولا بد من تفعيل دور المؤسسة التشريعية.
عواقب تراجع أدوار الكونجرس
تتجلى عواقب تخلي الكونجرس عن دوره في السياسة الخارجية خاصة فيما يتعلق بالسياسات التجارية. ففي هذا المجال، قادت الولايات المتحدة بناء النظام الاقتصادي العالمي القائم على الرأسمالية والذي ساهم في تعزيز مصالحها لسبعة عقود. كما إن النظام الجمركي الحالي ما هو إلا سلسلة من التعديلات التنفيذية، يستند كل منها إلى صلاحيات قانونية لم يقصد الكونجرس تفويضها بهذا الحجم. على سبيل المثال تم إقرار المادة 122 لمعالجة حالات الطوارئ قصيرة الأجل في ميزان المدفوعات، لا كأداة دائمة للسياسة التجارية. أما المادة 232، التي كان من المفترض أن تعالج تهديدات الأمن القومي المحدودة لقطاعات صناعية محددة، فقد تم توسيع نطاقها لتصبح سلطة جمركية عامة. وهو ما ساهم في إيجاد وضع تجاري يتغير مع كل تطور منفصل عن أي إطار تشريعي.
وبالنسبة للولايات المتحدة باعتبارها دولة عظمى منخرطة في منافسة القوى الأخرى، يُعد هذا الأمر بالغ الأهمية سواء للحلفاء أو الخصوم؛ حيث لا يستطيع الحلفاء التخطيط بناءً على التزامات قد يُلغيها أمر تنفيذي لاحق. بالإضافة إلى ذلك لا يواجه الخصوم أي بنية ردع مستقرة في المجال الاقتصادي. وبالتالي تفقد الولايات المتحدة القدرة على استغلال التجارة كأداة من أدوات السياسة الخارجية لتعزيز الترابط بين الشركاء، ومواجهة المنافسين والخصوم، وتشكيل قواعد النظام الذي أسسته. وبدلًا من ذلك، أصبحت السياسة التجارية وظيفة تنفيذية أحادية الجانب، تستجيب للحوافز السياسية الداخلية بدلًا من المتطلبات الهيكلية للبيئة الدولية.
الحرب وتفويض الكونجرس
فيما يتعلق بالحرب، فقد ساهم تراجع دور الكونجرس في تمديد العمل بقانون تفويض استخدام القوة العسكرية لعام 2001، والذي يهدف إلى تفويض استخدام القوة العسكرية ضد تنظيم القاعدة ومن ساعدوا في تنفيذ هذه الهجمات، على مدى 25 عامًا لتبرير العمليات العسكرية في 22 دولة على الأقل، وضد منظمات أخرى لا صلة لها بهذه الواقعة.
وبالتالي فإن العواقب الاستراتيجية لهذه الممارسات لا تقل خطورة عن العواقب الدستورية؛ حيث يرى أنصار المدرسة الواقعية أن قدرات الدول العظمى تتراجع من خلال التوسع في الالتزامات التي لم تعد تخدم مصالحها، ويمكن وصف هذا النوع من التوسع في الصلاحيات من خلال تفويض الحرب دون تحديد الخصم والحدود الجغرافية للحرب وحدود الإطار الزمني لتحقيق أهدافها، وعلى الرغم من اتجاه الكونجرس في ديسمبر 2025 نحو إلغاء تفويضات الحرب لعامي 1991 و2002، وهو أول تراجع من نوعه منذ عام 1971. أما قانون تفويض استخدام القوة العسكرية لعام 2001 فإنه لا يزال الأساس القانوني الفعلي لعمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية في جميع أنحاء العالم.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن الحرب على إيران أسفرت عن خمس تصويتات لإنهائها في مجلس الشيوخ لكن دون جدوى، وعلى الرغم من رفض المجلس خمس مرات إما للتفويض أو الإنهاء بموجب قانون صلاحيات الحرب، فقد كان أمام الكونجرس 60 يومًا لاتخاذ القرار، وقد انقضت هذه المهلة في الأول من مايو 2026. ولم تستطع الهيئة التشريعية الإقرار ما إذا كانت هناك حاجة للحرب أم لا، وهو ما تم توصيفه بالهيئة التي فقدت أهم سلطاتها.
ركائز موقف الكونجرس
أظهرت بعض اتجاهات الرأي العام الأمريكي إن هناك نظرة سلبية لدور الكونجرس في الحرب واعتباره غير قادر على اتخاذ موقف للدرجة التي يصعب معها مسائلته. بل أصبح هذا الاتهام في بعض الأحيان درعًا للأعضاء الذين يعترفون بهذا الخلل، فقد أدرك أعضاء الكونجرس أن الاعتراف بالخلل أسهل من إصلاحه. وضمن هذا السياق برز اتجاه يقوم على إنه كلما زاد تدخل السلطة القضائية، كلما تحرر الكونجرس من واجب التدخل بنفسه؛ فكل حكم يتم اتخاذه كمؤشر على استمرار العملية الديمقراطية، يعكس من جانب آخر كونه أداة للتهرب من المسئولية بالنسبة للكونجرس. ولعل هذا الوضع يتفاقم بمرور الوقت؛ فالهيئة التشريعية التي تُرسخ تأجيل حسم القضايا لن تكون قادرة على العمل عندما تكون المخاطر في ذروتها، كما إن النظام الدولي التنافسي سيضاعف من هامش الخطأ الاستراتيجي في حال استمرار هذا الوضع، ومن ثم سيصبح الضعف المؤسسي أحد مهددات الأمن القومي.
وفي ضوء ذلك، فإن مواجهة الأزمات في ظل وجود هيئة تشريعية ضعيفة وغير قادرة على تحديد مسئولياتها في مواجهة السلطة التنفيذية، فستكون عاجزة بنيويًا عن اتخاذ قرارات وإجراء مناقشات حول متطلبات الموقف، وبالتالي فإن ضرورة إصلاح سلطات عمل الكونجرس تمثل أهمية استراتيجية بقدر أهميتها الدستورية؛ حيث لا تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على سياسة خارجية متماسكة، أو موازنة القوى الصاعدة، أو الوفاء بالتزامات التحالفات، أو ممارسة نفوذها الخارجي بالاعتماد على السلطة التنفيذية وحدها خاصة إن الاستراتيجية الكبرى تتطلب ركائز ومحددات قادرة على القيام بدورها داخل النظام السياسي الأمريكي.

