جيل Z والتحولات الرقمية المعاصرة
دراسة في الخصائص والتحديات ومخاطر الإرهاب الفكري
عزالدين أبو المجد
باحث أول بوحدة الدراسات
مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
شهد العالم منذ مطلع القرن الحادي والعشرين تحولات متسارعة أعادت تشكيل أنماط الحياة الإنسانية واتجاهات التفاعل الاجتماعي وإنتاج المعرفة. وقد مثّلت الثورة الرقمية المحرك الأبرز لهذه التحولات، بعدما تجاوزت آثارها حدود التطور التقني إلى الهياكل الثقافية والاجتماعية والسياسية للشعوب، كما أعادت هذه التطورات تحديد العلاقة بين الفرد والمعلومة، وبين المواطن والفضاء العام، وبين الأجيال الجديدة ومصادر السلطة والتأثير. وفي ظل هذه البيئة المتغيرة برز جيل جديد يُعرف في الأدبيات المعاصرة باسم “جيل Z”، وهو الجيل الذي وُلد ونشأ في عالم متصل رقميًا منذ لحظاته الأولى، بحيث لم يعد الإنترنت أو الهاتف الذكي بالنسبة له أدوات مستحدثة، بل مكونات أساسية في تكوينه المعرفي والاجتماعي والنفسي.
ولا تكمن أهمية جيل Z في شريحته العمرية، وإنما في كونه أول جيل تشكل وعيه بصورة شبه كاملة داخل البيئة الرقمية. فبينما نشأت الأجيال السابقة في ظل مؤسسات اجتماعية تقليدية كانت تحتكر بدرجات مختلفة عملية التنشئة والتثقيف السياسي والاجتماعي، وجد جيل Z نفسه في فضاء مفتوح وعابر للحدود تتداخل فيه المعلومات بالآراء، والحقائق بالسرديات، والمعرفة بالتأثير، وهو ما أوجد أنماطًا جديدة من التفكير والانتماء والمشاركة والتفاعل مع القضايا العامة. ومن ثم، فإن دراسة هذا الجيل تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم التحولات الراهنة في بنية الوعي الاجتماعي والسياسي على المستويين العالمي والمحلي.
وتزداد أهمية دراسة جيل Z بالنظر إلى موقعه الديموجرافي وتأثيره في مختلف المجالات. فعلى الصعيد العالمي، يمثل هذا الجيل إحدى أكبر الكتل السكانية في العالم، كما أصبح فاعلًا رئيسيًا في تشكيل الاتجاهات الثقافية والاجتماعية والسياسية الجديدة. وتشير العديد من الدراسات إلى أن أبناء هذا الجيل يتبعون منظومة قيمية تختلف نسبيًا عن تلك التي سادت لدى الأجيال السابقة؛ حيث ترتفع لديهم مستويات الاهتمام بقضايا العدالة الاجتماعية والمساواة والتنوع والاستدامة البيئية، إلى جانب سعيهم للبحث عن الهوية والمعنى في عالم يتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم اليقين.
وفي السياق المصري، فإن أهمية دراسة جيل Z تنبع من كونه يمثل قطاعًا واسعًا من الشباب الذين سيشكلون خلال السنوات المقبلة القوة الأكثر تأثيرًا في سوق العمل والحياة العامة والمجال السياسي، فضلًا عن كونهم الفئة الأكثر استخدامًا للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، بما يجعلهم في قلب التحولات المجتمعية التي يشهدها المجتمع المصري.
وفي ضوء التحولات الرقمية والنقلة النوعية في عملية تشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي. فلم تعد الأسرة أو المدرسة أو الجامعة أو حتى الأحزاب السياسية القادرة على إنتاج المعرفة وصياغة الاتجاهات كما كان الحال في الماضي، بل أصبحت المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي والخوارزميات والمؤثرون الرقميون أطرافًا فاعلة في هذه العملية. وقد أتاح هذا الواقع فرصًا غير مسبوقة للوصول إلى المعرفة والتعبير عن الرأي والانخراط في الشأن العام، لكنه في الوقت نفسه أوجد تحديات معقدة تتعلق بانتشار المعلومات المضللة، وتصاعد الاستقطاب الفكري، وتنامي تأثير غرف الصدى الرقمية(بيئات افتراضية معزولة داخل شبكات التواصل الاجتماعي)، وتزايد قدرة الفاعلين غير التقليديين على التأثير في إدراك الشباب وقيمهم واتجاهاتهم. ومن هنا لم يعد الحديث عن التحول الرقمي مقتصرًا على البعد التكنولوجي، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بمسألة بناء الوعي وتشكيل الهوية وإدارة المجال العام.
وتتجلى خطورة هذه التحولات بصورة خاصة عند تناول ظاهرة الإرهاب الفكري، التي لم تعد تعتمد على الأدوات التقليدية في نشر الأفكار المتطرفة أو إقصاء الآخر، بل وجدت في البيئة الرقمية فضاءً خصبًا للانتشار وإعادة إنتاج السرديات وتغذية الاستقطاب السياسي. فكلما ازداد مستوى تعرض الأفراد للمحتوى الرقمي، وتراجعت قدرة المؤسسات التقليدية على أداء أدوارها التثقيفية والتوعوية، ازدادت أهمية فهم العلاقة بين البيئة الرقمية وبين قابلية بعض الفئات، وخاصة الشباب، للتأثر بخطابات التطرف والاستقطاب الفكري. ومن ثم فإن دراسة جيل Z لا تنفصل عن دراسة التحولات التي يشهدها المجال العام الرقمي، ولا عن فهم التحديات المرتبطة ببناء المناعة الفكرية وتعزيز الوعي النقدي لدى الأجيال الجديدة،
لقراءة الدراسة كاملة

